محاضرات القائد مشروع وعيٍ إيماني يرسم الطريق للهداية والتحرر
يكتبها اليوم / سند الصيادي
تأتي المحاضرات الرمضانية للسيد القائد لتؤسس وعيًا متكاملًا يجمع بين الإيمان والواقع، بين تهذيب النفس وتشخيص حال الأمة، وبين البصيرة القرآنية والمسؤولية التاريخية، هي خطابات تنطلق من القرآن لتخاطب الإنسان، ومن واقع الأمة لتبني موقفها، فتصل بين السماء والأرض في معادلة هدايةٍ ومواجهة.
ليست هذه المحاضرات طرحًا إنشائيًا عابرًا، ولا وعظًا دينيًا فضفاضًا منفصلًا عن الحياة، بل هي خطابات عملية تنطلق من رمضان بوصفه مدرسة تغيير، ومنبر بناء، ومحطة انطلاق لإصلاح الفرد والأمة، تضع الشهر الكريم في إطاره الرسالي، لا كموسم عبادة محدود، بل كفرصة إعادة صياغة شاملة لعلاقة الإنسان بربه.
في هذا السياق يقدّم السيد القائد رمضان كساحة مفتوحة للطاعة الواعية، صلاةٌ بحضورها العميق، وفرائض تعززها الأعمال، وقرآن يُتلى ليُتبع، لا ليُتغنّى بألفاظه فقط.
يجعل من الذكر والدعاء وسائل تثبيتٍ وتربية، ومن الإحسان وصلة الرحم ترجمة صادقة لحقيقة التقوى، هنا تتجلى التقوى كمكسب أعظم، ينعكس أثره على السلوك الفردي، وعلى صورة المجتمع بأسره.
ومن هذا المدخل الإيماني يسلّط السيد القائد الضوء على النموذج اليمني في رمضان، يقدّمه نموذجًا حيًا لتفاعل المجتمع مع روح الشهر، حضور واسع في المساجد، إقبال لافت على القرآن، حيوية متدفقة في العبادات، غير أن هذا الزخم لا يبقى في إطاره التعبدي الضيق، بل يتحول إلى حالة اجتماعية من التعاون على البر، ومناخ عام يدفع نحو الالتزام والانضباط، ويعزز حس المسؤولية الدينية، وفي هذا المشهد يبرز اليمن شاهدًا على قدرة الأمة على النهوض حين تصدق صلتها بالله.
غير أن هذه الصورة المشرقة تقابلها قراءة مؤلمة لواقع الأمة، لا يفسر السيد القائد أزمتها بنقص الإمكانات، بل بخلل الوعي والالتزام، يشخّص مواضع التفريط بدقة، ضعف الامتثال لأوامر الله، اتباع الأهواء، تراجع تزكية النفوس، اضطراب المفاهيم، وتشتت البوصلة.
وعلى ذات الطريق يستحضر مشاهد الندم في القرآن عند الموت وفي الآخرة، ليجعلها جرس إنذار يدعو إلى اليقظة قبل فوات الأوان.
وفي سياق هذا التشخيص يبرز تحذيره من الحرب الناعمة، حرب تستهدف الروح قبل الجسد، والوعي قبل الميدان، تمييع للقيم، إضعاف للالتزام، تحويل للمآسي إلى مشاهد عابرة، وإغراق للناس في الاستهلاك والتفاهة، يراها مسارًا منظمًا لتفريغ الأمة من مضمونها الإيماني، حتى تفقد القدرة على الموقف والفعل.
وعند الانتقال إلى الشأن السياسي، يؤسس السيد القائد معادلته على قاعدة دينية صلبة، الاعتصام بالله هو أصل الصمود ووحدة الاتجاه، يطرح السيد المواجهة كضرورة وجودية تفرضها طبيعة الصراع، لا كخيار طارئ، ويؤكد أن المسارات الدبلوماسية التي لا توقف العدوان ولا تحمي المقدسات لا يمكن التعويل عليها وحدها، وفي هذا الإطار يوجّه نقدًا حادًا لمسار التطبيع، باعتباره خضوعًا يمنح العدو شرعية، ويعمّق حالة الاستضعاف التي تعيشها الأمة.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في حديثه عن الوعد الإلهي، يؤكد حتمية زوال الطغيان الصهيوني، لا كتقدير سياسي قابل للظن، بل كسنة إلهية مرتبطة بعدل الله وحكمته، غير أن هذا الوعد، كما يطرحه السيد القائد، ليس دعوة للانتظار، بل تكليف بالتحرك، يتحقق عبر تصحيح العلاقة بالله، والالتزام العملي بهديه، وبناء وعي لا ينخدع بتبدل الشعارات والوجوه.
بهذا تتكامل المضامين في سردية واحدة متماسكة، تبدأ من إصلاح الإنسان في مدرسة رمضان، وتمتد لتشخيص انكسار الأمة كخلل التزام لا عجز قدرة، وتحذر من حرب تستهدف الوعي، ثم تدعو إلى ثبات سياسي وروحي قائم على الاعتصام بالله ورفض الخضوع، مع يقين راسخ بأن النصر وعد إلهي يتحقق حين تنهض الأمة بمسؤوليتها الإيمانية والعملية.
