الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

30 نوفمبر.. الاستقلال والوحدة

كل القوى الوطنية في الشمال والجنوب كانت تؤمن بحتمية الوحدة وضرورة تحقيقها فور حصول الجنوب على الاستقلال

الوحدة اليمنيةليست موقفاً طبقياً يختلف الناس عليها وإنما هي موقف الاجماع لكل اليمنيين
لقد كانت الوحدة إحدى أولويات برنامج عمل القيادة العامة للجبهة القومية

“إن كفاح الشعوب لا يتوقف عند غاية ،ولا يستقر عند نهاية…إنه طريق بعيد المدى …مداه مدى الحياة نفسها …لابد من جبهة عربية واحدة نجابه بها أعداءنا…إن الشعوب الحية لا تتهاون بعد النصر ولا تتراخى…»من خطاب لجمال عبد الناصر في 23يوليو 1964م.
في جهد توثيقي هو الأول من نوعه ،يمثل كتاب (الاستقلال ..والوحدة ) للأستاذ يحيى بن حسين العرشي –جهدا في تجميع الذاكرة الوطنية ،التي تتعلق بمسار الاستقلال لجنوب اليمن من الاستعمار ،ومسار الوحدة اليمنية حتى كتابة هذا الاستبيان ،أنجز في عام 1989م ،وتم توزيعه على (64)شخصية يمنية وعربية وأجنبية ،ممن هم على علاقة بهذا المسار ،أكانوا حكاما أو سفراء أو ضباطاً ،أو أكاديميين وسياسيين الخ.
هو كتاب من القطع الكبير ،يقع بـ(730)صفحة ،وقد احتوى على إجابات شملت 31سؤالا ،ولم يتم طباعة الكتاب ،إلاَّ في عام 2013م.
محمد ناجي أحمد

