على الرغم من التحولات الاستراتيجية التي فرضها انشقاق عدد من قادة مليشيا الدعم السريع على معادلة الحرب في السودان إلا أن التقديرات تشير إلى أن انشقاق هذه القيادات لن ينهي الحرب كما يأمل السودانيون إذ لا يزال أمام الجيش الكثير لكي يضع نهاية قريبة للحرب المحتدمة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 4 سنوات.
تحليل / أبو بكر عبدالله
مع مضي الحرب المندلعة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع اللواء محمد حمدان دقلو الشهير بـ»حميدتي» بعامها الرابع، عاشت قوات الدعم السريع وقع زلزال مفاجئ في انشقاقات كبيرة أعلنها اثنان من أبرز قادتها الكبار أسفرت عن تغير كبير في موازين القوة، في محاور استراتيجية هامة بخارطة الحرب السودانية.
ذروة هذا التحول سُجلت خلال الأسابيع الماضية بإعلان اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ «النور القبة» والقائد علي رزق الله «السافنا» الانشقاق عن الدعم السريع والانضمام للجيش السوداني، جاءت بعد انشقاقات أعلنها القيادي بشارة الهويرة من محور بارا، والقيادي الأمير إسماعيل محمد يوسف وهو من أبرز القادة الميدانيين في المسيرية، ما أضعف مليشيا الدعم السريع في دارفور وكردفان كما أضعف الحاضنة القبلية للدعم السريع في غرب السودان.
ذلك أن اللواء «النور القبة» الذي أعلن انشقاقه عن الدعم السريع والانضمام للجيش في ابريل الماضي كان قياديا بارزا ومؤسسا في الدعم السريع ومسؤولاً عن عمليات عسكرية كبيرة للدعم السريع مثل السيطرة على مدينة الفاشر، في حين أن اللواء على رزق الله «السافنا» الذي انشق عن الدعم السريع في مايو الماضي كان مسؤولا عن سيطرة الدعم السريع على مناطق استراتيجية مثل الفاشر وبارا في شمال كردفان.
هذان القياديان انضما إلى عدد من القادة الكبار الذي انشقوا في فترة سابقة عن قوات الدعم السريع مثل القيادي أبو عاقلة كيكل، وهو من أوائل المنشقين عام 2024 وانضم إلى الجيش مع قواته ولعب تاليا دورا مهما في استعادة الجيش السيطرة على ولاية الجزيرة، فضلا عن القادة الذين أعلنوا انشقاقهم عام 2025 في كردفان ودارفور.
جميع هؤلاء القادة كانوا جزءاً من شبكة الولاءات القبلية التي منحت مليشيا الدعم السريع القدرة على التمدد بسرعة في الخرطوم وولايات دارفور وكردفان والجزيرة، خصوصا أن أكثرهم كانوا يجمعون بين النفوذ القبلي والخبرة العسكرية والقدرة على القيادة العملياتية ما جعلهم أدوات رئيسية في توسع سيطرة مليشيا الدعم السريع خلال السنوات الماضية.
تغير المعادلات
يصعب القول إن الانشقاقات التي سجلتها قوات الدعم السريع مؤخرا أحداث فردية بل كانت اعراض لحالة تفكك داخلي في قوات الدعم السريع التي استثمرت كثيرا من الطاقات والأموال والقدرات من أجل حشد أكبر قدر من الأطراف العسكرية والقبلية للسيطرة على مناطق مترامية في السودان في إطار محاولتها الانقلاب على مجلس السيادة الانتقالي.
والصراع على المناصب والغنائم بداخل بينة الدعم السريع كان السبب الأول في تتالي عمليات الانشقاق عن قوات الدعم السريع، فضلا عن التجاوزات في التعيينات العسكرية والانتهاكات الداخلية وتغلب الولاءات للقبيلة والمصالح العائلية لأسرة دقلو داخل بيئة الدعم السريع، فضلا عن تزايد الانتهاكات وجرائم الإبادة الجماعية بحق المدنيين، وتنامي الشعور بأن الحرب صارت عبثية في ظل النزيف المستمر للشعب السوداني دون قدرة أي طرف على حسمها بصورة نهائية.
