لصوص رمضان

عبد الفتاح علي البنوس

 

تمضي أيام وليالي شهر رمضان سريعًا، وها نحن نوشك أن نودع ثلث الرحمة، في أجواء مفعمة بالإيمان والروحانية في مشهديّة اختص بها رمضان عن سائر شهور العام، وأمام المعطيات سالفة الذكر حريٌّ بنا جميعًا أن نشمّر سواعدنا، ونشحذ هممنا، ومضاعفة جهودنا من أجل اغتنام ما تبقى من أيامه ولياليه، وأن لا ننساق خلف إغراءات وملذات وأهواء ونزوات لصوص رمضان الذين يتربصون بالصائمين الدوائر ويسعون بشتى الطرق والوسائل لإغوائنا وانحرافنا من أجل أن نخسر البركات والخيرات والجوائز الربانية التي يمنحها الله سبحانه للصائمين، ونكون من الذين حرموا رحمة الله ومغفرته ورضوانه والعتق من النار.

أول هؤلاء اللصوص هي الهواتف الخلوية المحمولة التي تسرق الكثير من الصائمين ساعات طويلة خلال ليالي هذا الشهر الفضيل وهم يتصفحون المواقع الإلكترونية، ويتنقلون عبر مختلف شبكات التواصل الاجتماعي، ويهدرون هذا الوقت الثمين في أعمال لا تعود عليهم بالنفع، ولا تصب في مصلحتهم، ولا تتماشى مع خصوصية الشهر الفضيل، وما يجب على الصائم القيام به على مدار هذا الشهر، الكثير من الصائمين لا تفارق الجوالات أياديهم، والبعض صارت حياته مرتبطةً بها، ليلًا ونهارًا وهو يناظر الجوال، ويمعن النظر فيه، والطامة الكبرى أن بعضهم يأتي رمضان ويغادر دون أن يمسك مصحفًا، أو يقرأ آية من آياته، أو أن يطرق باب مسجد، رغم أن بإمكان هؤلاء أن يستخدموا الجوال أيضًا فيما يرضي الله الكريم ورسوله، وفيما لا يحرمهم أجر الصيام والقيام وصالح الأعمال في رمضان، وفي مقدمة ذلك قراءة القرآن التي لا تحتاج سوى تحميل ملف للقرآن الكريم للقراءة أو الاستماع، ولكن الغفلة تسلب هؤلاء التوفيق والسداد، وتحرمهم فضائل ومكرمات رمضان التي لا تعوّض في غيرها من الشهور.

ثاني هؤلاء اللصوص هي شاشات التلفزة والقنوات الفضائية والتي يتسمّر الكثير من المسلمين أمامها لساعات طويلة لمشاهدة المسلسلات والبرامج التي يتم إنتاجها خصّيصًا لتعرض وتُبَثُّ في شهر رمضان؛ من أجل إلهاء المسلمين وجَرِّهِم نحو مستنقعات السفور والفجور واللهو والإعراض عن ذكر الله وطاعته وحسن عبادته في شهر رمضان، من خلال المحتويات والمضامين الساقطة والهابطة التي عليها هذه المسلسلات بما فيها من مشاهد خادشة للحياء والخجل، تتنافى مع تعاليم وقيم ومبادئ ديننا الإسلامي الحنيف، وقيم وعادات مجتمعاتنا الإسلامية، ولا تتماشى مع روحانية الشهر الفضيل، حيث تعكس هذه المسلسلات حجم الاختراق الذي تعاني منه الأُمّتان العربية والإسلامية، وتظهر إلى أي مدى وصل تأثُّر المسلمين بالغرب وانسياقهم خلف مخططاتهم ومؤامراتهم ومشاريعهم التي تهدف إلى إبعادهم عن دينهم، وإغراقهم في وحل الملذات والشهوات.

ثالث لصوص رمضان هو السهر ليلًا حتى ساعات الفجر الأولى ومن ثَمَّ النوم إلى قبل المغرب وكأن رمضان موسمٌ للنوم لا للصوم، وبإمكان من يسقطون ضحايا لهذا اللص أن يوظّفوا السهر خلال ليالي شهر رمضان فيما يعود عليهم بالنفع ويرفع من موازينهم يوم القيامة، بإمكانهم تخصيص جزء من سهرهم في قراءة القرآن والتقرب إلى الله بالنوافل والطاعات التي يتقربون بها إلى الله.

رابع هؤلاء اللصوص هم رفاق السوء الذين يكونون عونًا لك في الباطل وحربًا عليك في الحق، حيث يشكّلون حَجَرَ عَثرةٍ أمام هدايتك واستقامتك وعودتك إلى الله، وأمام استغلالك لأيام وليالي الشهر الفضيل في طاعة الله والإقبال عليه بالطاعات والعبادات من أجل الفوز بالرضا والرضوان والظفر بليلة القدر التي هي عند الله خير من ألف شهر، حيث يُجَمِّل لك رفاق السوء القبائح والمنكرات ويشجعونك على ارتكابها، ويحرمونك من اغتنام متعة الصيام وأثره في نفسيتك؛ مما يجعلك في عداد السوائم والأنعام، تعيش في حياتك بلا هدف نبيل ولا غاية سامية.

خلاصة الخلاصة: لصوص رمضان السالف ذكرهم يقودون إلى الغفلة والسقوط المدوّي في مستنقع الخطيئة والمياعة والانحراف والسفور والفجور، هؤلاء لصوص يتربصون بنا على مدار العام، ولكنهم ينشطون بشكل مكثف ومُركَّز خلال هذا الشهر الفضيل، الذي تصفّد فيه شياطين الجن، ويتحرر المسلمون من نزغاتهم وإغواءاتهم، وحريٌّ بنا أن نكون أكثر حرصًا على عدم الانسياق خلفهم، وعدم السير خلف أهوائهم ومكائدهم ومغرياتهم وملذاتهم المؤقتة التي سرعان ما تنكشّف بأنها كانت عبارة عن مصائد الهدف منها حرمانك من أجر الصيام وما يترتب عليه من آثار وانعكاسات تعود بالنفع على الصائمين، علينا أن نغتنم كل لحظة من شهر رمضان لتعزيز أرصدتنا الإيمانية، والحصول على الجوائز الإلهية الرمضانية، فالشقيُّ كلُّ الشقيِّ من غادره رمضان وهو على لهوه وغَيِّه وغفلته، فَحُرِم الرحمة في ثلثه الأول، والمغفرة في ثلثه الثاني، والعتق من النار وليلة القدر في ثلثه الأخير، وفاز كل الفوز من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وأغلق الطريق على لصوص رمضان بالوعي والبصيرة والالتزام والطاعة والعبادة ليلًا ونهارا.

والعاقبة للمتقين.

 

 

 

قد يعجبك ايضا