(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف: 10 – 11).
تتجاوز السننُ الكونية حدودَ المناورات السياسية، وحين يصل ظلمُ الإنسان لأخيه الإنسان إلى حدِّ محاصرته في لقمة عيشه، وجرعة دوائه، وهواء سمائه، فإن ذلك لا يعني سوى اقتراب ساعة الحساب التاريخي.
لأكثر من عقد من الزمن، والشعب اليمني يرزح تحت وطأة حصار جائر؛ برّاً، وبحراً، وجوّاً.
حصارٌ يُفرض بذرائعَ واهية تروج لها قوى إقليمية ودولية تدور في فلك الإملاءات الخارجية، ضاربةً بعرض الحائط كل القيم الإنسانية، والأعراف الدولية، والشرائع السماوية.
(وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
ازدواجية المعايير وصناعة الوهم الدولي
لقد كشفت السنوات الماضية عجز ما يُسمى “المجتمع الدولي” ومؤسساته وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي باتت قراراته تُباع وتُشترى في سوق النفوذ والمصالح.
• أين هي تلك القرارات الأممية الملزمة أمام الصلف الصهيوني وجرائمه المتواصلة في غزة، والضفة الغربية، والقدس المحتلة؟
• وأين كان هذا الأمن العالمي المفترض حين انتُهكت سيادة دول كإيران بفعل الاعتداءات المباشرة والاغتيالات الغادرة لقادتها؟
• وماذا قدّم هذا النظامُ الدولي لشعوب عانت من الاحتلال والنهب الممنهج لثرواتها كفنزويلا وغيرها؟
إنها الحقيقةُ العارية: نظام عالمي قائم على الدجل والكذب، لا يحترم إلا القوي، ولا يحمي إلا مصالح الجلاد على حساب الضحية.
(وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.
لقد أثبت الشعب اليمني، من خلال صموده الأسطوري حول قيادته المؤمنة القوية، أن صبرَه لم يكن يوماً ضَعفاً أو استسلاماً، وإنما كان ترفّعاً عن إيذاء الجوار، وتجسيداً لقيم العزيمة والشهامة، ولكن، للصبر حدود، وللتغاضي نهاية.
إن اليمن اليوم، برجاله ونسائه، شيوخه وأطفاله، تحول إلى مجتمع يحمل السلاح ويتقن لغة الردع.
ولم يعد الردع مجرد شعارات، وإنما تجسَّد في واقع ملموس من التطوير العسكري الاستراتيجي:
• صواريخ فرط صوتية ومجنَّحة تكسر معادلات الدفاع الجوي المعقَّدة.
• سلاح جو مسيّر قادر على اختراق التحصينات والوصول إلى أهداف حساسة وحيوية.
• قدرات وهندسة عسكرية متطورة، ما زال الكثير منها طي الكتمان، وتنتظر لحظة الحسم لتفاجئ الصديق قبل العدو.
حين يُغلق بابُ العدل.. تُفتح أبوابُ الحروب
إن البركانَ اليمني يغلي، وعوز الملايين وجوعَهم بفعل الحصار لن يرتد بؤساً عليهم وحدَهم، وإنما سيتحول إلى نارٍ تحرق عروش من تسببوا فيه.
إننا لا نتمنى لأمتنا وجيرتنا سوء الخاتمة، ولا نريد لجزيرة العرب أن تموج بنهر من الدماء يلتهم الجميع.
لكن الإصرار على المماطلة، والمراوغة، وتمديد معاناة هذا الشعب الصابر، لن يقود إلا إلى مواجهة شاملة ومباشرة، تفتح فيها الحرب أبواباً لا يمكن إغلاقها، وتصب جام غضبها في عقر دار كل من تآمر وحاصر.
إن الكف عن الظلم ليس تراجعاً، وإنما هو عين النصر والعقل، والاستيقاظ من غفلة الكبر والغرور قبل انفجار البركان هو طوق النجاة الوحيد.
ارفعوا الحصار، وكفوا الأيدي عن مقدرات اليمن، واعلموا أن عواقبَ التمادي ستكون وخيمة على الجميع، ولات ساعة مندم.
{وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
ولذلك فإن الرسالةَ التي ينبغي أن تصلَ إلى جميع الأطراف هي أن العدالة ليست ضعفًا، ورفع المعاناة عن يمن الإيمان والحكمة ليس تنازلًا، وإنما هو أساسُ الاستقرار الدائم.
ومن أراد أمن المنطقة فليجعل العدل سبيله، وليكفَّ عن السياساتِ التي أثبت الواقع فشلها، وصارت مضربَ مَثَلٍ للفوضى والفساد والعبث بالقيم والأخلاق، واتباع نهج الظالمين.
وعلى الجميع أن يستجيب لنداء قائد المسيرة القرآنية والخروج إلى الساحات ليعلم العالم كله أن مظلمة اليمن الكبرى لن تدوم: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
