إعلاميات وناشطات في حديث خاص لـ(الأسرة): ثورة وعي وبصيرة.. الإمام زيد -عليه السلام- من رماد خيام الطف ومأساتها إلى خلود المنهج

الثورة / خاص

تحل علينا ذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي -عليه السلام-، المحطة التي جسدت امتدادًا حيًا لثورة الطف. ثورة قامت في وجه طغيان بني أمية واستبدادهم الذي مارسوه على الأمة بعد أن جعلوا الخلافة حكمًا متوارثًا بينهم وغيروا المفاهيم والقيم الدينية.
في هذه الذكرى تستحضر الأمة إمامًا خرج رافضًا للذل، حاملاً راية «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» حين صمت الكثيرون. خرج والإيمان يملأ قلبه، وبدأها بثورة وعي للأمة وعلمائها ومن ثم ثورة سيف ضد الحكام الذين استبدوا بالأمة، إلا أن من بايعوه على الخروج معه خذلوه وتركوه وحيدًا في الميدان، كما تُرك الحسين من قبل.
ولأن الطغاة يخشون صوت الحق، حاولوا طمس ذكر الإمام زيد بصلب جسده على جذع النخلة، وحرق رفاته ورميها في نهر الفرات. ظنوا أنهم بذلك يدفنون فكره، فإذا بفكره يتحول إلى مدرسة، وإلى منهج، وإلى هوية حملتها اليمن قرونًا طويلة.
واليوم ونحن نحيي ذكراه، فإننا لا نحيي مجرد حدث تاريخي، بل نجدد العهد على رفض الظلم، وعلى أن يكون لنا موقف كما كان له موقف. فإحياء ذكرى الإمام زيد هو إحياء لروح الثورة في مواجهة كل طاغية، وتأكيد أن الدم الذي يراق في سبيل الحق لا يذهب سدى، بل يصنع وعيًا وأجيالًا.
بمناسبة هذه الذكرى، أجرى المركز الإعلامي بالهيئة النسائية – مكتب الأمانة لـ(الأسرة) استطلاعًا مع عدد من الإعلاميات والناشطات الثقافيات حول دلالات ثورة الإمام زيد، وأسباب الخذلان، وسر خلود ذكراه، ومدى حضور منهجه في واقعنا اليوم.. إليكم الحصيلة:
في بداية حديثها تقول الكاتبة / عفاف السدمي: “الإمام زيد بن علي -عليه السلام- هو من أبرز شخصيات أهل البيت وأعلامهم، وهو زيدٌ ابن زين العابدين علي بن الحسين، حفيد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب”.
ثم أردفت قائلة: لقد عُرف الإمام زيد بعلمه الواسع وزهده وشجاعته وهو من أسس المذهب الزيدي، والذي كان ضد الطغيان ضد الظلم والاستبداد. أما لقبه ‘زيد الشهيد’ -عليه السلام- فقد أطلق عليه هذا اللقب لأنه استشهد في سبيل الله دفاعًا عن الحق ورفضًا للظلم والظالمين”.
وأوضحت السدمي “أن الإمام زيد بن علي -عليهما السلام- خرج ثائرًا رفضًا للظلم والاستبداد الأموي، وطلبًا للإصلاح، ونصرةً للمستضعفين. وقد جسدت ثورته دروسًا عظيمة في الشجاعة والتضحية ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحدث على عدم الخضوع والخنوع للسلاطين الجائرين وضرورة التمسك بقيم العدل والحرية مهما كانت التضحيات”.
دروس الثورة
وذكرت السدمي أن أهم الدروس المستفادة من ثورته -عليه السلام- حيث «نستلهم منها العبر في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يمكن لأي أمة أن تنهض أو تصلح حالها بالسكوت والخضوع والخنوع للباطل، كما نستلهم درسًا مهمًا في رفض الخنوع والاستسلام للحكام الظالمين مهما بلغت قوتهم، بالإضافة إلى أننا استفدنا أن الوعي والبصيرة يكونان بالرجوع إلى القرآن الكريم”.