والجميع يدرك أن تأثير الانشقاقات لن يكون عسكريا وحسب بل سيكون له تأثير سياسي واجتماعي في تناقص التأييد المجتمعي لقوات الدعم السريع وإضعاف ثقة الدول التي تدعمها، إذ أن كل انشقاق كبير لاشك سيرسل رسالة لبقية المقاتلين بأن «السفينة تغرق»، ما قد يسرّع انهيار هذه القوات التي لا تزال تفرض سيطرة على أجزاء كبيرة من جنوب السودان وغربه.
وسبق أن أدت الانشقاقات في صفوف الدعم السريع إلى تمكن الجيش من استعادة مناطق استراتيجية مثل ولاية الجزيرة وبعض مناطق كردفان ودارفور، في مقابل خسارة الدعم السريع السيطرة الميدانية وتراجع النفوذ في مناطق كانت تحت سيطرتهم.
وما أحدثته انشقاقات هؤلاء القادة من تغيرات في خارطة السيطرة الميدانية كان واضحا، ففي ولاية الجزيرة مثلا ساعد انشقاق أبو عاقلة كيكل وقواته الجيش السوداني في استعادة مناطق واسعة كانت تحت سيطرة الدعم السريع، في حين أدى انشقاق القيادي بشار الهويرة إلى اضعاف محور بارا ما سمح للجيش بتوسيع نفوذه هناك.
وأبو عاقلة كيكل كان يقود قوات «درع السودان»، وله نفوذ اجتماعي واسع في مناطق الجزيرة والبطانة وقواته كانت تعرف جيداً خطوط الإمداد والجغرافيا المحلية، ما جعلها قوة حاسمة في معارك الجزيرة.
بالمثل أدى انشقاق السافنا والنور القبة إلى اضعاف سيطرة الدعم السريع على بعض المحاور، خاصة في الفاشر والمناطق المحيطة.
وبصورة عامة فإن أكثر القادة المنشقين عن الدعم السريع مثلوا خلال سنوات الحرب الماضية مراكز قوة اجتماعية وعسكرية وتحالفهم السابق مع المليشيا كان سبباً في توسعها، لكن انضمامهم حاليا إلى الجيش السوداني جعلهم عاملاً حاسماً في إضعاف الدعم السريع وإعادة تشكيل موازين الحرب.
المكاسب والتأثير الميداني
يمكن الإشارة هنا إلى جملة من المكاسب التي حققها الجيش جراء انشقاقات قادة الدعم السريع ولا سيما في تعزيز قوته البشرية بقيادات تمتلك خبرة عسكرية كبيرة وتعرف تكتيكات الدعم السريع وخطوط امداده.
وفي حين أضعفت الانشقاقات معنويات الدعم السريع الذي بدأ يفقد الثقة الداخلية، فقد أدت بالمقابل إلى رفع الروح المعنوية لدى الجيش وتعزيز موقفه سياسيا وعسكريا واجتماعيا حتى بات قادرا على خوض عمليات عسكرية لم يكن بمقدوره خوضها من قبل بسبب ضعف الولاءات القبلية.
يضاف إلى ذلك المكاسب التي حققها الجيش في تضعضع قوات الدعم السريع من جراء فقدان قادة بارزين ومؤثرين في مناطقهم ولديهم القدرة على حشد القوات واستنفار السكان المحليين، وتغير قواعد السيطرة الميدانية.
وفي حين وجهت هذه الانشقاقات رسالة شديدة الوضوح بأن قوات الدعم السريع تتفكك من الداخل، فقد حصل الجيش على مكاسب كبيرة في التماسك والمعنويات وتعزيز القدرات البشرية واللوجستية وتوسع الحاضنة الشعبية الداعمة للجيش والمناهضة لقوات الدعم السريع في العديد من مناطق القبائل.
وكثير من التقديرات تشير إلى أن الانشقاقات الأخيرة لقادة الدعم السريع ستلقي بآثارها على مسار الحرب بعد أن أحدثت تحولاً في ميزان السيطرة والقدرات، فالجيش عزز وجودة في ولاية الجزيرة وكردفان، في حين فقدت قوات الدعم السريع نفوذها في بعض مناطق دارفور وولاية الجزيرة.
ومعلوم ان الانشقاقات في صفوف الدعم السريع منذ 2024 وحتى اليوم شكلت مساراً تصاعدياً نحو إضعافهم حيث بدا أن كل عام جديد يشهد انشقاقات أكبر وأكثر تأثيراً، ما يعني أن استمرارها بهذه الوتيرة قد يحولها إلى عامل حاسم تغيّر موازين القوى بشكل جذري نحو إنهاء الحرب أو على الأقل فرض تسوية سياسية لصالح الجيش السوداني.
