صفقة الأسرى.. اختبار السلام ومعادلات القوة

سند الصيادي

جاء الإعلانُ عن التوقيع على أكبر صفقة لتبادل الأسرى في العاصمة الأردنية عمّان، ليضعَ حدًّا مؤقتًا لمعاناة آلاف العائلات اليمنية، وليفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للتساؤلات حول ما إذَا كانت تمثل هذه الصفقة تحولًا حقيقيًّا نحو إنهاء العدوان وفتح مسار سلام شامل، أم أنها مُجَـرّد خطوة تكتيكية جديدة لاحتواء الغضب الشعبي وكسب الوقت في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
لا يمكن النظر إلى الإفراج عن أكثر من 1100 أسير من أبناء اليمن، إلا باعتبَاره إنجازًا وطنيًّا وإنسانيًّا كَبيرًا، فهؤلاء الأسرى قضوا سنوات طويلة في سجون التحالف ومرتزِقته، في ظروف قاسية، بينما بقيت عائلاتهم معلقة بين الأمل والانتظار، في ملف مثل واحدًا من أكثر الملفات إيلامًا في المشهد اليمني.
نستذكر موقفَ صنعاء الواضح والثابت منذ البداية، عبر التمسك بمبدأ “الكل مقابل الكل”؛ باعتبَاره الحل العادل والإنساني لإنهاء معاناة الأسرى بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمساومات السياسية.
ولطالما تعثر هذا المِلف وَاستخدم مرارًا كورقة ضغط سياسية في مسارات التفاوض، في ظل التعقيدات التي فرضتها الأطراف الأُخرى، والتي فضّلت توظيف القضية لتحقيق مكاسب سياسية على حساب معاناة آلاف الأسر اليمنية، ومع أهميّة هذه الخطوة، فإن فرحةَ الإفراج تبقى غير مكتملة ما لم تُغلق ملفات المخفيين قسرًا، وتتوقف حملات الاعتقال التعسفي والانتهاكات المُستمرّة في المناطق الخاضعة لسيطرة التحالف وأدواته.
وعُمُـومًا، تبرز هذه الصفقة كونها مُجَـرّد إجراء إنساني، وتكشف حجم الضغوط التي باتت تواجهها الرياض وحلفاؤها بعد سنوات من الحرب والهزائم والاستنزاف، كما تمثل صفقة الأسرى اختبارا حقيقيًّا لمدى جدية السعوديّة في الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التسوية الشاملة، فالسنوات الماضية أظهرت أن الهدنة تحولت عمليًّا إلى حالة “لا حرب ولا سلم”، حَيثُ استمرت الأزمات الاقتصادية والإنسانية، واستمرت معاناة اليمنيين رغم تراجع العمليات العسكرية المباشرة.
واليوم، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بخطوات جزئية أَو حلول مؤقتة، فتنفيذ استحقاقات السلام الشامل، بات ضرورةً لا يمكن تأجيلها، بدءًا من صرف رواتب الموظفين من عائدات الثروات اليمنية، ورفع القيود الاقتصادية، وُصُـولًا إلى إنهاء التدخل الخارجي بصورة كاملة، وَأية محاولة للمماطلة أَو الالتفاف على هذه المِلفات، ستُفسَّر؛ باعتبَارها استمرارًا لنهج إدارة الأزمة لا حلها، وهو ما قد يقود إلى تصعيد جديد ستكون كلفته أعلى بكثير على جميع الأطراف.
لا يمكن فصل هذا الاتّفاق عن التحولات العسكرية والاستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، فصنعاء لم تعد في موقع الطرف الضعيف كما كان يُراد لها، فقد أصبحت لاعبًا إقليميًّا يمتلك أدوات تأثير حقيقية، فرضت نفسها على معادلات الأمن الإقليمي والدولي، فالعمليات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى تطوير القدرات العسكرية اليمنية، ساهمت في إعادة رسم موازين القوة، وتجلت حقيقة باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، وهي أن اليمن تحول إلى طرف فاعل ومؤثر في معادلات المنطقة، بعد سنوات من الرهان على كسر الإرادَة اليمنية.
تجد الرياض نفسها اليوم مضطرة للعودة إلى طاولة التفاوض تحت ضغط الوقائع الميدانية والسياسية الجديدة، كما أن المجتمع الدولي بات يدرك أن استقرار البحر الأحمر والمنطقة عُمُـومًا، مرتبط بإيجاد تسوية عادلة ومستدامة للحرب في اليمن، لا مُجَـرّد إدارة مؤقتة للأزمة.
وفي المقابل، تتعامل صنعاء مع هذه المرحلة بثقة سياسية وعسكرية متزايدة، تجمع بين الترحيب بأية خطوات إنسانية حقيقية، والحفاظ في الوقت نفسه على الجاهزية الكاملة تحسُّبًا لأية مراوغة للالتفاف على التفاهمات.
مثَّلت صفقة عمّان، خطوة مهمة في طريق تخفيف المعاناة الإنسانية وفتح نافذة سياسية جديدة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحربَ قد انتهت أَو أن السلام الشامل أصبح مضمونًا، فما زالت الملفات الكبرى معلقة.
ما زالت الثقة بالمملكة السعودية هشّة ومحدودة؛ لأنها ليست المرة الأولى التي يتم الاتّفاق والتوقيع والتوافق على الأسماء، ولم يتم التنفيذ بخطوات عملية؛ بسَببِ تحكم السعوديّ بكل تفاصيل الملف.
ولقد أثبت اليمنيون خلال السنوات الماضية، أنهم قادرون على فرض معادلات جديدة عندما تُغلق أبواب الحلول السياسية، وأن القوة كانت العامل الحاسم في انتزاع كثير من الاستحقاقات التي بدت مستحيلة في السابق.
ومن هنا، تبدو صفقة الأسرى جزءًا من مسار أوسع فرضته معادلات الردع الجديدة، التي جعلت تجاهل مطالب صنعاء أمرًا بالغ الصعوبة، ومستقبل المرحلة المقبلة سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف الإقليمية للانتقال من سياسة المراوغة إلى سلام حقيقي قائم على إنهاء التدخل الخارجي، واحترام سيادة اليمن، ومعالجة آثار الحرب الإنسانية والاقتصادية بصورة عادلة وشاملة، أما إذَا استمرت سياسة التسويف وكسب الوقت، فإن المنطقة بأكملها قد تجد نفسها أمام جولة جديدة من التصعيد، أكثر تعقيدًا وخطورة من كُـلّ ما سبق.

قد يعجبك ايضا