وأشارت السدمي إلى أوجه الشبه بين الإمام الحسين والإمام زيد -عليهما السلام- بالقول: “أوجه الشبه بينهما هو ارتباطهما الوثيق بالرسالة المحمدية والوقوف في وجه الظلم والظالمين والسعي لإصلاح الأمة، حيث أن الإمام الحسين قد خرج ضد حكم يزيد وخرج الإمام زيد ضد حكم هشام بن عبد الملك فكان تحركهما من منطلق رفض الظلم والاستبداد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
علم واسع
مشيرة إلى أن الإمام زيد -عليه السلام- كان ذا علم واسع، وأن الإمام زيد -عليه السلام- دعا للعودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله ونصرة المستضعفين ضد الظالمين الجائرين، فقد لقب بحليف القرآن.
وأكدت السدمي على أن مبادئ الإمام زيد بن علي، تركت أثرًا عظيمًا في الهوية اليمنية والوعي الجمعي وأنها زرعت ثقافة المذهب الزيدي في وجدان كل اليمنيين للخروج ضد الظالمين لنصرة المستضعفين ورفض الاستبداد، وكما زرعت فينا التعايش المذهبي، مؤكدة على أن الإمام زيد أسس في وعي القبيلة اليمنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كانت التضحيات، مما جعلنا أمة مدافعة عن الكرامة والحرية ورافضة الطغيان والاستبداد الداخلي والخارجي.
ونوهت السدمي بأن الأمويين حاولوا طمس ذكرى وثورة الإمام زيد بن علي، إلا أنهم قد فشلوا رغم بشاعة ما فعلوه، وذلك لأن دماء الشهداء وقضاياهم العادلة لا تُنسى ولا تُقتل على مر العصور. واضافت بالقول: “إن إحياء ذكرى استشهاد الإمام زيد له أهمية كبيرة تتمثل باستلهام الدروس والعبر من سيرة الإمام زيد -عليه السلام- ومواقفه العظيمة والمضي على نهجه في إقامة الحق ومواجهة الباطل والطغيان والاستكبار مهما بلغت التحديات والتضحيات، واستشعار المسؤولية تجاه الأمة وقضاياها الدينية والسياسية وتجسيد القيم والمبادئ الإيمانية في التحرك على نهج حليف القرآن زيد بن علي عليه السلام”.
حليف القرآن
بدورها الكاتبة سكينة الحوثي ذكرت أن الإمام زيد (عليه السلام) كان علمًا لكل الأمة الإسلامية، وهادِيَها، ونجمًا من نجوم العترة، وهو رائد الثورة وقائدها العظيم، وإمام الجهاد والبصيرة، وحليف القرآن، الإمام الأعظم. وأن الإمام زيد عرّف عن نفسه قائلاً:) والله لوددت أن يدي معلّقة بالثريا ثم أقع حيث أقع فأتقطع قطعة قطعة، وأن يصلح الله بذلك أمر أمة جدي محمد ـ صلى الله عليه وآله).
أهداف الثورة
وأوضحت الحوثي أن الإمام زيد -عليه السلام- خرج في ثورته لإحياء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستشعرًا مسؤوليته، وعظيم رحمته بأمة جده، وأنه كان يحترق ألمًا على واقع الناس، وأنه لم يكن كحال الكثير من الناس المحسوبين على الدين ممن لا يبالوا بالناس. وأنه وبهذا الحرص تحرك في واقع الأمة لمواجهة الجائرين من بني أمية الذين (اتخذوا دين الله دغلاً، وعباد الله خولاً، ومال الله دولاً)، متحركًا من منطلق القرآن الكريم، فهو حليف القرآن، ولذلك كان يقول: (والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت).
منهجية القرآن
وأشارت الحوثي إلى الظروف التي تحرك بها الإمام زيد بقولها: الظروف التي تحرك فيها الإمام زيد بن علي كانت ظروفًا صعبة؛ حتى طبقة العلماء والمثقفين، الكل ساكت، الكل صامت، حالة رهيبة من الفزع والذل والخوف والهوان. وفي ظل هذا الواقع المتردي كان صوت الإمام زيد هو الصوت السابق الأول الذي كسر ذلك الواقع، وحطم تلك القيود التي كبّلت الأمة وأذلتها؛ فقد تحرك بمنهجية القرآن الكريم، يستنهض العلماء ويستنهض الأمة لدفع الظلم وجهاد الظالمين، بالرغم من أنه تحرك بفئة قليلة من المؤمنين الصادقين الذين ناصروه، إلا أنه تحرك ببطولة وفداء كبير للإسلام”.