ذلك أن القادة المنشقون يمتلكون قوة ميدانية معتبرة، كما يمتلكون نفوذا قبليا كبيرا ولديهم القدرة على التحكم في مناطق استراتيجية مثل الجزيرة ودارفور وكردفان، وانضمامهم إلى الجيش السوداني أحدث بالفعل تحولاً في موازين القوة، إذ ساعد الجيش على استعادة أراضٍ كانت تحت سيطرة الدعم السريع، في حين ينتظر أن تقود هذه التداعيات إلى فقدان الدعم السريع نفوذا قبليا واجتماعيا مؤثرا سيقلل بلا شك من قدرتها على السيطرة التي كانت تعتمد فيها على الولاءات المحلية.
تداعيات محتملة
أبرز التداعيات المتوقعة عن عمليات الانشقاق المستمرة لقادة مليشيا الدعم السريع تتمثل في إضعاف القدرات الميدانية والعسكرية لها سواء من ناحية الكوادر البشرية التي لعبت دورا مهما في تثبيت السيطرة الميدانية أم في المعدات القتالية التي تم نقلها إلى قوات الجيش النظامي، أم في الحاضنة الشعبية التي تبدو في طريقها للتناقص بشكل يفقد الدعم السريع أهم ادواته في الحرب.
والانشقاقات المتوالية صارت اليوم تمثل تهديدا داخليا كبيرا لمليشيا الدعم السريع، وربما هو أكبر تهديد يواجهها منذ الانقلاب الذي قادته على الحكومة السودانية في ابريل 2023.
واستمرار الانشقاقات بالوتيرة نفسها قد يحولها إلى نقطة انهيار تدريجي للمليشيا، ما يعزز فرص الجيش في استعادة السيطرة وربما إنهاء الحرب عبر الحسم العسكري الذي تقول قيادة الجيش السوداني إنه الخيار الوحيد المتاح امامها اليوم وإن كان من المبكر الجزم بقدرة الجيش على إنهائها في المدى المنظور.
غير أن الانهيار الكامل لقوات الدعم السريع نتيجة تصاعد حركة الانشقاقات لن يحدث إلا في حال وصولها إلى قادة الصف الأول أو وحدات عسكرية كبيرة ومؤثرة في معادلة السيطرة الميدانية، وهو تحول قد يعزز فرص التدخل من جانب الجيش للحسم وانهاء الحرب أو على الأقل تهيئة الأرضية لتسوية سياسية تنهي أي حضور عسكري أو سياسي قوي للدعم السريع.
وهناك مؤشرات على احتمال تتالي الانشقاقات، يتصدرها تصاعد الصراع الداخلي على القيادة والخلافات حول المناصب والغنائم وهي مشكلة تعانيها الهياكل القيادية في العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع ما يجعل الانشقاقات مرشحة للتوسع.
من جانب آخر فإن بعض القبائل التي كانت تساند علنا الدعم السريع بدأت بتقليص توجهاتها المؤيدة ما قد يضعف الحاضنة الاجتماعية للمليشيا، في ظل تراجع الروح المعنوية في صفوف القوى القبلية التي ساندتها خلال السنوات الماضية.
وعلى أن المرجح حصول تضعضع تدريجي في صفوف قوات الدعم السريع جراء استمرار عجلة الانشقاقات إلا أن بقائها في المعادلة العسكرية على المدى المنظور سيبقى قائما خصوصا أنها لا تزال تمتلك الكثير من الموارد المالية والعسكرية وهي عوامل قد تمكنها من قيادة حرب عصابات لعدة سنوات، وربما بناء تحالفات عسكرية جديدة تطيل أمد الصراع.
خطوات استراتيجية مهمة
لاستثمار التحولات التي فرضتها عجلة الانشقاقات في صفوف قيادات الدعم السريع بشكل إيجابي تحتاج السلطات السودانية والجيش إلى الانخراط في عملية شاملة سياسية وعسكرية تجمع بين الضغط العسكري المباشر والحرب النفسية والاجتماعية، مع قطع الموارد والإمدادات، وهي أمور ستحول الانشقاقات من مجرد حدث داخلي إلى عامل انهيار شامل لقوات الدعم السريع، يفتح الباب لإنهاء الحرب أو فرض تسوية سياسية لصالح الجيش.
