يشتغل الأعداء على إفساد الشعوب العربية والإسلامية وتمييعهم من خلال وسائل وأساليب متعددة؛ بهدف مسخ هويتهم العربية والإسلامية، وانسلاخهم عن بيئتهم المحافظة والملتزمة، وتحويلهم إلى مجرد قطيع من الحيوانات الآدمية التي تسعى لإشباع رغباتها وشهواتها وغرائزها الجنسية بالطرق والوسائل غير المشروعة، والتي تسلب منهم المشاعر والأحاسيس، والقيم والمبادئ الأخلاقية، وذلك في سياق المؤامرة الكبرى التي تهدف إلى ضرب المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل؛ من خلال هذه الحرب الخطيرة التي لا تقل في خطورتها وتداعياتها وآثارها عن الحرب العسكرية، والتي يطلق عليها مصطلح الحرب الناعمة والتي عرّفها البعض بأنها “استراتيجية هادئة وتدريجية تهدف لتغيير أفكار وقيم، وسلوكيات المجتمعات المستهدفة من الداخل دون استخدام القوة العسكرية المباشرة. وتشمل أبرز أدواتها: الإعلام (السينما، الفضائيات)، شبكات التواصل الاجتماعي، الفن، والمنظمات غير الحكومية، للنفاذ إلى العقول وتزييف الوعي ونشر الانحلال الأخلاقي”.
في السابق كان الأعداء يعملون على إنتاج الأفلام والمسلسلات والبرامج الماسخة وتصديرها للدول العربية والإسلامية عبر البعثات الطبية والرحلات السياحية وعبر الملحقيات الثقافية لسفاراتها في دول المنطقة، وغيرها من الأساليب والطرق التي شهدت تحوّلًا مشهودًا عقب التطورات التي شهدها العالم وخصوصًا في مجال الاتصال والتواصل، سواء من خلال الصحف والمجلات، مرورًا بالقنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية، وصولًا إلى شبكات الإنترنت وتراسل المعطيات ووسائل التواصل الاجتماعي التي شكّلت ثورةً علمية هائلة في هذا الجانب، حيث أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة جدًّا، بإمكان الواحد منا أن يحيط بكل المستجدات التي تطرأ على الساحة الدولية بأقل جهد وفي زمنٍ قياسي جدًّا، وهو الأمر الذي دفع الأعداء إلى توظيف كل هذه التطورات في خدمة أجندتهم والترويج لثقافتهم الهابطة، وأفكارهم الهدّامة، وسلوكياتهم المنحرفة، وصنائعهم الخسيسة، والشرعنة لها تحت يافطة الحرية والانفتاح والتحرر.
تحركات الأعداء في سياق ما تسمى اليوم بالحرب الناعمة، شهدت مسارات واتجاهات ووسائل وأدوات جديدة لم تكن موجودة في السابق، مع الاحتفاظ بالوسائل السابقة التي تمثّل بالنسبة لهم الرافد الأساسي، فاليوم لم يَعُد اللوبي اليهودي الذي يتولّى قيادة وتوجيه هذا النوع من الحروب في المنطقة بحاجة إلى إنتاج أفلام أو مسلسلات أو برامج هابطة وغير أخلاقية بذات الحجم الذي كانت عليه الحال في السابق؛ فقد نجحت سياسته القائمة على الاختراق والإفساد من خلال استقطاب الكثير من العرب والمسلمين إلى صَفه والعمل على مسخهم في سياق ما يسميها سياسة الانفتاح التي باتت تتبنّاها الأنظمة العربية والإسلامية وباتت الحرب الناعمة تُدار بمواد وبرامج وأدوات عربية إسلامية، وبشكل تتفوق فيه على المواد والبرامج والأدوات اليهودية الغربية نفسها.