وكما أكدت الحوثي على أن ثورة الإمام زيد -عليه السلام- وحركته كانت امتدادًا لثورة وحركة جده الإمام الحسين -عليه السلام-، امتدادًا كليًا في الجوهر والمضمون، في الروح والهدف، في الموقف والتوجه، وامتدادًا في الظروف والدوافع. أشارت إلى أن الإمام زيد قد رفض الذل والهوان على أمته، فوقف شامخًا أبيًّا في وجه الطغاة، ووقف كما وقف جده الإمام الحسين مطلقًا صرخته: (من أحب الحياة عاش ذليلاً)، حتى استشهد -عليه السلام.
مدرسة عظيمة
وأكدت الحوثي أن أثر الإمام زيد باقٍ وأنه وعلى الرغم من أنهم حاولوا طمس ثورته، بصلبه وحرق جسده الشريف، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يمحوا أثره؛ لأنه تحرك من منطلق الثقة بالله والخوف من الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهج درب الأنبياء في إقامة العدل ورفض الظلم وإصلاح الأمة، وتقديم المشروع الصحيح الذي يحقق العدل والارتقاء في واقع الحياة.
ونوهت الحوثي بأن اليمنيين هم نموذج حي لمبادئ الإمام زيد: ولذلك نحن في هذه المسيرة ننطلق بنفس الروحية التي كان يحملها الإمام زيد -عليه السلام-، مقتبسون منه نور البصيرة، وسائرون في ذلك الطريق؛ طريق الجهاد والاستشهاد، طريق العزة والسمو، نقدم أنفسنا منطلقون من مدرسة عظيمة قائدها زيد عليه السلام”.
وأضافت بالقول: (نحن عندما نحيي هذه المناسبة، ذكرى استشهاد الإمام زيد، فهي ليست مجرد ذكريات، ولا مجرد حديث عن مولده واستشهاده، بل هي مدرسة مليئة بالدروس والعبر. فنحن بأمسّ الحاجة أن نعود إلى مدرسة الإمام زيد ـ عليه السلام ـ لنستفيد منها كواقعة تاريخية لها صلة امتد تأثيرها إلى الحاضر، فكل ما نعيشه اليوم هو امتداد لذلك الماضي)”.
مشروع وعي
وعلى ذات الصعيد، تؤكد الكاتبة عفاف فيصل أن ثورة الإمام زيد بن علي -عليه السلام- تتجلى فيها الصورة الحقيقية لثورةٍ لم تكن حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل مشروع وعيٍ ممتدّ، انطلق من جرح الطفّ الحسيني، ليعيد تشكيل الموقف الإيماني في مواجهة الانحراف والظلم والاستبداد.
وأردفت فيصل: “وفي هذه الذكرى العظيمة، تتجدد الأسئلة لا بوصفها استذكارًا، بل بوصفها امتحانًا للانتماء والموقف؛ فمن هو الإمام زيد بن علي -عليه السلام؟ وما معنى لقب ‘زيد الشهيد’؟”.
وتواصل فيصل حديثها :»الإمام زيد بن علي -عليه السلام- هو حفيد الإمام الحسين، وامتداد لخط الإمامة الواعي المسؤول، الذي لا يرى في الدين عزلةً عن مواجهة الظلم. هو عالمٌ رباني، ومجاهدٌ بصير، اجتمعت فيه العلم والشجاعة والصدق. وقد ارتبط لقبه ‘زيد الشهيد’ بشهادته العظيمة في سبيل الله، حين خرج لا طالبًا دنيا ولا سلطانًا، بل طالبًا لإحياء روح الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنه شهيد الموقف، لا شهيد المعركة فقط. الإمام زيد جسّد معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾“.