من ذلك الاستفادة من التحولات في خارطة الصراع وتحقيق تقدم في قطع خطوط الإمداد والسيطرة على طرق الإمداد الرئيسية (من دارفور إلى الخرطوم، ومن كردفان إلى الجزيرة) وهو امر سيضعف بلاشك قدرة الدعم السريع على مواصلة القتال.
وتعزيز دور القادة المنشقين في العمليات الميدانية سيكون استثمارا ناجحا، فهم يعرفون تكتيكات الدعم السريع وجحم قواته وطرق التمويل ومواقع تخزين السلاح ومناطق انطلاق العمليات وغيرها من العوامل التي قد تكسب الجيش تفوقا ميدانيا.
كذلك تحييد القدرات المالية من خلال استهداف شبكات التمويل التي تعتمد غالبا على تجارة الذهب من خلال السيطرة على المناجم وقطع طرق التهريب.
ويتعين على السلطات السودانية العمل على تعزيز علاقاتها مع القبائل والمجتمعات المحلية التي كانت تساند قوات الدعم السريع، بما في ذلك تقديم ضمانات أمنية وخدمات، لقطع الطريق كليا على الدعم السريع لإعادة احياء الولاءات المحلية ويقلل من قدرتها على التجنيد.
ويمكن لها الاستفادة من الضغوط الدولية على الدعم السريع بسبب الانتهاكات، للحصول عم سياسي وعسكري للجيش يسرّع من احكام سيطرته وفرض شروطه، بالتوازي مع الاستجابة للمبادرات الدولية الداعية إلى الانخراط في عملية سياسية تعيد السودان إلى مسار التحول الصحيح.
فلسطين في الإعلام الغربي .. تحيز وازدواجية معايير !!
/ متابعات
حين تمسح قوات الاحتلال الإسرائيلي عائلة كاملة في غزة من السجل المدني ثم يُقال في عنوان إخباري نها “قُتلت في اشتباكات”، فهذه ليست زلة مهنية عابرة. هذا هو التحيز الإعلامي بشأن فلسطين في صورته اليومية الأكثر خطورة: لغة تخفف الجريمة، وتجهل الفاعل، وتدفع الضحية إلى الهامش حتى وهي تحت الأنقاض.
القضية هنا ليست مجرد اختلاف في الرأي أو تباين في التحرير. ما يجري في كثير من التغطيات الدولية هو بناء رواية سياسية كاملة عبر اختيار الكلمات، وترتيب الأولويات، ومنح الشرعية لطرف (الاحتلال) وحجب الإنسانية عن طرف آخر (الفلسطينيين). وحين يتعلق الأمر بفلسطين، فإن هذا الانحياز لا يبدأ عند لحظة الخبر العاجل فقط، بل يمتد إلى الخلفية التاريخية، وطريقة استضافة الضيوف، وصياغة الأسئلة، وتحديد من يحق له أن يشرح ومن يُطلب منه فقط أن يبرر بقاءه حيًا.
كيف يظهر التحيز الإعلامي بشأن فلسطين؟
أوضح أشكال الانحياز يبدأ من اللغة. وسائل إعلام كثيرة تصف الفلسطيني الذي استشهد برصاص الاحتلال بأنه “مات” أو “لقي حتفه”، بينما تستخدم أفعال مباشرة وحادة عندما يكون القتيل إسرائيليًا. الفارق هنا ليس لغويًا فقط. الفعل المبني للمجهول يطمس المسؤولية، ويحول الجريمة إلى حدث غامض بلا مرتكب.
ثم تأتي مسألة التسمية. الاحتلال يُقدَّم بوصفه “نزاعًا” بين طرفين متساويين في القوة، وكأن شعبًا يواجه الإبادة ويقع تحت الحصار والاستيطان والتهجير يقف على قدم المساواة مع قوة عسكرية مدججة ومدعومة دوليًا. هذه الصياغة ليست محايدة. هي تعيد تعريف الواقع بما يخدم بنية سياسية ترى الاستعمار مجرد خلاف حدودي.
في تغطية القدس والضفة الغربية وغزة، كثيرًا ما تُنتزع الأحداث من سياقها. يُذكر هجوم أو عملية أو اشتباك، لكن يُحذف ما سبقه من اقتحامات، واعتقالات، واغتيالات، ومصادرة أراض، وحصار خانق. وحين يُقتطع الحدث من جذره، يبدو الفلسطيني في الصورة النهائية كأنه مصدر العنف الوحيد، لا كمن يعيش تحت عنف منظم ومستمر.
