في عالم السياسة، لا تقاس المواقف بجرأة الكلمات فحسب، بل بالصمت المخزي الذي يبتلعها حين تقتضي الحاجة. الصمت هنا ليس مجرد غياب للموقف، بل هو اعتراف صريح وفاضح بالتبعية المطلقة والارتهان التام لقرار الخارج. ومن هذا المنطلق، لم يعد أداء ما يسمى بـ (مجلس القيادة الرئاسي) اليمني مجرد محل تساؤل أو استفهام، بل غدا دليلا قطعيا على غياب أي مظهر من مظاهر القرار السيادي، وتحوله إلى مجرد أداة وظيفية بيد تحالف العدوان.
إن التعامل الانتقائي المخجل لهذا المجلس مع الأحداث يعكس عمق التبعية، فحين تنتهك الطائرات الأمريكية والإسرائيلية حرمة الأجواء اليمنية، وتصب حمم قذائفها فوق صنعاء والحديدة وبقية المحافظات مخلفة شهداء وجرحى من المدنيين ودمارا واسعا في البنية التحتية، يصاب المجلس بصمم سياسي مطبق، وتتبخر شعارات السيادة التي يتباكون عليها. هذا الصمت المخزي أمام غارات الأجنبي وقصفه المباشر للأراضي اليمنية يسقط أي شرعية مدعاة، ويكشف أن مفهوم السيادة لدى هذا المجلس ينتهي تماما حيث تبدأ توجيهات الكفيل الإقليمي والدولي.
وفي مقابل هذا الانبطاح أمام الاستباحة الأمريكية والإسرائيلية لليمن، تنتفض أدوات تحالف العدوان لإصدار بيانات الشجب والتنديد الصارمة بصياغات تعكس ذعر مشغليهم، لمجرد هبوط طائرة إيرانية في صنعاء لنقل وفد يمني للمشاركة في مراسم عزاء، هنا فجأة، تستدعى القوانين الدولية وترفع معزوفة السيادة المنتهكة بلهجة حادة توحي بأن البلاد والمنطقة والعالم تواجه خطرا وجوديا غير مسبوق. ويتبارى مثقفو المرتزقة في تهويل الموقف وكل يحشد ما لديه من إمكانيات خطابية ليقدم صورة دراماتيكية على حدث مهول. طائرة إيرانية تقل عددا من اليمنيين إلى طهران لتقديم واجب العزاء. هكذا المرتهنون والخونة يتدافعون إلى الشاشات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي بخطاب ملتوٍ يعبر عن حالة ارتهان كاملة وعن قوى كيدية رخيصة لا يهمها وطن ولاسيادة، قدر إرضائها ولي نعمتها تحالف العدوان..
هذه المفارقة الفاضحة لا تدع مجالا للشك في أن هذا المجلس وملاحقه من الصحفيين والكتاب المأجورين والساسة الخونة فقدوا الإرادة والقرار، وأن معيار السيادة لديهم ليس مبدأً وطنيا، بل هو أداة كيدية توظف لخدمة أجندات تحالف العدوان ضد المكونات الوطنية في الداخل. فالسيادة كل لا يتجزأ، ومن يقبل بانتهاك طائرات واشنطن وتل أبيب لأرضه وشعبه، لا يملك الحق الأخلاقي ولا السياسي في الحديث عن السيادة أو ادعاء تمثيل اليمنيين.
لقد فقد هذا الخطاب المتناقض كل أثر للمصداقية أمام شعب يمني بات يدرك جيدا أن المواقف تصاغ في عواصم التحالف لا في أروقة الرئاسي.
إن أي سلطة ترتهن قرارها ومصيرها للخارج، وتغض الطرف عن دماء مواطنيها ومنشآتهم الحيوية إرضاء لداعميها، هي سلطة معزولة عن شعبها، فاقدة للأهلية الوطنية. فالمواطن اليمني اليوم لم يعد تنطلي عليه البلاغة الجوفاء، وبات يعي تماما أن الثبات على المبادئ وحماية الأرض لا يقوم بها من ارتهن قراره، وتخلى عن سيادة بلاده مقابل فتات الشرعية المزيفة.. وهو فتات سيظل وصمة عار وخزي لهم على مر التاريخ يشير إلى ثلة مأجورين قدموا أنفسهم إلى العدو بثمن بخس لا تردعهم قيم ولا ضمير ولادين ولا انتماء وطني.
إنهم القوى المأفونة التي تحركها أصابع الشيطان صوب أي اتجاه يضر بالوطن وأهله. هكذا الخونة طريقهم اللا انتماء وكسب الحرام ومن ثم الزعيق والنعيق على قضايا ليست بقضايا حقيقية كما هو الحال في قضية (ميرا وفدغم) وحب على صفيح ساخن وقضية الوفد اليمني إلى طهران. فيما قضايا مصيرية لايحركون فيها ساكنا ولايرمش لهم جفن لأنهم فقدوا المروءة والشهامة وساحوا في الأرض، يشهرون سيف الغدر والخيانة ولن يفلحوا مطلقا.
Prev Post
