الثورة نت
موقع صحيفة الثورة الرسمية الأولى في اليمن، تصدر عن مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة صنعاء

في الذكرى الـ58 لثورة الـ ١٤ من أكتوبر ١٩٦٣م المجيدة

د. علي محمد الزنم

 

 

بداية نرفع التهاني والتبريكات للقيادة والشعب اليمني من صعدة حتى المهرة بمناسبة العيد الـ٥٨ لثورة الـ ١٤ من أكتوبر ١٩٦٣م المجيدة.
والتي تحل علينا والوطن يشهد ظروفاً استثنائية وحرجة وعدواناً، ومستعمراً جديداً يحاول مصادرة الأرض والإنسان وطمس هوية الثورة والجمهورية وتمزيق الوطن وإذكاء روح الصراع بين أبناء اليمن لتنفيذ أجندته الخبيثة في جعل اليمن ممزقا متناحراً غير مستقر، وهنا يأتي دور القوى الوطنية الغيورة على وطنها لإجهاض كل المخططات ومن خلال استلهامنا لأهداف الثورة السبتمرية الأكتوبرية والتي نؤكد دائما على واحدية الثورة اليمنية ومن خلال ما سوف نستعرضه في حديثنا عن ثورة الـ١٤ من أكتوبر محل احتفالنا اليوم وعلى النحو الآتي :