من يملك حق الكلام ومن يُدفع إلى زاوية الدفاع؟
التحيز لا يقتصر على النصوص. يظهر أيضًا في بنية المنصات الإخبارية نفسها. من الذي يُستضاف باستمرار بصفة “خبير” أو “محلل أمني”؟ ومن الذي يُدعى فقط ليحكي مأساته الشخصية ثم يُقاطع عند الحديث في السياسة أو القانون أو التاريخ؟
غالبًا ما يُمنح المسؤول الإسرائيلي مساحة واسعة لتكرار رواية “الدفاع عن النفس” دون مساءلة حقيقية، بينما يُعامل المتحدث الفلسطيني كمتهم يحتاج إلى اختبار أخلاقي في كل مقابلة. يُسأل عن الإدانة قبل أن يُسأل عن الوقائع. ويُطلب منه أن يشرح لماذا يستحق المدنيون الحماية، في حين لا يُطلب من الطرف الآخر تفسير نظام الحصار والقصف والاحتلال والاستيطان بالحدة نفسها.
الصورة ليست بريئة
الصور التي تختارها غرف الأخبار تصنع الرأي العام بقدر ما تصنعه الكلمات، وأحيانًا أكثر. حين تُعرض صور الفلسطينيين فقط في لحظات الدمار والبكاء والركض، من دون إبراز حياتهم الطبيعية ووجوههم وأسمائهم وأحلامهم، يجري اختزالهم إلى كتلة بشرية مرتبطة دائمًا بالمأساة. وحين تُقدَّم صور الإسرائيليين عبر بورتريهات شخصية، وأسماء كاملة، وقصص عائلية، يصبح الفارق في التعاطف فادحًا.
حتى الخرائط والرسوم التوضيحية ليست محايدة. محو أسماء القرى، أو تجاهل التغول الاستيطاني، أو استخدام تعبيرات فضفاضة بدل توصيف قانوني وسياسي دقيق، كلها أدوات تنقل رسالة واحدة: الفلسطيني حاضر كخبر طارئ، لا كصاحب أرض وتاريخ وحق.
الخبر العاجل يضلل حين يُفصل عن التاريخ
واحدة من أخطر مشاكل التغطية الغربية السائدة أنها تتعامل مع فلسطين كأنها سلسلة انفجارات مفاجئة. تبدأ الرواية من لحظة الصاروخ أو الغارة أو العملية، لا من عقود النكبة والاحتلال والاقتلاع. هذا البناء الزمني المشوه يخلق انطباعًا بأن العنف يظهر من فراغ، ويعفي البنية الاستعمارية من المساءلة.
لا يمكن فهم غزة من دون الحصار. ولا يمكن فهم القدس من دون التهويد والاقتحامات والتهجير. ولا يمكن فهم الضفة من دون المستوطنات والحواجز والاعتقالات اليومية. وعندما يُختزل كل ذلك في دقائق بث عاجل أو سطور قصيرة تساوي بين الجلاد والضحية، فإن التغطية لا تكون ناقصة فقط، بل تصبح شريكة في التعتيم.
لماذا يستمر هذا الانحياز؟
السبب ليس واحدًا. هناك إرث سياسي وثقافي طويل في المؤسسات الإعلامية الغربية يمنح الرواية الإسرائيلية موقعًا تلقائيًا من الشرعية. وهناك أيضًا شبكات ضغط، وعلاقات قوة، وخوف تحريري من اتهامات جاهزة لكل من يستخدم توصيفات مثل الاحتلال أو الاستعمار الاستيطاني أو التطهير العرقي.
وفوق ذلك، كثير من غرف الأخبار تعتمد على مصادر رسمية وعسكرية باعتبارها “موثوقة”، بينما تتعامل مع الشهادات الفلسطينية كمواد تحتاج دائمًا إلى تدقيق زائد أو تأخير في النشر. هذه الازدواجية تعني عمليًا أن رواية القوة تدخل أولًا إلى الخبر، ثم يُطلب من الضحية أن تلحق بها إن سُمح لها أصلًا.