وأشارت عفاف إلى أن جهاد الإمام زيد كان امتدادًا للوعي القرآن في مواجهة الطغيان، وأن الإمام زيد -عليه السلام- خرج للثورة حين رأى انحراف الأمة، وتحول بعض العلماء إلى أدوات تبرير للسلطة، وصمتٍ أمام الظلم، فكانت ثورته صرخة وعي في وجه التزييف الديني والسياسي.
دروس ثورة
كما أوضحت فيصل أن من أهم دروس ثورة الإمام زيد هي: أولاً أن السكوت على الظلم خيانة للمبدأ، وأن العالم الحقيقي هو من يواجه لا من يبرر، وأن الأمة تنهض حين تتصل بالقرآن كمنهج مقاومة. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ولذلك فقد كان خروج الإمام زيد تجسيدًا عمليًا لهذه الآية”.
وأكدت فيصل على أن ثورة الإمام زيد هي امتداد لثورة الطف حيث قالت: ثورة الإمام زيد هي الامتداد الطبيعي لثورة الإمام الحسين عليه السلام؛ فكلاهما نهضا ضد الانحراف الأموي، وكلاهما قدّم الدم دفاعًا عن القيم”.
التشابه في:
وحدة الهدف: رفض الظلم وإحياء الدين.
وحدة المنهج: التضحية والوعي لا المساومة.
وحدة الشعار: “هيهات منا الذلة”.
فكلا الثورتين جسّدتا الكفر العملي بالطاغوت بكل أشكاله.
محاولة التغييب
وعن محاولة بني أمية تغييب ثورة ومنهج الإمام زيد قالت فيصل: حاول بنو أمية طمس ثورة الإمام زيد بصلب جسده وحرق رفاته، ولكنهم لم يدركوا أن الفكرة لا تُحرق، وأن الدم حين يكون في سبيل الله يتحول إلى نور.
لقد فشلوا لأن: الثورة كانت قرآنية الجذور، الوعي الذي خلّفته أقوى من السيف، الحق لا يُدفن مهما طال الظلم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾، فكان جسده يُحرق، لكن فكرته كانت تولد من جديد في كل جيل”.
وأشارت فيصل إلى أثر مبادئ الإمام زيد في الهوية اليمنية بقولها: لقد حمل اليمن عبر قرون طويلة راية الفكر الزيدي القائم على: رفض الظلم، ونصرة المستضعفين، والارتباط بالقرآن كمرجعية حكم ووعي. هذا الامتداد جعل من اليمن بيئة حاضنة لثقافة الجهاد والحرية، لا ثقافة الخضوع. لقد تشكل الوعي الجمعي اليمني من هذه المدرسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾“.
وعن سؤالنا حول أهمية إحياء ذكرى استشهاد الإمام زيد اليوم تقول فيصل: إحياء هذه الذكرى ليس بكاءً على الماضي، بل هو تجديد للموقف في الحاضر. فنحن اليوم أمام أشكال متعددة من الظلم، والاستكبار، والتضليل الإعلامي والسياسي، فأهمية الإحياء تتمثل في: ترسيخ ثقافة الوعي القرآني، مواجهة حالة الاستلاب الفكري، إعادة بناء موقف الأمة من الطغيان، وبالتالي إحياء هذه الذكرى هو إحياءٌ لمشروع الأمة في أن تكون أمةً قرآنية لا تابعة. ثورة الإمام زيد هي مسار تاريخي ممتد من كربلاء إلى الكوفة إلى صنعاء وكل ساحات الرفض في وجه الظلم ما يعني أن الألم يتحول إلى وعي، وأن الدم يصنع أمة، وأن الطف لم تنتهِ، بل تتجدد في كل مواجهة مع الطغيان. هو تذكير بأن طريق الإمام زيد ليس حدثًا مضى، بل مسؤولية قائمة، وأن الأمة التي تنسى الطف وزيد، تفقد بوصلتها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
الإمام زيد -عليه السلام- لم يكن مجرد اسم في التاريخ، بل مشروع وعيٍ قرآنيٍّ يرفض أن تُصاغ الأمة على مقاس الطغاة. ومن رماد خيام الطف، إلى دماء زيد، إلى كل صوت يرفض الظلم اليوم تبقى الحقيقة واحدة: أن الحق لا يموت، بل يُبعث في كل جيل من جديد”.

قد يعجبك ايضا