ثورة 14 أكتوبر 1963م
أولاً: التحضيرات لثورة 14 أكتوبر
بنجاح ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م ضد الحكم الإمامي في شمال الوطن بدأت التحضيرات الجادة والمنظمة لثورة 14 أكتوبر، حيث انطلق الشعب اليمني شمالاً وجنوباً يحمل السلاح دفاعاً عن ثورته الشعبية السبتمبرية في الشمال، والتفكير بعمل دفاعي ضد الاعتداءات العسكرية التي بدأت تشن في مناطق الجنوب بدعم من الاستعمار والسلاطين وبالذات في منطقة بيحان، حيث كانت تنطلق العمليات العسكرية لدعم الملكيين في مارب تحت إشراف السلطان الهبيلي شريف بيحان آنذاك.
صنعاء تحتضن الثوار من أبناء الجنوب لتحديد أساليب المواجهة ضد الاستعمار
لتحديد أساليب المواجهة والكفاح ضد الاستعمار وعملائه، فقد تم دعوة ممثلين عن الأحزاب والقبائل والشخصيات الوطنية في الجنوب للاجتماع في صنعاء في شهر فبراير عام 1963م، حضره حزب الشعب الاشتراكي وحركة القوميين العرب والتنظيم الناصري وتنظيم القبائل وممثلون عن المناطق في الجنوب، وخرج هذا الاجتماع بميثاق وطني حدد شكل الجبهة وتسميتها بالجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل، ولكن الإعلان عن البداية للكفاح المسلح الذي أقر في هذا الاجتماع كأسلوب رئيسي للنضال قد تأخر نتيجة الخلاف الذي برز حول تشكيل القيادة وضرورة توسيع التحالفات مع الأحزاب والقوى السياسية الأخرى. وقد بادرت حركة القوميين العرب إلى تنظيم هذا اللقاء وتقديم مشروع الميثاق الوطني ومن ثم مواصلة الحوار مع القوى الشعبية السياسية الأخرى، ولم تصل إلى نتيجة مع حزب البعث وانسحب حزب الشعب الاشتراكي من صيغة الجبهة وقررت حركة القوميين العرب مع بقية المنظمات والشخصيات الأخرى إعلان البداية للكفاح المسلح في 14 أكتوبر 1963م باسم الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل.
ولابد من الإشارة إلى أن قيادة ثورة 26 سبتمبر في الشمال والقيادة المصرية قد ساعدت على تبني الأحزاب والقوى السياسية والقومية في إيجاد إطار سياسي لها لتشديد عملية المقاومة ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب واتباع شكل النضال المسلح كشكل رئيسي في عملية المواجهة، خاصة وأن الجماهير اليمنية في كل مناطق الجنوب قد انتقلت بحماس إلى مدينة تعز والعاصمة صنعاء تطالب بحمل السلاح ضد الاستعمار وحماية الثورة السبتمبرية من الأعداء الذين تكالبوا عليها في الشمال ومن الاستعمار وعملائه في الجنوب.
الكفاح السياسي والعسكري المنظم في الجنوب
كانت البداية للعمل المسلح قد أخذت بالعمل المنظم وكان لحركة القوميين الدور الرئيسي في ابتكار الأشكال التنظيمية لتجنيد طاقة الجماهير على كل المستويات في الكفاح ضد الاستعمار والسلاطين العملاء.
وتشكلت قيادات محلية للجبهة في كل المناطق التي كان الاستعمار يتواجد فيها من خلال قواته العسكرية أو من خلال نشاطه الإداري المكثف وفي إطار هذه القيادات المحلية كانت هناك أشكال قيادية للعمل السياسي وأخرى للعمل الطلابي والمرأة والنقابات والجيش والأمن حيثما يتواجد، وكذا للعمل الفدائي العسكري وتجمع هذه التشكيلات قيادة واحدة في المنطقة.
ومن ثم هناك من يمثل هذه القيادات المحلية في القيادة المركزية الداخلية على صعيد الجنوب كله وتتحرك اليومية المباشرة وتتوزع حسب الظروف بهذا الأسلوب المنتظم والدقيق وبإعطاء الصلاحيات للقيادات المحلية في المبادرة واتخاذ القرار لمواجهة المصاعب والمهام اليومية استطاعت الثورة التعامل مع الأوضاع في السلطنات والمشيخات حسب أولوية كل منطقة. وقد بدأت جبهة عدن تنشط عسكرياً في النصف الثاني من عام 1964م، وهكذا توالت عملية فتح الجبهات في ردفان والضالع ورثينة وأبين والعوالق والشعيب وحالمين ويافع وغيرهما من المناطق الأخرى، إلا أن الكفاح لم يكن مكثفاً في شبوة وحضرموت والمهرة كما كان عليه الحال في ردفان وعدن والضالع وحالمين والشعيب في عشية الاستقلال عندما تم إسقاط تلك المناطق وهروب السلاطين منها.
ثانياً: ثورة 14 أكتوبر 1963م:
ستظل ثورة 14 أكتوبر 1963 شأنها شأن ثورة 26 سبتمبر 1962م حدثاً بارزاً في حياة الشعب اليمني وستبقى ذكراهما خالدتين في ذاكرة الشعب حتى وإن لم يتم تدوين أحداثهما بالشكل المطلوب وكذا الأجيال التي تتطلع إلى معرفة هذا التاريخ، وسيبقى كذلك حتى تكتمل الكتابة بالصورة الطبيعية والواقعية. وبما أن الشخصيات الوطنية التي شاركت وأسهمت بدور بارز في النضال الوطني وانتصار الثورة اليمنية في اعتقادي لاتزال هي المرجع الوحيد عن تلك الثورتين والنضال من أجلها فكان علينا أن نتتبع ماذا يقول الرعيل الأول الذين شهدوا وشاركوا في صنع الانتصار لإرادة وحرية وكرامة الشعب اليمني من ظلم الإمامة والاستعمار، والجميع يؤكدون واحدية الثورة اليمنية.. وكنا قد تحدثنا عن الثورة الأم 26 سبتمبر، وجاء دور ثورة 14 أكتوبر لنصحب القارئ عبر إطلالة قصيرة عن أهم الأحداث والمؤثرات لنجاح هذه الثورة وما رافقها من انعكاسات على اليمن أرضاً وإنساناً بشكل عام.
لتحديد البعد الزمني لهذه الثورة منذ وقت مبكر من الخمسينيات بالذات بعد قيام ثورة يوليو 1952م في مصر العربية واشتداد نضال حركات التحرير في الوطن العربي وخارجه ضد الوجود الاستعماري، وقد كانت اليمن تزخر بالانتفاضات والتمرد ضد الحكم الإمامي في الشمال والوجود الاستعماري في الجنوب وشكلت عدن التي فيها القيادة المركزية للاستعمار البريطاني وقواعده العسكرية شكلت مركز تجمع لكل اليمنيين شمالاً وجنوباً، ومنها كانت البداية للانطلاقة المنظمة لحركة الثورة اليمنية ضد الإمامة والاستعمار، ولذلك شهدت نهاية الخمسينات النشاط النقابي والسياسي العلني داخل مدينة عدن وبعض المدن اليمنية الأخرى.
وكان من الطبيعي أن يفكر الاستعمار البريطاني بأشكال سياسية جديدة ليتعامل من خلالها مع المتغيرات التي حدثت، ولاحتواء المشاعر التحررية التي تحركت في وجدان الجماهير اليمنية من جراء ثورة مصر القومية بقيادة الزعيم الراحل عبدالناصر، فقام الاستعمار بإنشاء مجالس بلدية محلية دعى لأول مرة أبناء مدينة عدن لانتخاب من يمثلهم في هذه المجالس مع اشتراطات حرمان أبناء المناطق المحميات الجنوبية، وأبناء الشمال من حق الترشيح والانتخاب في هذه المجالس، ومن ثم عمل الاستعمار البريطاني بحق التكوين النقابي للعمال في عدن وأصدر قوانين تنظم حرية التكوين للنقابات، وهكذا تطورت أساليب السياسة البريطانية في عدن والمناطق الأخرى فيما كانت تسمى بالمحميات، وكلما تطور وعي المواطن زاد من تفاعله مع الحركات الثورية والقومية في الوطن العربي كلما ابتكر الاستعمار أسلوباً جديداً لاحتواء هذه التطورات.
البريطانيون وفكرة الاتحاد الفيدرالي وإنشاء مجلس تشريعي:
مواكبة للمتغيرات وتعامل السياسة الاستعمارية البريطانية معها، فقد بدأ في هذه المرحلة البريطانيون يعملون على إيجاد صيغة اتحاد فيدرالي يجمع أولاً جميع السلطنات والدويلات في المحميات الغربية ومن ثم صيغة اتحادية مع مدينة عدن والمحميات الشرقية حضرموت والمهرة، وترافق مع هذا النشاط البريطاني إنشاء مجلس تشريعي لمدينة عدن لإشراك المواطن العدني فقط وأبناء الجاليات الأجنبية في صنع القرارات الإدارية لمدينة عدن وحرمان أبناء المحميات الأخرى وأبناء الشمال من حق الترشيح والانتخاب إلى هذا المجلس. وهنا برز النفس الاستعماري الخبيث من خلال محاولة شق الصف بين أبناء اليمن، حيث قام البريطانيون بإشراك أبناء عدن وحرمان أبناء المحميات الأخرى أبناء المناطق الشمالية وحاول الاستعمار مواجهة كل الحركات الثورية بأساليب مختلفة ومتصاعدة لمواجهة المد التحرري في الجنوب اليمني وخاصة بعد أن بدأ نشاط النقابات يتوسع تأثيره في أوساط الجماهير والتبني الواضح ليمنية عدن والمحميات الغربية والشرقية، واعتبار حق المواطنة في عدن لكل أبناء اليمن.
نشاط نقابي وحزبي مكثف ضد الاستعمار:
رافق هذه المرحلة نشاط نقابي واسع بعد عام 1958م، وقد برز النشاط الموسع لحزب البعث العربي وحركة القوميين العرب إلى جانب نشاط رابطة أبناء الجنوب التي شكلت في نهاية الأربعينات، وقد شكلت الجبهة الوطنية المتحدة عام 1956م، مع العلم أن نضال الرابطة كان هدفه من أجل دولة الجنوب العربي عدن والمحميات الغربية والشرقية لدولة عربية لا ترتبط باليمن ولا تعترف بيمنية هذه المناطق الجنوبية، وهكذا تصاعد النضال التحرري في الجنوب وبرزت أحزاب أخرى كحزب اتحاد الشعب الديمقراطي (الماركسي) في عام 1962م وغيرها من الأحزاب.
الخلافات داخل الجبهة القومية وانعكاساتها على النضال العسكري:
حصلت خلافات داخل الجبهة القومية منذ أول يوم تشكيلها ولكنها لم تبرز بشكل حاد إلا في نهاية عام 1964م عندما تصاعد العمل العسكري والسياسي في عدن والمناطق والجبهات الأخرى.
