في الوقت الذي كانت فيه عائلات الأسرى والمعتقلين والمخفيّين قسريًّا في السجون والمعتقلات التابعة لمرتزقة العدوان، وتلك التابعة لسلطة صنعاء، مُعانِقةً الحلم الجميل الذي طال انتظارها له، والمتمثّل في الإفراج عن ذويها بموجب اتفاق تبادل الأسرى والمعتقلين الموقّع عليه في العاصمة الأردنية عمّان في الرابع عشر من مايو الماضي، بعد قرابة الثلاثة الأشهر من المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة، وبعد أن استكملت الأسر كافة الترتيبات والتجهيزات الاحتفالية فرحًا وسعادةً وابتهاجًا بهذه اللحظة الفارقة التي انتظرتها بفارغ الصبر، جاءت الأخبار غير السارة، حاملةً نبأ تأجيل صفقة تبادل الأسرى إلى أجل غير مسمّى، وذلك على خلفية تعنّت المرتزقة ومن خلفهم السعودية، وعدم التزامهم بمضامين الاتفاق، وتنصُّلهم عن الوفاء بتعهُّداتهم ذات الصلة بعملية التبادل، والذهاب نحو تسييس هذا الملف مجددًا، بعد أن تم الاتفاق على عملية التبادل وتم التفاهم حول الآليات والترتيبات اللازمة للتهيئة لهذه الخطوة التي كان من المُقَرَّر تنفيذها في العاشر من شهر يوليو الجاري.
تعنُّت المرتزقة وأسيادهم ووقوفهم حجر عَثرة أمام تنفيذ عملية تبادل الأسرى، ليس الأول من نوعه، إذ سبق لهم القيام بذلك في جولات مفاوضات سابقة، في إصرار منهم على إطالة أمد معاناة الأسرى والمعتقلين وأسرهم وذويهم، الذين يكابدون مرارة البعد والحرمان، ويُمَنُّون أنفسهم باللحظة الفارقة التي يتنفّسون فيها الصعداء بمغادرتهم السجون والمعتقلات والعودة إلى أسرهم وذويهم، وخصوصًا أولئك الذين مضى على اعتقالهم أكثر من عشر سنوات، دون أن يرمش لمعاناتهم وذويهم جفن السجانين الذين دائمًا ما يربطون ملف الأسرى الإنساني البحت، بالملفات السياسية والعسكرية، ويتلذّذون بمعاناة الأسرى والمعتقلين وأُسَرهم.
الإفراج عن أكثر من 1600 أسير ومعتقل وإنهاء معاناتهم التي امتدَّت لسنوات عديدة، تأجّل بقرار سياسي سعودي أحمق وغبي، ولا صِلة ولا علاقة للمرتزقة بذلك لا من قريب ولا من بعيد، وإن حاولت أبواقهم الإعلامية تصوير الأمر بخلاف ذلك، فالسعودية وجدت نفسها في موقف مُحرِج لها ولمرتزقتها في شرعيَّة الفنادق، عَقِبَ قيام السلطات الإيرانية بكَسر الحصار المفروض على مطار صنعاء، بهبوط الطائرة الإيرانية المدنيَّة التي أقلَّت مئات العالقين من المرضى والدارسين في عدد من دول العالم، ونقلت معها الوفد الوطني المشارك في مراسيم تشييع شهيد الأمة سماحة السيد علي الخامنئي- رضوان الله عليه- وعدد من المرضى المحتاجين للعلاج في الخارج، والتي شكّلت نهايةً للحصار المفروض على مطار صنعاء، وبدايةً لتَسيير رحلات جوية بين طهران وصنعاء، كخطوة أولى لكسر الحظر الجوي، واستئناف حركة الملاحة الجوية عبر مطار صنعاء الدولي، ولم تجد سوى ملف الأسرى لاستخدامه كورقة ضغط على صنعاء للعدول عن قرار كَسر الحظر، ودفعها للقبول بعودة الوفد الوطني على متن طائرة سعودية أو عمانية أو حتى تابعة للخطوط الجوية اليمنية، للحيلولة دون تنفيذ صنعاء لقرارها وخيارها الحاسم بكسر الحظر من خلال العودة على ذات الطائرة الإيرانية التي غادر الوفد على مَتنها.
ومن أجل الحفاظ على ما تبقّى من ماء وجه النظام السعودي، دفع بالمرتزقة للحديث عن مواضيع سطحيَّة وقضايا هامشيَّة، لتصوير الأمر أمام الرأي العام، على أن هذه المواضيع هي أحد أسباب تأجيل عملية تبادل الأسرى، مع كَيل الاتهامات لسلطة صنعاء بالوقوف وراء ذلك، في مغالطات مفضوحة مكشوفة، وخصوصًا أن الكل يدرك جيدًا أن السعودية هي صاحبة القرار في التوقيع على اتفاق تبادل الأسرى، ولا قرار ولا دور للمرتزقة في ذلك لا من قريب ولا من بعيد، وأنها هي التي تقف خلف عرقلة تنفيذ الاتفاق، من أجل المقايضة على قضية كسر الحظر الجوي المفروض على مطار صنعاء، والذي ترى السعودية فيه هزيمة لها، وخصوصًا أنه جاء من قبل الجانب الإيراني، في ظل حملة التحريض والتأليب التي يشنّها المرتزقة للحَيلولة دون عودة الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، والذهاب إلى مجلس الأمن لإدانة ذلك، والحيلولة دون تنفيذ سلطة صنعاء قرارها بتسيير رحلات جوية مع طهران عبر مطار صنعاء.
تأجيل صفقة تبادل الأسرى جاء متزامنًا مع تصعيد للمرتزقة في عدد من الجبهات الداخلية من جهة، وعودة الانتقالي للمشهد السياسي في عدد من المحافظات اليمنية الجنوبية المحتلة بضوء أخضر إماراتي، وسط حالة صمت مريب من قبل الجانب السعودي، في محاولة منهم لخَلط الأوراق والتشويش على عملية التبادل وتأجيل تنفيذها من أجل تحقيق مكاسب رخيصة ومبتذلة.
خلاصة الخلاصة: أغبياء كل الغباء، وواهمون كل الوَهم، وخاسرون كل الخسارة، ومجرمون كل الإجرام، مَنْ يتلذّذون بإطالة أمد الأسرى والمعتقلين في السجون، ومَنْ يسعون لتحقيق مكاسب وإنجازات ومصالح وانتصارات من وراء المتاجرة بأوجاع ومعاناة الأسرى والمعتقلين وأُسَرهم وذويهم، وعلى الأمم المتحدة والصليب الأحمر مكاشفة الرأي العام عن الطرف المُعرقِل والمعيق لعملية التبادل التي كان من المقرَّر أن تشمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من الطرف الوطني، مقابل الإفراج عن 580 أسيرًا ومُعتَقَلًا من الطرف الآخر، بينهم 7 أسرى سعوديين و20 أسيرًا سودانيًّا، ونتطلَّع إلى أن يشهد ملف الأسرى الإنساني انفراجة عاجلة وسريعة، من شأنها طَي هذا الملف نهائيًّا، بالإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين، وفق قاعدة الكل مقابل الكل.
والعاقبة للمتقين.
