عدن تحت وطأة “الصيف اللاهب”.. كارثة صحية تفتك بالأطفال وسط انهيار معيشي وفوضى في مناطق السيطرة السعودية
الثورة/ مصطفى المنتصر
تعيش مدينة عدن، الغارقة في الأزمات، أبعاد مأساة إنسانية وصحية هي الأسوأ منذ سنوات؛ إذ تضافرت موجات الحر القياسية والرطوبة الخانقة مع الانهيار الشامل لمنظومة الكهرباء والخدمات، لتنتج وضعاً كارثياً بات يهدد حياة السكان بشكل مباشر، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً كالأطفال وكبار السن.
وتأتي هذه المعاناة المتفاقمة في ظل سيطرة عسكرية وإشراف مباشر من القوات السعودية والفصائل والمليشيات المحلية التابعة لها، وسط اتهامات شعبية لها بـ”العجز المتعمد” وتكريس سياسة العقاب الجماعي.
تسجيل أكثر من 5 حالات وفاة
وفي تطور خطير يعكس وصول الوضع الإنساني إلى حافة الكارثة، أكدت مصادر طبية ومحلية في عدن تسجيل أكثر من خمس حالات وفاة خلال الأيام القليلة الماضية بين مواطنين، جلّهم من كبار السن والأطفال والمصابين بأمراض مزمنة (مثل ضغط الدم والسكري وضيق التنفس).
وأوضحت المصادر أن الوفيات نتجت عن إصابة الضحايا بإجهاد حراري شديد وحالات اختناق داخل منازلهم، بسبب الارتفاع القياسي في درجات الحرارة والرطوبة، بالتزامن مع الانقطاع شبه الكلي للتيار الكهربائي الذي يمتد لقرابة عشرين ساعة في اليوم، مما حوّل المساكن الشعبية إلى بيئات غير قابلة للحياة.
كارثة صحية: الأجساد الغضّة تدفع الثمن
ولم تعد أزمة الكهرباء في عدن مجرد انقطاع لوسائل الرفاهية، بل تحولت إلى مصدر للأمراض والأوبئة التي تفتك بأجساد الأطفال داخل منازلهم التي تحولت بفعل الصيف اللاهب إلى ما يشبه “الأفران المغلقة”.
وأكدت مصادر طبية محلية في عدن تسجيل ارتفاع مخيف وملحوظ في معدلات الإصابة بالأمراض والالتهابات الجلدية الحادة بين الأطفال خلال الأسابيع الأخيرة. وتستقبل المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية يومياً عشرات الحالات المصابة بـ الطفح الجلدي الشديد والدمامل.
والالتهابات البكتيرية الحادة الناتجة عن التعرق المفرط بالإضافة إلى مرض “حمو النيل” الذي ينتشر بكثافة جراء غياب التهوية والتبريد.
وأشارت المصادر الطبية إلى أن غرف الطوارئ تكتظ بأمهات يبحثن عن مهدئات لأطفالهن الذين يمزق الحكّ والآلام أجسادهم الطرية، في ظل عجز المنظومة الطبية المتهالكة أساساً عن تقديم الرعاية المجانية الكافية، وارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية.
منازل بلا حراك.. وصرخات استغاثة من الأحياء الشعبية
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ضجت المواقع بمناشدات إنسانية مؤلمة أطلقها أهالي من مديرية كريتر، الشيخ عثمان، المنصورة وبقية مديريات عدن، وصفوا فيها الأوضاع داخل بيوتهم بـ”المأساوية وغير الآدمية”. وتحدث الآباء بمرارة عن قضاء أطفالهم ساعات الليل في بكاء مستمر وأنين متواصل بفعل الحر الشديد والالتهابات الجلدية التي تنهش أجسادهم، مع تجاوز ساعات إطفاء الكهرباء الحدود المعقولة مقابل ساعة أو ساعتين من التشغيل الضعيف.
وعبّر المواطنون عن عجزهم الكامل عن عمل أي شيء للتخفيف من هذه المعاناة، في ظل الانهيار الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، وتدهور قيمة العملة المحلية، وهو ما جعل شراء حتى “قالب ثلج” أو توفير منظومة طاقة شمسية بسيطة حلمًا بعيد المنال لغالبية الأسر ذات الدخل المحدود.
المسؤولية السياسية: سياسة “التركيع” في مناطق السيطرة السعودية
ويرى مراقبون وناشطون محليون أن المأساة المعيشية والخدمية التي تضرب عدن ليست ناتجة عن شح الموارد فحسب، بل هي نتاج مباشر لحالة الفوضى السياسية والعسكرية والفساد المستشري في المناطق الخاضعة لسيطرة التحالف؛ حيث تتقاسم القوات السعودية والمليشيات المسلحة التابعة لها النفوذ في المدينة دون الاكتراث بملف الخدمات أو معاناة المواطن اليومية.
ويقول مراقبون للشأن اليمني: “إن تحويل ملف الكهرباء والخدمات الأساسية في عدن إلى ورقة صراع سياسي وتصفية حسابات بين الأطراف المتصارعة على النفوذ، يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان بحق المدنيين. فالصمت السعودي والتقاعس المحلي المؤيد لها يفسره الشارع العدني على أنه سياسة ممنهجة لإشغال المواطنين بالبحث عن شربة ماء باردة ونسمة هواء، وعزلهم عن المطالبة بحقوقهم السياسية والسيادية”.
غليان شعبي ومؤشرات الانفجار
تأتي هذه التطورات الكارثية متزامنة مع تصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية، والتي كان آخرها الوقفة الحاشدة لحرائر وأبناء عدن في ساحة العروض، والذين أطلقوا فيها صرخة إنذار أخيرة ضد سياسة “الإفقار والإطفاء”.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا التجاهل المتعمد وتفاقم الحالة الصحية للأطفال وكبار السن، مع الدخول الفعلي لفصل الصيف واشتداد موجات الرطوبة، سينقل الغليان الشعبي من مربع الاحتجاج السلمي إلى مربع الانفجار المجتمعي الشامل في وجه قوى السيطرة والمليشيات المنتشرة في المدينة، بعد أن وصل المواطن في عدن إلى قناعة تامة بأنه لم يعد لديه ما يخسره.