والسبب في ذلك عدم قدرة القيادة في تعز على مواكبة تطورات العمل السياسي في عدن واستنباط وسائل المواجهة والدهاء البريطاني في قمع الثورة وحزب العمل الفدائي في عدن، ولكن الصراع لم يحتدم أكثر إلا عند عقد المؤتمر الأول للجبهة القومية في يونيو 1965م الذي أقر الميثاق الوطني الجديد وترجم أهداف الثورة بجلاء الاستعمار.
وبقي بعد الاستعمار مثار خلاف وجدل، هل الميثاق للبناء الاجتماعي بعد استعمار على صعيد اليمن كلها، أم أنه ميثاق لمناطق الجنوب. مع العلم أن الميثاق تضمن أفكاراً يسارية كانت مقتبسة من الميثاق الوطني المصري، وهناك أسباب أخرى منها تخوف القيادات الشمالية من القوميين وما يحملونه من أفكار يسارية مما دفعها إلى تحجيم الجبهة القومية وفتح المجال أمام الأحزاب الأخرى التي كانت تسيطر على جزء كبير من النقابات العمالية والتي نتج عنها جبهة التحرير في 12 يناير 1966م من حزب الشعب الاشتراكي وحزب الرابطة وبعض السلاطين ورئيس وزراء عدن عبدالقوي مكاوي الذي استغل مؤتمر لندن الذي قاطعته الجبهة القومية وسافر من لندن إلى القاهرة وبدأت المواجهات بين هذه القيادات في الجبهة القومية وجبهة التحرير.
الجبهة القومية بعد التفوق أهملت القوى السياسية الأخرى:
أهملت الجبهة القومية الحوار وتوسيع قاعدة المشاركة في النضال ضد الاستعمار بعد أن أحست بتفوقها سياسياً وعسكرياً على حزب الشعب الاشتراكي والقوى المنافسة الرئيسية لها وبقية العناصر والقوى السياسية الأخرى الوحدوية كحزب البعث الذي كان له تأثير داخل حزب الشعب والنقابات وفي معظم المناطق والمدن والمؤسسات في شمال الوطن، الأمر الذي جعل أمر التحالف مع هذه القوى مطلوب من وجهة نظر قيادة النظام في صنعاء وقيادة الأجهزة المصرية المتواجدة في اليمن، وقد إلى الإعلان المفاجئ للدمج في 13 يناير 1966م.
تفجير الحرب الأهلية بعد تفكك الجبهتين واستئثار القوميين على العمل السياسي والعسكري:
بعد أن تصاعد الصراع أكثر الذي جاء بعد أن أعلنت الجبهة القومية الانسحاب من جبهة التحرير في أكتوبر 1966م وانفرادها بالعمل العسكري والسياسي دون الاعتماد على المساعدات التي تأتيها من حكومة الشمال والحكومة المصرية، ونتج عن ذلك الدخول في مهاترات إعلامية وسياسية وعسكرية قادت إلى تفجير الحرب الأهلية قبل خروج القوات البريطانية من الجنوب، وقد استفادت بريطانيا من هذه الخلافات كثيراً وتعاملت معه بدهاء وحنكة مكنتها من إغراق الجبهتين في صراعات سياسية وعسكرية وترتيب أوضاع الجنوب بما يتفق مع قناعة المستعمر البريطاني، وذلك بقيام دولة مستقلة على صعيد الجنوب منفصلة عن الشمال وعن الأهداف الوحدوية التي كانت تتبناها الجبهتان والنظام في الشمال والقيادة المصرية.
ومن هنا يمكن لنا أن ندرك الطبيعة التي بدأت داخل الجبهة القومية ثم استمرارها وإبرازها مع الحكومة في الشمال والقيادة المصرية ومع جبهة التحرير من جهة أخرى، وتصعيده ليصل إلى المواجهة المسلحة بينهما في عشية الاستقلال من الناحية الأخرى.
والإخفاقات التي رافقت عملية البناء على صعيد الشمال والجنوب بعد الاستقلال وبعد إحراز النصر في السبعين اليوم على أعداء الثورة اليمنية أعلنت بسبب عدم اهتمام القيادتين بصياغة التحالفات الوطنية الواسعة واستمرارها دون أن يدفع الشعب اليمني الثمن الذي دفعه بواسطة جرعات متتالية وأنانية الجبهة القومية وحب الاستئثار بالسلطة والانغلاق على نفسها في الإدارة السيئة للصراعات في إطار المجتمع وكافة القوى السياسية والأحزاب السياسية الأخرى، وإن لهذا الوضع تأثير مباشر على الأوضاع في المحافظات الجنوبية.
وفي ضوء ما سبق ندعوكم للمقارنة والتأمل بما جرى في الماضي وأساليب الاستعمار البريطاني وأدواته في الداخل لتمزيق اليمن وما يجري اليوم بأياد لا تقل قبحا عن الماضي لكن المشكلة فينا لم نستفد من التأريخ وأحداثه التي تتكرر وإن أختلف الزمان والمكان والوجوه لكن الأهداف تلتقي عند نقطة تمزيق الوطن اليمني الكبير وخلق الحروب والصراعات تحت مسميات عدة لتحقيق أهدافهم الدنيئة التي تفرق ولا تجمع فهل نعي ذلك جيدا .
هامش:
منقول من البحث الخاص برسالة الدكتوراه (من اتفاقية الطائف إلى عاصفة الحزم المشؤومة) للدكتور علي محمد الزنم .
من صفحة 63 إلى غاية 68,
المراجع:
كتاب العلاقات اليمنية السعودية ، خديجة الهيصمي
. صحيفة ٢٢ مايو العدد ١٦٧ تأريخ ١٢/ ١٠/ ١٩٩٧ ص ٦ مقابلة إجرتها مع الأستاذ راشد محمد ثابت وزير الدولة لشؤون مجلس النواب,
عضو مجلس النواب

قد يعجبك ايضا