احتجاجاً على حذف اسم فلسطين من المتحف البريطاني:فنانون يشاركون في معرض فني بالقاهرة يستحضر الذاكرة والهوية الفلسطينية

خليل المعلمي

تتواصل الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية الداعمة للقضية الفلسطينية في مختلف العواصم العربية بجهود ذاتية من المثقفين والأدباء والفنانين العرب وبدعم ومشاركة الجانب الرسمي، الأمر الذي يجسد التضامن والتكاتف مع الفلسطينيين ومواجهة التحديات والمؤامرات التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني وقضيتهم العادلة..

تحت عنوان “الاسم فلسطين” شارك أكثر من 28 فناناً مصرياً وفلسطينياً في معرض فني بالقاهرة، يستعيد سيرة الأراضي العربية المحتلة، ويؤكد على أن اسمها “فلسطين”، احتجاجاً على قرار المتحف البريطاني “British Museum” إزالة اسم فلسطين من قاعات الشرق الأدنى القديم بحجة أن مصطلح فلسطين القديمة غير دقيق تاريخياً.

ووفقاً لمنظمي المعرض، فإن “الفن يعرف ما لا تقوله الخرائط” لذلك اجتمع فنانون يحملون في وجدانهم قيمة الوطن وملحمته الخالدة، ليشهدوا على أرض وشعب وذاكرة، ذاكرة لا يمكن لأي بطاقة تعريف على جدار متحف أن تمحوها.

يضم المعرض، الذي يستضيفه “غاليري ارت توكس”، فنانين من أجيال مختلفة، وأعمالاً تنتمي إلى مدارس متنوعة، من بينها التعبيرية والسريالية والتأثيرية، والتكعيبية، والتجريدية وتحيل هذه الأعمال، في مجملها، إلى رموز وعلامات، ومشاهد أصيلة من حياة الشعب الفلسطيني وعاداته وتقاليده وسماته وكذلك أرضه.

قالت فاتن كنفاني، منسقة المعرض، إن معرض “الاسم: فلسطين هو الرابع الذي ينظمه غاليري آرت توكس” عن فلسطين مضيفة أنهم سبق أن نظموا معرضاً عام 2021م، حين تعرض قطاع غزة لحرب راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى.

وتابعت فاتن كنفاني: إن اختيار عنوان “الاسم: فلسطين” له هدفان: أولهما التأكيد على أن القضية مهمة جداً بالنسبة لنا، حتى وإن كان السياسيون وصناع القرار لا يستطيعون التحدث بحرية لأسباب ومواءمات معينة، فالفنانون يمتلكون القدرة على التعبير بحرية كاملة من خلال أعمالهم الفنية. ويتناول المعرض وفق قولها: الفن بوصفه وسيلة مقاومة وكفاح ونضال، لإبراز أهمية القضية بالنسبة إلى مصر والحركة الثقافية فيها.

ويضم 28 فناناً، أكثر من نصفهم فلسطينيون بعضهم جاء إلى مصر هرباً من جحيم الحرب على غزة ليبدأوا حياة جديدة.

وتابعت فاتن: “لم يتمكن معظم الفنانين من الهروب بأعمالهم الفنية، وأن اثنين من أبرز الفنانين في غزة، النحات فايز السرساوي، والفنان محمد الفرة، يرويان كيف وجدا الاستوديو الخاص بهما، بعد 30 عاماً من العمل، وقد تحول إلى تراب وركام خلال الحرب فأعمالهما لم تفقد فحسب، بل محيت من التاريخ.

وأضافت أن هذا المعرض رد بشجاعة على قرار المتحف البريطاني، في شهر فبراير الماضي، الذي جاء تحت ضغط جهة تدعم وتروج لرواية بلد آخر، لإزالة كلمة فلسطين من القاعات المرتبطة بمصر القديمة.

