الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

نجاحات تحت العدوان والحصار .. نساء صنعن أجيالاً

 

حين يذكر العطاء والصبر يكون رب الأسرة عنوانه، نساء فقدن أزواجهن، تاركين خلفهم ذرية ضعافاً لا يقدرون على شيء، فوجدن أنفسهن في مواجهة الحياة ليكنَّ الأمهات والآباء في آن واحد، ويتحملن على كواهلهن مسؤولية توفير متطلبات الحياة لأطفالهن في ظل ظروف الحصار القاسية التي خلفها العدوان الغاشم على بلادنا، بالإضافة إلى مسؤوليتهن في تربيتهم والقيام بشؤونهم المنزلية، فضربن أروع الأمثلة في التفاني والكفاح والصبر

الأسرة /خاص

ابنة الريف أم محمد توفي زوجها، ولهما من الأطفال ستة، أربع من البنات وولدان، لم يتجاوز عمر أكبر البنات حينها 12 سنة، فيما لم يبلغ عمر أكبر الولدين خمس سنوات، لتجد الأم نفسها أمام اختبار عسير، وفي مواجهة صعبة مع الحياة ومتطلباتها، وبما تملكه تلك المرأة من الإباء وعزة النفس، قررت أن لا تمد يدها إلى أحد، قريبا كان أو بعيدا،قررت أم محمد أن تخوض التحدي، بعزيمة لا تلين وصبر منقطع النظير، فنفضت معطف الحزن واتجهت للمزرعة التي كانت كل ما يملكه زوجها ليعيل أسرته من خيراتها، لقد اختارت أم محمد أن تسلك طريق الجد والمثابرة على الرغم ما يحفل به من العناء والمتاعب، فكانت تغدو مصبحة إلى مزرعتها وتعمل مختلف أعمال الزراعة حتى وقت الظهر، لتعود إلى منزلها كي تضم أطفالها إلى صدرها وتعد لهم الطعام، وفي ساعات قليلة تحاول أن تفيض عليهم من الحنان ما يعوضهم عن ساعات غيابها في المزرعة، ليأتي وقت العصر، وهو موعد عودتها إلى المزرعة لمواصلة العمل حتى غروب شمس يومها، فتعود لأطفالها لتعتني بهم وتقضي معهم الليل، وهي تعد نفسها ليوم جديد من الكد والتعب الذي رأت ثماره خلال أشهر، حيث غدت مزرعتها حديث المنطقة كلها، إذ أنها أصبحت الأكثر إنتاجا والأوفر محصولا نتيجة لما توليه لها أم محمد من اهتمام ورعاية، ما جعل المزرعة تدر على الأسرة المال الوفير الذي يغطي كل احتياجات الأسرة ويسمح بالادخار، فلم يمض عامان إلا وقد بنت المرأة بيتا جديدا.
تقول أم محمد، كنت أعمل في المزرعة معظم ساعات النهار، وفي المقابل لم أكن لأهمل أولادي، فقد كنت أحثهم على الدراسة، وزرعت فيهم روح التعاون بحيث يعتني كل منهم بالآخر ويراجع له دروسه، وذلك ما جعلهم يحرزون تفوقا في دراستهم.. كما أني كنت أرغبهم في العمل والجد والمثابرة..
بقدر بالغ من الرضا المرتسم على وجهها تضيف أم محمد: فقد أبنائي والدهم وهم أطفال وفي أمسّ الحاجة إليه، فحاولت أن أعوضهم عن ذلك الفقدان وأكون الأم والأب، والحمد لله الذي وفقني وأعانني على القيام بواجبهم خير قيام.
ما يقرب من عشرين عاماً قضتها أم محمد في العمل الدؤوب، لتقف اليوم وترى ما أنجزته.
الحاجَّة مريم – امرأة خمسينية، تقتعد جانبا من رصيف المشاة أمام باب اليمن، عارضة بضاعتها من المشاقر والزهور والنباتات العطرية، تقول أنها امتهنت هذا العمل منذ 12 سنة، وذلك بعد أن الجأتها الظروف المعيشية إلى ذلك، لكي تعيل أسرة تتكون من زوج عاجز عن العمل بسبب المرض، وابنتين.
تقول أم الخير: وجدت نفسي مطالبة بأن أوفر متطلبات أسرتي، خاصة بعد أن تزوج ابني وانتقل ليعيش في بيت آخر مع زوجته وأولاده، فهو عامل بسيط وبالكاد يستطيع القيام بشؤون أسرته، وأصبحنا بلا معيل، وكانت ابنتاي لا تزالان تدرسان في المدرسة، وطوال هذه المدة وأنا أكسب من هذا العمل ما يوفر حاجياتنا، والحمد لله، ابنتي الأولى تخرجت من الجامعة، وتنتظر الحصول على فرصة عمل، أما الثانية فهي في السنة الأخيرة من دراستها الجامعية.
تضيف: أنا سعيدة جدا لما حققته، ولن أترك هذا العمل بإذن الله إلى أن يتوفاني الأجل .
أمّ حمزة فقدت زوجها وانقطعت أخباره منذ سنوات، تاركا لها أربعة من الأطفال، لم يبلغ أكبرهم سن العاشرة، لتجد نفسها هي وأطفالها بين مخالب العوز والحاجة دون معيل، ولأنها لم تكمل تعليمها فكان من الصعب عليها الحصول على عمل مناسب، نظرت أم حمزة حولها فوجدت أن لا يدا يمكن أن تمتد لمساعدتها، وإن حصل فإن تلك المساعدة لن تفي بمتطلبات الأسرة، لم تجد المرأة في الجوار سوى الحاجَّة خيرية ، تلك المرأة المثابرة التي تمتهن صناعة البخور منذ سنوات، وتكسب من عملها هذا ما كتبه الله لها من الرزق، قررت أم حمزة أن تتجه إلى جارتها الحاجة خيرية، لتكون هي معلمتها وقدوتها، فتعلمت منها صناعة البخور، بحيث صارت تتقن تلك المهنة، لتتولى الجارة الطيبة مهمة توزيع البضاعة، حتى راجت بضاعتها وأصبحت معروفة، وصار الكثير من الزبائن يأتون إلى البيت لشراء ما تنتجه من البخور.
تقول أم حمزة: العمل شرف للمرأة، وليس عيباً أن تعمل المرأة عملا شريفا، بل العيب هو أن تظل تنتظر ما يتصدق به عليها الآخرون، أو أن تتكفف الناس وتمد يدها لهم.
كثيرات هن النساء اليمنيات اللواتي تلقي بهن الأيام أمام تحدٍ كبير بعد فقدان أزواجهن أو عجزهم عن العمل، فيذهبن إلى تحمل تلك المسؤولية، بعزيمة وإصرار، في مشهد لا نملك معه إلا الوقوف أمامهن وننحني لهن لأنهن ضربن أروع الأمثلة في البذل والتفاني والعطاء، وحققن ذلك المستوى من النجاح في مهمتهن التي قمن بها على خير وجه .

قد يعجبك ايضا