لسنا عبيدًا إلا للَّه

وفاء الكبسي

 

في المنعطفات الكبرى من تاريخ الشعوب تظهر معادن الرجال، وتُكتب الصفحات التي تبقى شاهدةً أمام الأجيال. واليوم يقف اليمن أمام مرحلةٍ مفصلية، مرحلةٍ عنوانها الحرية والكرامة والعزة، مرحلة تتجدد فيها حقيقةٌ راسخة: أن الإنسان لا يكون عبدًا إلا لله سبحانه وتعالى.

«لسنا عبيدًا إلا لله”.. ليست مجرد عبارةٍ تُقال، بل هي مبدأٌ ينبع من جوهر التوحيد، ومن وعي الإنسان المؤمن بأن كرامته لا تُستمد إلا من خضوعه لله وحده؛ فمَن وحّد الله حق التوحيد لا يقبل أن تُصادر إرادته، أو أن يُفرض عليه الذل، أو أن يكون تابعًا لإرادة غيره.

إنها مرحلةٌ يُختبر فيها صدق المواقف، وتتجلى فيها معاني الحرية والمسؤولية؛ فالشعوب لا تُعرف في أوقات الرخاء، وإنما تظهر حقيقتها في ميادين الشدة، حين يصبح الدفاع عن الكرامة موقفًا، والتمسك بالحق عهدًا، والثبات على المبادئ خيارًا لا تراجع عنه.

لقد عاش اليمن سنواتٍ قاسية من العدوان والحصار والتحديات والمؤامرات، تحمل خلالها الشعب أعباءً كبيرة وآثارًا عميقة طالت مختلف جوانب الحياة، إلا أن هذه المرحلة كشفت حقيقة مهمة: أن إرادة الشعوب لا تُقاس بحجم ما تواجهه من ضغوط، بل بقدرتها على الصمود والحفاظ على هويتها وقرارها.

لقد أثبت الواقع أن الحصار لا يصنع بالضرورة استسلامًا، وأن الضغط لا يطفئ عزيمة شعبٍ يمتلك وعيًا بقضيته وإيمانًا واسخًا بحقه.

فالأمم التي تدرك قيمة حريتها لا تتنازل عن حقوقها، ولا تسمح بأن تتحول ثرواتها ومقدراتها إلى وسيلة للابتزاز أو التحكم بمصيرها.

إن معركة اليمن اليوم هي معركة سيادة وحقوق وقرار؛ معركة شعبٍ يريد أن يمتلك حقه في إدارة شؤونه، والحفاظ على خيراته وثرواته، وأن يعيش بعيدًا عن الوصاية والإملاءات. فالحقوق الوطنية لا تُمنح من الآخرين، وإنما تُصان بإرادة الشعوب وتمسكها بها.

ومن أرض اليمن الطاهرة تنطلق إرادة التحرر من جذورٍ صلبة، لتؤكد أن الشعوب حين تمتلك الوعي والإيمان بقضيتها تستطيع أن تصنع حضورها، وأن تجعل من صمودها رسالةً تتجاوز حدود الجغرافيا.

وفي هذه المرحلة يتأكد أن الوعي هو الحصن الأول للأمم؛ فالوعي يحمي من التضليل، ويكشف المكائد، ويمنح الإنسان القدرة على قراءة الأحداث بثباتٍ ووعي وبصيرة. ومن دون الوعي قد تضيع التضحيات، أما معه فتتحول التحديات إلى مدرسةٍ تصنع الأجيال.

نحن شعبٌ صادقون في وقت الشدائد، وبالوعي الذي تعلمناه من السيد المولي عبدالملك الخوثي- يحفظه الله- لن تنطلي علينا المكائد؛ عرفنا طريقنا، وتمسكنا بمبادئنا، واستمددنا منه قيم الإباء معنى الثبات، ودروس التضحية والفداء وتحمل المسؤولية.

لقد أثبتت التجربة أن اليمن ليس مجرد أرضٍ يمر بها التاريخ، بل شعبٌ يصنع التاريخ بحضوره وصبره وتضحياته، ومع استمرار التحديات تبقى المسؤولية الكبرى هي تحويل الصمود إلى بناء، وتحويل الوعي إلى عمل، وحماية المجتمع وتعزيز قيم التعاون والتكافل، لأن قوة الأوطان لا تكتمل إلا حين تجتمع فيها قوة الموقف مع قوة البناء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

إن اليمن اليوم يكتب صفحةً جديدة من تاريخه؛ صفحة عنوانها الحرية، ومضمونها الكرامة، وروحها الإيمان بالله. فالشعوب التي تعرف ربها ورسالتها لا تركع إلا لله، ولا تقبل أن تُسلب إرادتها.

وسيظل المبدأ حاضرًا في وجدان اليمنيين: لسنا عبيدًا إلا لله… كلمة تختصر هوية شعبٍ اختار العزة طريقًا، والكرامة نهجًا، والثبات مسؤولية.

فالتاريخ لا يخلّد من استسلموا للضغوط، وإنما يخلّد الشعوب التي حفظت كرامتها في أصعب المراحل، وتمسكت بحقها، وصنعت من التحديات طريقًا نحو المستقبل.

قد يعجبك ايضا