سجون الموت في عدن.. جريمة ضد الإنسانية تحت حماية الاحتلال وأدواته

شبكة الإجرام الإماراتية.. سجون سرية وضحايا بلا هوية وسط عدن المنسية

 

الثورة / مصطفى المنتصر
في ظل صمت دولي مخز وتواطؤ رسمي مريب، تواصل قوى الاحتلال السعودي الإماراتي وحكومة المرتزقة التابعة لها والمجلس الرئاسي المزيف، ارتكاب أبشع الجرائم بحق أبناء الشعب اليمني في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة. فوراء أسوار سجون سرية تحولت إلى مسالخ بشرية، يمارس التعذيب بكل وحشية، وتختطف الأرواح، وتخفى الجثامين، في مشهد يهز الضمير الإنساني ويستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً.
وبحسب تقارير كشفت عنها مصادر حقوقية عن شبكة واسعة من السجون السرية التي تديرها قوى الاحتلال الإماراتي وعملاؤها في عدن والمحافظات الجنوبية، حيث تُستخدم هذه المنشآت كمراكز للتعذيب المنهجي والإخفاء القسري خارج إطار القانون، ففي قاعدة البريقة، التي تعمل كمقر رئيسي لقوات تحالف العدوان في عدن وتخضع للسيطرة الإماراتية، تدير قوات الاحتلال منشأة احتجاز سرية، حيث يُحتجز المعتقلون في زنازين انفرادية، وينقلون إلى غرف تعرف باسم “غرفة التعذيب” أو “غرفة الأحلام”، ليتعرضوا لاستجوابات مطولة وتعذيب وحشي على أيدي أفراد عسكريين إماراتيين.
أما سجن “بير أحمد ” فيعد ثاني أكبر منشأة احتجاز في عدن، وقد شيدته الإمارات وأصبح جاهزاً للعمل في نوفمبر 2017م، حيث يحتجز نحو 157 رجلاً وطفلاً بشكل تعسفي لفترات تتراوح بين أربعة أشهر وسنتين ونصف، دون توجيه تهم أو محاكمة. كما تتوزع مرافق غير رسمية تابعة لقوات الحزام الأمني في مواقع عدة، بينها “قاعة وضاح” في التواهي، ومنزل العميد شلال علي شائع في جولد مور، ومديرية الأمن والبحث الجنائي في خور مكسر، ومخيم 20 في كريتر، حيث يمارس التعذيب وسوء المعاملة بصورة يومية.
التعذيب المنهجي.. انتهاك لكل المواثيق الدولية
توثق التقارير الحقوقية نمطاً ممنهجاً من التعذيب والانتهاكات الجسيمة التي ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، وتشمل تعذيباً جسدياً ونفسياً يتنوع بين الصعق بالكهرباء، والتعليق من السقف لفترات طويلة، والضرب المتكرر بالكابلات المعدنية، وخلع الأظافر، والإيهام بالغرق، والحرمان من الطعام والماء، والتقييد في زنازين ضيقة لا تسمح بالجلوس أو النوم. وقد وثق ناشطون حالات عنف جنسي مروعة، شملت اغتصاب ستة رجال وطفل واحد، واعتداءات جنسية أخرى، وإجبار على العري، استخدمت كأسلوب استجواب وتعذيب.
وتشير شهادة معتقل سابق إلى مشهد يومي من الرعب: “كل يوم كان هناك روتين عشوائي من التعذيب. كانوا يصعقوننا بالكهرباء، ويصبون علينا الماء البارد، ويجعلوننا نزحف في التراب عراة مع صخور على ظهورنا، ويعلقوننا من أذرعنا وأرجلنا، ويغطون أعيننا في إعدامات صورية حيث يقولون لنا إننا على وشك الموت”.
ضحايا الإخفاء القسري.. حياة تائهة بين الجحيم والنسيان