يفتتح العرشي كتابه (الاستقلال ..والوحدة )بتأكيد الحقيقة الوحدوية التاريخية لليمن، فـ«اليمن الواحد ..هو القاعدة ،أما التجزؤ والتشطير فهما الاستثناء في كل تاريخ اليمن القديم والحديث والمعاصر ،فاليمن أرضا وإنسانا موحد سلالة وجغرافيا ،حضارة وثقافة ولغة ،في سلوكه وعاداته وتقاليده ،وفي إطاره العام ،وتنوع لهجاته وفلكلوره ،وحتى في ملابسه ومائدة الطعام ،إنه التنوع الذي يثري التوحد ويعززه » ص11.
وهو تاريخ وحدوي كغيره من تواريخ العديد من الدول «فقد عرف خلال مراحل من تاريخه وجود عدة دول تحكم في آن /منفصلة أو متداخلة »ص11.
ابتدأ التفكير العملي لتحرير اليمن من الاستبداد والاستعمار، بحسب رسالة اللواء عبد الله جزيلان التي بعثها إلى يحيى بن حسين العرشي، ولتضم في استبيان/كتاب(الاستقلال.. والوحدة) في حلوان بمصر، حين كانوا يدرسون هناك، فقد شكلوا جماعة تعمل من أجل اليمن ،شماله وجنوبه، منهم فيصل الشعبي ،ويحيى الحرسي ،وصدقة ،وباقي بعثة سلطنة لحج ..وقد التقيت بفيصل الشعبي بعد ثورة 26سبتمبر مباشرة ،وجددنا فكرتنا السابقة ،وهي وحدة اليمن»ص680.و في يناير 1961م ،حين اجتمع قحطان الشعبي والأستاذ أحمد محمد نعمان ،والشاعر محمد محمود الزبيري «لتدارس أوضاع اليمن شمالا وجنوبا ،وأوضاع الحركة الوطنية اليمنية على وجه الخصوص .وكلفت هذه المجموعة من قادة الحركة الوطنية اليمنية ،الأخ /قحطان الشعبي بتقديم تحليل شامل بأوضاع المنطقة ،وأوضاع الحركة الوطنية اليمنية ،مصحوبا بمقترحات محددة حول قيام تنظيم سياسي لليمن ،شمالا وجنوبا .يقول قحطان الشعبي في تقرير قدمه للمذكورين آنفا» ولهذا فإنني أرى مخلصا أن الحل العملي –إذا أمكن تحقيقه –لا يمكن أن يكون في هذه الفترة الحالية إلاَّ في شكل جبهة قومية ،تضم كل الفئات المخلصة في الحقل الوطني ،التي تؤمن إيمانا حقيقيا بقضيتها الوطنية ،ومسئوليتها القومية ،في إقليم اليمن ،وتعتبر فعلا أن حركتنا القومية في اليمن بجزأيه جزء لا يتجزأ من معركتنا العامة» وفي نشرة (الثوري)التي تصدر عن حركة القوميين العرب في اليمن ، بتاريخ 1يناير1962م ،ما يلي« تُبذل مساع لإقامة تشكيل يضم كل العناصر المناضلة ،والهدف من هذا التكتل العمل من أجل تحطيم الرجعية في الشمال ،وتحطيم الاستعمار البريطاني في الجنوب ،على اعتبار أن موقف الجمهورية العربية المتحدة من حكومة الإمام قد تغير وأُلغي اتحاد الدول العربية ،وهذا الموقف الثوري من قبل الجمهورية العربية المتحدة قد أتى ليكون دفعة للعناصر المناضلة أن تتحرك بقوة…»ص83-84.
كان الموقف الوحدوي لحركة القوميين العرب في اليمن مبني على «أن يضع مصلحة الشعب العربي في اليمن والأمة العربية فوق كل اعتبار جزئي أو مصلحي ،ثانيا :أن يضم العناصر العربية العقائدية ،ثالثا: أن تستبعد منه العناصر السلبية والانتهازية والشيوعية»ص85.
قبل حركة القوميين العرب لم يكن التفكير الوحدوي قد أخذ شكله التنظيمي والحركي ،وإنما كانت القوى الوطنية بحسب الدكتور محمد عبده غانم «كانت القوى الوطنية على مستوى الوطن بشطريه ،تفكر في قضية الوحدة اليمنية ،ولكن لم يكن لديها وضوح في ما يجب أن تعمله لتحقيق هذه الوحدة ،وكان بين هذه القوى من لا يؤمن بالقضية خوفا على مصالحهم الشخصية » ص89.وفي رأي مالك الإرياني ،فإن «توجهات القوى الوطنية والسياسية على مستوى الشطرين قبل ثورة 26سبتمبر1962م ،إزاء قضية الوحدة اليمنية ،توجهات وحدوية ،ومنذ ما قبل حركة 1948م.كما تبين من أدبيات حركة 1948م .ص89.لكن الأستاذ محمد عبده نعمان يرى أن التوجهات الوحدوية كانت فردية «توجهات فردية نحو إعادة وحدة اليمن الطبيعية دون أي وضوح في الرؤية بالنسبة للوسائل ،على سبيل المثال ..تركيبة الجنوب ،هذا بعد الجبهة الوطنية المتحدة في 1955-كل الفصائل الوطنية لم تكن إلى تلك الآونة قد تبلورت باستقلالها عن تبعيتها القومية والأممية .أيضا كانت التوجهات فردية غير واضحة المعالم ،بدليل انخراط كل العناصر الوطنية في الحرس الوطني ،وكان أغلبهم من الجنوب ،ولكن حتى ثوار 26سبتمبر لم يكونوا على مستوى الوعي الذي يخولهم بموجبه الاستيلاء على كل المناطق التي تركها الإمام ،وقد عرضتها بريطانيا ،مثل الضالع ،مرخة ، وغيرها ،حتى أنهم لم يقصدوا بالهدف الخامس للثورة إلاَّ وحدة المنطقة التي تتبع ما بين الشريجة وصعدة »ص89-90.
