يظن الكثير أن الاستقلال صفة لازمة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهم على إدراك بحقيقة الأمر الذي عليه حال دول مجلس التعاون الخليجي، فحين خرجت بريطانيا من المنطقة العربية بعد موجة التحرر والاستقلال والمد القومي التحرري غادرت بريطانيا الخليج شكلا لكنها ظلت مضمونا، إذ عملت على تنصيب مشايخ كانوا على غير القيم العربية، فالمعيار الذي اتخذته بريطانيا للمشايخ كان يقوم على الاستعداد الفطري للعمالة، وتم الاختيار من فئتين اجتماعيتين هما قطاع الطرق، وقراصنة البحار، وهذا أمر يمكن التحقق منه من خلال الرجوع إلى تاريخ الأسر الحاكمة في الخليج العربي، وقد فاحت روائحه في مذكرات ضباط المخابرات البريطانيين التي صدرت كي تسرد نشاطهم وجهودهم في تطويع الطبيعة البدوية الصحراوية وكيفية إدارة تلك الطبيعة حتى الوصول إلى القدرة على التحكم في مصادر الطاقة .
ولذلك لم تشهد منطقة الخليج استقلالا حقيقيا ولا حرية ولا سيادة وطنية، فالحماية الأمنية والعسكرية للشركات والقواعد العسكرية مرابطة في المنطقة، وهناك اتفاقات تعاون أمني وعسكري يضمن تدفق النفط في المنطقة، فالقواعد العسكرية المرابطة في جغرافيا الخليج هي المعنية بالحماية، وصفقات الأسلحة التي نسمع عنها في وسائل الإعلام تذهب إلى تلك القواعد ولا تستطيع الدول التحكم بها أو التدريب على استخدامها، فهي من الشركات الغربية اليهم .
وبالعودة إلى عام 90م من القرن الماضي بعد التبدل والانهيار للقطب الشرقي وتفرد أمريكا بقيادة العالم، اقتضى الأمر حركة توازن جديدة في المنطقة، وكل ردود الفعل التي حدثت في ذلك الزمن فشلت، فشل الاتحاد المغاربي، وفشل مجلس التعاون العربي الذي جمع العراق ومصر والأردن واليمن، ولم يبق سوى مجلس التعاون الخليجي الذي ظل يدير المنطقة بالمال والنفط ويعمل على توازن المصالح الأمريكية وفي السياق يهيمن على مصادر الطاقة .
لم يبرح قادة الخليج والسعودية نقطة البداية والتأسيس، فكل حركات الإصلاحات التي كانت تجتاح العالم تحت لافتات حقوق الإنسان والحريات لم تصل دول مجلس التعاون الخليجي كما وصلت بقية الدول وهذا أمر أصبح معروفا لكن لم يثر سؤال أحد في كل العقود التي مرت قبل أن يعتدوا ظلما وعدوانا ويتجاوزن الحد ويسعون في اليمن فسادا وخرابا من خلال حركة التدمير التي صاحب الإعلان الشهير من واشنطن بإعلانهم عاصفة الحزم عام 2015م.
ولذلك جعل الله على أهل البغي والفساد والظلم سبيلا فهم اليوم يخرجون من تحت الطاولات إلى العلن والمجاهرة وكشف الله ما كان خافيا، وتغيرت الصورة الذهنية التي كونها الناس عن السعودية والخليج في العقود الماضية، واتضح أن دول الخليج ليسوا أكثر من مستعمرات تدار بواسطة الجهاز الاستخباري البريطاني والأمريكي والصهيوني ولا يكادون يتجاوزون ما هو مرسوم ومخطط لهم، فالعدوان على اليمن ليس في مصلحة السعودية ولا الإمارات بل يصب كله في مصلحة إسرائيل وأمريكا والنظام العالمي الجديد الذي بدأ يتشكل ويعمل اليوم على إعادة رسم ملامحه من خلال الصراع بين الدول الصناعية الكبرى والصين وروسيا، وهو ظاهر اليوم في الصراع بين الاتحاد الأوربي وروسيا في جزيرة القرم ، فخارطة المصالح للنظام الدولي الجديد تعيد حركة تموضعها وفق المعطيات الجديدة في العالم .
لقد كان العدوان على ايران من قبل أمريكا وإسرائيل بذرائع تخصيب اليورانيوم هي ذات الذرائع التي اتخذتها أمريكا والصهيونية لتدمير العراق وسوريا، ثم اتضح عدم صحة تلك الذرائع وتحدث أرباب الفكر السياسي عن ذلك بكل شفافية ووضوح، ويبدو أن الهدف المعلن للصهيونية يتحقق بشكل متدرج ووفق استراتيجية واضحة المعالم ومعلنة وهو الوصول إلى مرحلة فشل الدولة الوطنية وزمن الفوضى وعدم الانتظام وهذه المرحلة تمهد لاحتلالهم على اعتبار أنهم قوم فوضويون يشكلون خطرا على الحضارة المعاصرة .
بعد فشل مجلس التعاون العربي، والاتحاد المغربي في وقت سابق، اليوم تسعى الصهيونية العالمية إلى تمزيق أواصر مجلس التعاون الخليجي، ومؤشرات ذلك بدأت من خلال سباق النفوذ بين الإمارات والسعودية، والخلافات العميقة بين السعودية وقطر، وكل المحاولات كانت بائسة في لملمة الصف الخليجي، إذ اتسع الخرق على الراقع، فقطر ماتزال تغرد خارج سرب مجلس التعاون بصورة مباشرة وغير مباشرة، والإمارات على شفا حفرة من الانهيار الاقتصادي على إثر العدوان على ايران، والبحرين تعاني من حالة عدم التناغم، وسلطنة عمان لديها مشاكل تاريخية مع الإمارات ونزاع، وهي دولة غير متناغمة مع المنظومة الخليجية لذلك تنأ بنفسها عن الكثير من التصرفات الخليجية وموقفها يتسم بالحياد دائما من غالب القضايا في المنطقة، وقد تم جرها إلى في العدوان الأخير على ايران إلى دائرة الصراع إلا أنها حاولت التعقل والتحقق من الاستهداف العسكري الذي استهدف بعض منشاتها وعرفت طبيعة اللعبة ولم تنجر إلى الصراع .
العدوان على ايران سيترك آثارا عميقة على المنطقة وعلى مستوى العلاقات، وبالضرورة سوف يترك آثارا على مجلس التعاون الخليجي يصل إلى مرحلة الضعف التام والتمزق والتشتت والانقسام، ولعل خروج الإمارات من منظمة أوبك هو البداية في سلسلة حلقات سوف تسفر عن نفسها في قابل الأيام .
القضية اليوم قضية كبرى تتجاوز تبريرات الأمس لتصل إلى فكرة الشرق الجديد ولعل في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي في صناعة شرق أوسط جديد بيان للعرب والمسلمين إن كانوا على وعي وبصيرة بالمؤامرات التي تحاك ضدهم .