نعم صارت الحرب الناعمة التي يشنّها الأعداء اليوم تنطلق من داخلنا، من أوساطنا، لم يَعُد اليهود إلى جواسيس يزرعونهم في أوساطنا، فهناك من أبناء جلدتنا من يقومون بالمَهمَّة على أكمل وجه، هناك من يقدّمون للأعداء خدمات (مُقَرَّشَة) وعلى طبق من ذهب، للمستوى الذي يستغرب اليهود أنفسهم من هذا الولاء وهذه الطاعة العمياء، وهذا التنفيذ المذهل للمهام التي لم يتخيلوا أن تتحقّق بهذه الكفاءة، اليوم هناك من أبناء جلدتنا من يشكّلون خلايا تنفث سمومها وتنشر خُبثها في أوساط المجتمعات، من خلال المنظمات والمراكز والمنتديات الثقافية والهيئات ذات الطابع الإنساني والحقوقي والإغاثي وغيرها من المسمَّيات التي تنشر من خلالها غسيلها الوسخ وتروّج لثقافتها المنحطة وسلوكياتها المنحرفة، ومشاريعها التآمرية التدميرية للقيم والمبادئ والأخلاق.
صارت لدينا قنوات فضائية ومواقع إلكترونية ونشطاء وناشطات على شبكات التواصل الاجتماعي تروّج للحرب الناعمة في أقذع صورها، صار لدينا أفلام سينمائية تحتوي على مشاهد خادشة الحياء، ومسلسلات تشرعن للرذائل بمختلف صنوفها وأشكالها، وصار لدينا كتّاب وأدباء يروّجون للسفور والفجور تحت يافطة الحرية والتحرر، صارت لدينا أدوات لمسخ هويتنا الإيمانية والثقافية، أدوات تُجَمِّل صورة الأعداء، وتقدِّمهم للأجيال على أنهم يشكّلون النموذج الحسن للرقي والتطور، وأنهم الأجدر بالتولّي والطاعة والانقياد والتسليم المطلق، وأن ما سواهم الضياع والفوضى والسير نحو المجهول، يشرعنون لثقافة الانبطاح ويشيطنون أي توجهات تَصُب في جانب تحصين الأمة وحمايتها من هذه الاختراقات والمحاولات المستمرة لتغيير هويتها وتفكيكها من خلال الاحتلال الفكري وسياسة غسل الأدمغة، الذي يستهدفها فكريًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ليلًا ونهارًا دونما كلل أو ملل.
خلاصة الخلاصة: الأمة اليوم تعيش أسوأ مراحلها، وتشهد حالةً غير مسبوقة على مر التاريخ من الاختراق وتَسَلُّط الأعداء عليها من خلال الحرب الناعمة التي تتعرّض لها من قبل اللوبي اليهودي ومن يسانده من الغرب الكافر، وهو ما يستوجب عليها القيام بمسؤولياتها وواجباتها لمواجهة هذه الحرب والتصدي لها، من خلال تبنّي ثورة الوعي والبصيرة، هذه الثورة الكفيلة بإفشال مخططات ومشاريع الأعداء، وفي مقدمتها الحرب الناعمة التي يستخدمونها لتمرير أهدافهم ومشاريعهم الشيطانية الشريرة، يجب أن يتسلّح الجميع بالوعي والبصيرة، يجب أن يتحلّى الجميع بالإيمان، وأن تترسخ قيم التقوى والصلاح والرشاد في أوساطهم، يجب أن يعود الجميع إلى الله، ويثقوا به، ويتوكلوا ويعتمدوا عليه، يجب أن لا يداخلهم أدنى شك في صدق وعود الله لعباده المؤمنين بالنصر والغلبة والتمكين، يجب أن يؤمنوا بأن الباطل مهما استطال في غَيِّه وإجرامه، فإن الله له لبالمرصاد ولا يمكن أن يترك عباده فريسةً للطواغيت والمجرمين، وأن نهاية الباطل وأدواته حتميّة لا محالة.
والعاقبة للمتقين.
