الطائرة التي كسرت الحصار

مراد راجح شلي

 

في مشهدٍ تاريخي تابع اليمنيون تفاصيل عودة طائرة الوفد الوطني بقلوبهم قبل أعينهم.

كانت اللحظات مفصلية وكان الترقب سيد المشهد والحاضر الأكبر في الوجدان اليمني.

انطلقت الطائرة من مطار طهران تحمل معها رسالة التحدي، وتشق السماء بإرادة تتجاوز الهيمنة وتعلن كسر القيود المفروضة على المطارات اليمنية.

وحين بلغت الأجواء اليمنية كانت طائرات العدو قد سبقتها إلى صنعاء بدقائق، لتستهدف المطار في محاولة لمنع هبوطها وإغلاق الطريق أمامها.

لكن الطائرة غيرت مسارها نحو مطار الحديدة، لتحط بثبات وإباء، معلنة أن في هذا الصراع فصولاً جديدة وأن معادلات كثيرة بدأت تتغير.

لم تكن الطائرة التي حطت عصر الأمس في مطار الحديدة مجرد هيكل من معدن يشق السماء.، بل كانت قطعة من الإرادة اليمنية تعود إلى أرضها بعد رحلة أراد لها العدو لها أن تقمع .

قبل دقائق فقط كانت الصواريخ تتساقط على مطار صنعاء في محاولة لإغلاق السماء وإطفاء المعنى ومنع العودة وفرض معادلة تقول إن الطريق يمر من بوابة الوصاية السعودية، لكن اليمن الذي اعتاد أن يفتح أبوابه بالصبر وأن يشق طرقه بالإرادة كان يكتب فصلاً جديداً من حكاية لا تشبه إلا نفسه . .

حين لامست عجلات الطائرة مدرج مطار الحديدة لم يكن الذي حدث مجرد هبوط اعتيادي، بل كان إعلاناً بأن الحصار ليس قدراً، وأن الأوطان التي تنبت في تربتها أشجار الكبرياء تستطيع أن تصنع موانئها ومطاراتها وطرقاتها ولو اجتمعت عليها العواصف من كل الجهات .

مطار الحديدة الذي ظنوه مشلولاُ تماماً تحول في تلك اللحظة إلى نافذة واسعة تطل منها اليمن على العالم، وإلى شاهد جديد على أن الإرادة حين تسكن شعباً تصبح أقوى من الخرائط وأصلب من الجدران وأبقى من كل محاولات الإغلاق..

كانت لحظة فارقة في هذه المرحلة من المواجهة.، لحظة شعر فيها الجميع أن شيئاً ما يتغير في عمق المعادلة.، وأن اليمن الذي يخرج من تحت الركام لا يعود كما كان، بل يعود أكثر صلابة وأكثر قدرة على تحويل الألم إلى قوة والحصار إلى فرصة والتحديات إلى انتصارات صغيرة تمهد لانتصارات أكبر.

أما رجال الوفد الوطني فقد كانت معنوياتهم تعانق السحاب.، لم تحمل وجوههم شيئاً من التعب بقدر ما حملت من الثقة، ولم تكن في أعينهم ملامح انتظار بقدر ما كانت فيها ملامح يقين يعرف طريقه جيداً .

كان الإباء اليمني حاضراً في الخطوات وفي النظرات وفي تفاصيل المشهد كله، وكأن الأرض نفسها كانت تقول لهم إن الذين يحملون أوطانهم في صدورهم لا يمكن أن تضيع بهم الطرق .

لن يدرك العدو السعودي ومن خلفه المشروع الصهيوامريكي أن هذه الطائرة كان يقف خلفها شعب بأكمله .

وإنه مهما جرب العدو كل ما يملك من أدوات القوة، وسيظل اليمنيون يجيبون بالأداة التي لم يستطع أحد كسرها منذ آلاف السنين؛ إرادة الإنسان اليمني حين يقرر أن يقف. فهذه البلاد التي عبرت القرون بالعزيمة لن توقفها صواريخ، ولن تثنيها حصارات، ولن تنكسر ما دام في جبالها صدى، وفي بحرها موج، وفي قلوب أبنائها متسع لكل هذا الكبرياء.

 

 

 

قد يعجبك ايضا