وعلى ما يبدو، فإن حجم الضغط الذي تعرض له المتحف كان كبيراً، ما دفعه إلى حذف كلمة فلسطين واستبدال كلمة “كنعان” بها، مبرراً ذلك بأن مصطلح فلسطين يحمل دلالة ثقافية وإثنوغرافية لمجموعة من الناس، لا اسماً لمكان أو منطقة محددة. وأوضحت: في المقابل، يضم المتحف نفسه لوحات تثبت أن لكلمة فلسطين حضوراً في النقوش المصرية القديمة، ما يؤكد أنها منطقة جغرافية معروفة وموثقة تاريخياً منذ أكثر من 3200 عام.

وكان تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية، ونقلته وكالات أنباء في فبراير الماضي، قد أفاد بإزالة اسم فلسطين من بعض لوحات قاعة الشرق الأدنى، تحت ضغط من مجموعة المحامون البريطانيون من أجل إسرائيل، ومقرها لندن وأصدر المتحف بياناً نفى فيه حذف اسم فلسطين كلياً، مؤكداً أن التوصيف لا يزال موجوداً في قاعات أخرى، غير أن اسم “كنعان” استخدم للإشارة إلى جنوب بلاد الشام في الألفية الثانية قبل الميلاد.

وترى الفنانة الفلسطينية الأصل وفاء النشاشيبي أن الفن كان دائماً مساحة للذاكرة والشهادة الإنسانية، وهذا المعرض يحمل رسالة عميقة تتمثل في التضامن مع الفنانين الفلسطينيين، والتأكيد على تاريخ وهوية لا يمكن محوهما، معربة عن امتنانها للمشاركة بأعمالها الفنية إلى جانب فنانين فلسطينيين ومصريين، دعماً للأرض والشعب الفلسطيني.

وقالت وفاء النشاشيبي: “يسعى المعرض إلى توجيه رسالة إلى العالم مفادها أن ما يحذف من النصوص يظل حياً في الفن، وقد سعدت بالمشاركة فيه، خصوصاً أنني من أصول فلسطينية وأعيش في مصر منذ فترة”.

وأضافت: “نحن نمثل الجيل الرابع تقريباً، وعلى وشك الدخول في الجيل الخامس من الأجيال الفلسطينية التي عاشت هذه المحنة منذ ثلاثينيات القرن الماضي وأربعيناته، فهناك الجد والأب ونحن الأحفاد، ثم أبناؤنا وقد أصبح الصوت الفني أكثر إلحاحاً وصدقاً، ولم يعد المعرض مجرد عنوان بل هو حضور فعلي وإصرار على حفظ الوطن في الذاكرة الفنية بلغة المشاعر والخط واللون.

ولفتت إلى أن هناك رموزاً ودلالات ومشاهد يومية مثيرة تعبر عن الواقع الفلسطيني، من خلال رؤى متنوعة لفنانين مشحونين بمشاعر الدعم والانتماء خصوصاً في ظل الأحداث المتلاحقة التي يتعرض لها الفلسطينيون، وتشهدها المنطقة حالياً.

ويضم المعرض لوحة للفنان الفلسطيني ياسر أبو سيدو بعنوان “السيد المسبح قام”، تعبر عن مشهد الصلب بأسلوب يربط بين الطابع الديني والمأساة التاريخية، وحسب أبو سيدو، فإن سفارة فلسطين في القاهرة اختارت لوحته لإهدائها إلى البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

كما يضم المعرض لوحات متنوعة تعبر عن الأزياء الفلسطينية، والأرض والمأساة التي يعيشها الفلسطينيون في وطنهم وفي الشتات، وكذلك في سياق المطالبة بحق العودة. وتظهر ضمن الأعمال شخصيات فلسطينية بارزة مثل بورتريه للشاعر محمود درويش، إلى جانب أعمال ذات صدى وجداني وتاريخي واضح، من بينها جدارية مؤلفة من قطع خشبية تجسد مشاهد مختلفة من فلسطين.

 

قد يعجبك ايضا