اليمن ينتفض على الوصاية السعودية

محمد محسن الجوهري

بمجرد أن شن النظام السعودي غاراته على مطار صنعاء، هرع اليمنيون كافة إلى الميادين رفضاً للعدوان وللمطالبة بالثأر وإنهاء الوصاية السعودية على اليمن، وبات من اللازم والبديهي أن السعودي لا يستقيم إلا بالعصا، وأن لغة السلم وحسن الجوار لا تجدي مع أشباه الرجال. والمصيبة أن النظام السعودي لا يستوعب الدروس ولا يستفيد من التاريخ، والسبب أن قرار الرياض ليس بيدها، كما أنها لم تكن طرفاً في الصراعات الدولية بل أداة بيد الصهيونية العالمية منذ توقيع اتفاقية دارين بين الإنجليز ومؤسس الدولة السعودية الخائن الأكبر عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. ولهذه الأسباب بنت السعودية سياساتها الخارجية، وجعلت من بلاد الحرمين وثرواتها كياناً معادياً للأمة الإسلامية ومخلباً يتكفل بتنفيذ الأجندات التي تُملى عليه من وراء البحار.

والإمعان في التبعية صار عقيدةً حاكمة تُعطّل أي فرصة للنهوض المستقل؛ فبينما تتغير خارطة التحالفات الدولية وتتداعى القوى العظمى، تظل الرياض أسيرةً لالتزاماتٍ تاريخيةٍ مهترئة، عاجزةً عن قراءة التحولات المتسارعة، ومصرةً على رهن مقدرات الأمة لخدمة مشروعٍ صهيونيٍّ يرى في المنطقة مجرد ساحة خلفية لنفوذه، متجاهلةً أن العروش التي تُبنى على حساب إرادة الشعوب وتطلعاتها لا تملك في النهاية إلا أن تنهار تحت وطأة تناقضاتها التاريخية.
وأمام هذا الصلف لا بد من نهاية، ولا بد من سبيل لتحرير الأمة من الهيمنة الصهيونية التي لا قيمة لها بدون تدخلات الرياض، وقد تكون المعركة القادمة بين اليمن وآل سعود هي الفاصلة في تاريخ الصراع بين الفريقين، خاصة وقد اتضحت الرؤية للجميع وظهر كل طرف في ثوبه الحقيقي، وبات الجميع، خاصة في بلاد الحرمين، يدركون أن صمتهم ومواقفهم وحتى ثرواتهم هي مشاركة عملية في كل جرائم العدو الصهيوني، وأن المعركة مع اليمن فرصة لهم أيضاً ليتحرروا من العبودية المطلقة لآل سعود.
ومن يتابع مسار الحرب والثورة في اليمن يدرك أن نظام آل سعود يمضي على خطى الهالك عفاش في عدوانه على المشروع القرآني، فبمجرد أن خسر المعركة مع الأنصار فقد هيبته، ما جعل حتى حلفائه من الإخوان وحزب الإصلاح يتمادون عليه ويبادرون إلى إسقاط نظامه، والوضع يتكرر في الرياض، فالإخوان هناك يتأهبون للانقضاض على النظام ويترصدون الفرصة والتوقيت الأنسب، وسيتحول معها كل حلفاء الرياض إلى أعداء بين عشية وضحاها.
وقد رأينا من قبل كيف أن كل الأطراف اليمنية بمختلف توجهاتها ومسمياتها دخلت في عداوات متفرقة مع النظام السعودي، وبات لكلٍ منها ثأره الخاص مع الرياض، وحتى الانفصاليون في عدن باتوا يهتفون بسقوط آل سعود، وقد كانوا إلى عهدٍ قريب يسبحون بحمدهم أكثر من تسبيحهم لله، وستكتب عدن نهاية الهيمنة السعودية على اليمن كما رسمت من قبل نهاية الإمبراطورية البريطانية العظمى.
إننا نشهد اليوم سقوطاً مدوياً لأسطورة «الاستقرار القسري» الذي فرضته الرياض على محيطها، فقد أدمنت السلطة هناك شراء الولاءات وتدجين القوى السياسية، ظناً منها أن المال يمكن أن يشتري التاريخ أو يوقف عجلة التحولات الكبرى. ولكن، عندما تنهار الهيبة وتتلاشى فاعلية العصا التي كانت تُلوّح بها، يجد النظام نفسه وحيداً في مواجهة رياح التغيير التي لم يعد قادراً على صدها، إذ بدأت الرمال المتحركة تحت عرشه تبتلع أوهامه، معلنةً عن اقتراب لحظة الحساب التي ستفكك بنية التبعية التي أرساها عبر العقود الماضية.
وفي المقابل، فإن الشعوب التي عانت من صلف الرياض واستعلائها، بدأت اليوم تعيد صياغة وعيها التحرري بعيداً عن أطر الوصاية التي فرضها «اتفاق دارين» وما تلاه من صكوك التبعية. وخروج اليمن من عباءة الهيمنة، وتنامي الوعي داخل بلاد الحرمين بضرورة التخلص من الإرث الذي جعل من مقدسات الأمة وسيلة لخدمة الأعداء، يشير إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة «تصفير الأزمات» ولكن من منظور الشعوب لا الأنظمة. فكل يوم يمضي يُقصّر من عمر التضليل، ويجعل من حلم التحرر الكامل واقعاً تترقبه الأمة، مع إدراكٍ يقيني بأن زوال أدوات الصهيونية في المنطقة هو المدخل الوحيد للسيادة الحقيقية والكرامة الإنسانية.

قد يعجبك ايضا