وفي شهادات هي أقرب إلى البكائيات، يروي معتقلون سابقون تفاصيل لا تُحتمل: شاب من المعلا كان يستعد لبطولة تايكواندو فإذا به معلق بالكلبشات وتكسر أضلاعه ثم يُخنق حتى الموت ويختفي جثمانه، وآخر من التواهي انتهى به المطاف هيكلاً عظمياً بيدين معاقتين ولم يُسلم جثمانه لأمه، وموظف كهرباء من المنصورة صُفّي داخل السجن ونُشرت صورته بينما جثته في المجهول، وشاب آخر تعفنت يداه من القيود ثم قُتل بالضرب، ومهندس من أبين حُطم رأسه بطوبة وأُلقيت جثته للكلاب، وفيديو يفضح تعذيب “الشواية” في معسكر المشاريع. كلها شهادات على أن سجون عدن تحولت إلى مسالخ بشرية تغذيها الإمارات وتحميها السعودية ويُغطي عليها المجلس الرئاسي وحكومة المرتزقة.”
وتبين التقارير الذي كشفها معتقلين سابقين أن هذه الانتهاكات ليست عشوائية، بل تمثل سياسة ممنهجة تهدف إلى إذلال المعتقلين وانتزاع الاعترافات أو إجبارهم على التعاون، وتمارس بإشراف مباشر من قادة وضباط إماراتيين، الذين يوكلون هذه المهام إلا شبكة من المجرمين مثل يسران المقطري الذي يتمتع بالحرية والإقامة في الإمارات بعيداً عن المساءلة.
ضحايا الإخفاء القسري.. حياة تائهة بين الجحيم والنسيان
في إطار هذا النظام الإجرامي، أصبح الإخفاء القسري أداة نظامية لطمس مصير الضحايا وإرهاب المجتمع. فجثامين الموتى لا تسلم لذويهم، بل تختفي في غياهب المجهول أو تلقى لمصائر لا يعرفها إلا الجلادون. وتبقى الأسر تنتظر خبراً أو قبراً لسنوات، في معاناة نفسية لا تطاق تضاف إلى جريمة القتل وما حادثة إخفاء المقدم علي عشال إلا نموذج مبسط لهكذا إجرام، في مشهد يكشف كيف تحولت حياة المئات من أبناء عدن إلى أرقام مجهولة في سجلات الإخفاء، بينما تقام مجالس العزاء دون جثمان، وتقرأ الفاتحة على قبر وهمي.
الأبعاد القانونية والإنسانية.. جرائم حرب تستوجب المحاكمة
وتشير التقارير إلى أن هذه الممارسات تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فالاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تحظر بشكل مطلق التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتعتبر الإخفاء القسري جريمة مستمرة تنتهك أبسط الحقوق الإنسانية.
من الناحية الإنسانية، تترك آثار التعذيب ندوباً نفسية وجسدية عميقة لا تلتئم. فالناجون من هذه السجون يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة، ويواجهون صعوبات في الاندماج في المجتمع بعد الإفراج عنهم، ويحملون معهم جروحاً لا تبرأ، كما أن ظروف الاحتجاز القاسية، والازدحام، وانعدام الرعاية الصحية، تساهم في تفشي الأمراض والأوبئة بين المعتقلين، مما يحول السجون إلى بؤر موت بطيء.
مسؤولية دولية غائبة ومجرمون بكامل الحرية
يتحمل المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، مسؤولية أخلاقية وقانونية في كشف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها. الأمر الذي يتطلب سرعة فتح تحقيق دولي مستقل وفحص جميع مواقع الاحتجاز السرية والكشف عن مصير جميع المختطفين والمخفيين قسراً بالإضافة إلى محاسبة المتورطين في جرائم التعذيب والإخفاء القسري والقتل.
الصمت المخزي والنداء الأخير
في خضم هذه المأساة، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يواصل المجلس الرئاسي وحكومة المرتزقة صمتهما المخزي إزاء جرائم حلفائهما السعوديين والإماراتيين؟ لماذا لم تغلق هذه المسالخ البشرية حتى اليوم؟ إن هذا الصمت ليس مجرد تخاذل، بل تواطؤ في الجريمة وإهانة لكرامة الضحايا، وتشجيع للجناة على الاستمرار في إرهاب المجتمع والإفلات من العقاب.

قد يعجبك ايضا