هناك أيضًا عامل الكسل المهني. بعض الصحفيين يكررون القوالب الجاهزة نفسها لأنهم لا يملكون معرفة حقيقية بتاريخ فلسطين أو بالبنية القانونية للاحتلال. فيتحول الجهل إلى انحياز، ويتحول الانحياز إلى قاعدة تحريرية مستقرة.
التحيز الإعلامي بشأن فلسطين ليس مطلقًا لكنه بنيوي
من المهم قول ذلك بوضوح: ليست كل المؤسسات سواء، وليست كل التغطيات متطابقة. خلال السنوات الأخيرة ظهرت مساحات صحفية أكثر استعدادًا لاستخدام توصيفات أدق، وأكثر انفتاحًا على الأصوات الفلسطينية، خصوصًا مع اتساع دور الصحفيين المستقلين والمنصات الرقمية. لكن هذا التحسن الجزئي لا يلغي المشكلة الأساسية.
فالانحياز بنيوي لأنه متصل بطريقة تعريف الخبر نفسه: من هو الإنسان الكامل في السردية؟ من يملك “الحق الطبيعي” في الأمن؟ من يُرى كفاعل سياسي، ومن يُختزل إلى ملف إنساني؟ ما دام الفلسطيني يُستدعى أساسًا بوصفه ضحية صامتة أو خطرًا أمنيًا، فإن الخلل يظل قائمًا حتى لو تغيرت بعض المفردات.
كيف يقرأ القارئ التغطية بوعي أكبر؟
الخطوة الأولى هي الانتباه إلى اللغة. اسأل دائمًا: من الفاعل في الجملة؟ هل ذُكر الاحتلال صراحة أم جرى التهرب منه؟ هل الخبر يشرح السياق أم يقتطع الحدث من جذوره؟ هذه الأسئلة البسيطة تكشف كثيرًا مما تحاول الصياغات الملساء إخفاءه.
بعد ذلك، يجب مقارنة الروايات لاستهلاك التناقضات، لا من باب “الحياد” الزائف. حين تقرأ مصادر تضع التجربة الفلسطينية في المركز، ستلاحظ كم من التفاصيل يجري استبعاده عادة من التغطية الدولية التقليدية: أسماء الشهداء، مواقع الاقتحام، تاريخ المكان، دوافع المستوطنين، أثر الحصار، شهادات الأسرى المحررين، ودور المقاومة الشعبية في حماية الوجود الفلسطيني.
كما أن متابعة الصحفيين الميدانيين الفلسطينيين تظل ضرورية. هؤلاء لا ينقلون فقط ما يحدث، بل يواجهون يوميًا محاولات إسكات الرواية الأصلية تحت القصف والاعتقال والمنع. ومنصات مثل المركز الفلسطيني للإعلام أدت دورًا مهمًا في تثبيت هذا الحضور المستمر، لا كمادة رد على رواية الآخر فقط، بل كرواية قائمة بذاتها.
ما الذي يحتاجه المشهد الإعلامي الآن؟
الحاجة ليست إلى شفقة إعلامية على الفلسطينيين، بل إلى عدالة مهنية ومعرفية. وهذا يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها: احتلال، استيطان، حصار، تطهير، وجرائم تُرتكب ضد المدنيين. ويحتاج أيضًا إلى نقل الفلسطيني من موقع الموضوع الذي يُتحدث عنه إلى موقع الذات التي تشرح وتفكك وتؤرخ وتواجه.
كذلك، لا بد من كسر احتكار الخبر الرسمي. الشهادات الفلسطينية ليست ملحقًا عاطفيًا للخبر، بل جزء أساسي من الحقيقة. والاعتراف بخبرة الصحفيين والباحثين الفلسطينيين ليس مجاملة سياسية، بل تصحيح لخلل قديم جعل كثيرًا من التغطيات أسيرة غرف القرار الغربي ومفاهيمه الأمنية.
المعركة على فلسطين ليست عسكرية وسياسية فقط. هي أيضًا معركة على المعنى، على الكلمة الأولى في العنوان، وعلى الصورة التي تبقى في ذهن العالم، وعلى السؤال الذي يُطرح ومن يُمنع من طرحه. لذلك فإن مواجهة الانحياز الإعلامي تبدأ من عدم التسليم للرواية الجاهزة، ومن الإصرار على أن الفلسطيني ليس هامشًا في قصته، بل مركزها الذي لا يجوز شطبه مهما اشتد الضجيج.