وهذا الرأي الذي يطرحه الأستاذ محمد عبده نعمان يبدو أنه يتسق مع الحقائق الموضوعية آنذاك ،فالمشاعر الوحدوية ظلت فردية ،ولم تترجم بعمل تنظيمي ،بل إن المشاعر المناطقية والأمراض الجهوية والطائفية ظلت حاضرة كامنة داخل الصف الجمهوري السبتمبري ،والنزوع نحو تأسيس كيان منفصل في الجنوب اليمني كان قويا لدى فيصل عبد اللطيف الشعبي وقحطان الشعبي ،بل ولدى سالم ربيع علي في سنوات حكمه الأولى ،إلى أن تغيرت جذريا في منتصف السبعينيات مع وصول الرئيس إبراهيم الحمدي للحكم في الشمال. ولهذا نجد الرئيس عبد الله السلال يصف سالمين بالخط الانفصالي ،الذي أطاح بالخط الوحدوي!
كتبت مجلة الحكمة اليمانية الصادرة في سنة 1939م بصنعاء «إن شبوة ،وعدن ،وحضرموت جزء من اليمن ،وهل اليمن شيء وحضرموت شيء آخر .فالله جعل لليمن حدودا طبيعية لا يدخلها لبس ولا يعتريها غموض ،إذ أحاطها بالحبر من غربه وجنوبه وشرقه ،وكل ما شملته الحدود إلى أطراف الحجاز فهو اليمن»ص95.
واستمرت مطالبات الإمام يحيى بأن الجنوب اليمني جزء من اليمن ،طرحها النظام الملكي «على الجامعة العربية عام 1945م،أي منذ تأسيسها، وطلب العون والتأييد في نزاعه مع الحكومة البريطانية ،وخاصة بعد أن جاءت ما سُمي بالحدود ،وأصدرت الجامعة العربية حتى 1962م،أربعة وعشرين قرارا استنكار وتأييدا لحق شمال الوطن باعتبار اليمن تشكل قطرا واحدا»ص567-بحسب ما أورده الأستاذ سعيد أحمد الجناحي في الاستبيان (الاستقلال ..والوحدة) .
ممالا شك فيه أن حركة الأحرار اليمنيين على المستوى النظري في المجلات والصحف ،التي تصدر في عدن والقاهرة وبريطانيا ،مثل «الرابطة العربية » و«الصداقة » في مصر ،و«صوت اليمن» و«الفضول» من عدن ،و«السلام» من بريطانيا ،قد أكدت على وحدة اليمن ،وإن كانت على المستوى النضالي قد أعطت أولويتها لتحرير الشمال من الاستبداد ،وإقامة نظام حكم دستوري ،عبرت عنه في (الميثاق المقدس )لحركة 1948م . «فقد عبَّرت (الرابطة العربية ) عن عمق توجهات الحركة نحو الوحدة اليمنية ،من خلال قيامها بنشر سلسلة طويلة من المقالات التي تعالج فيها قضية الوحدة اليمنية ،وفي هذا الاتجاه ركزت المجلة على عناصر القوة التي تكمن في تحقيق الوحدة اليمنية ،إلى جانب تناولها للواقع الاستراتيجي لليمن ،وعلى مستوى الموقع الجغرافي ،وهيمنة اليمن على البحر الأحمر والإشراف المباشر على المدخل الجنوبي لباب المندب ،أو على البحر العربي إلى جانب أهمية ميناء عدن البحري والمخا والحديدة ،إلى جانب ما تشكله اليمن من قوة بشرية مؤثرة في المنطقة ،على جانب أنها قامت بسرد المميزات الخاصة لليمن من حيث المناخ والتربة ،وخبرة الفلاح وقوة وإيمان الإنسان اليمني وعمق حضارته»ص95-96.
الوحدة في فكر حركة الأحرار اليمنيين بحسب الدكتور محمد عبد الجبار سلام ،كانت منهجا من خلال «طرحها الدوائر الثلاث التي تتحرك من خلالها ،وهي :1-التحرر من الاستعباد في الجزء المستقل ،2-التحرر من الاستعمار في الجزء المحتل ،3-الوحدة الكاملة بين الجزأين .ص97.
ومن المؤكد أن هذا المنهج وهذه الدوائر الثلاث قد تطورت ووصلت إلى الوضوح في أواخر الخمسينيات ،لأن حركة الأحرار في عقد الأربعينيات كانت معنية موضوعيا بإصلاح نظام المملكة المتوكلية، من ملكية مطلقة إلى ملكية دستورية .
وحين تأسست الجبهة الوطنية المتحدة في عدن عام 1955م نص برنامجها على :1-الإيمان بالوحدة اليمنية الكبرى على أساس شعبي ،في إطار جمهورية ديمقراطية مستقلة –ولهذا تم ضرب الجبهة في سنتها الأولى ،ونفي قياداتها من عدن .ثم جاء المؤتمر العمالي في عام 1956م ،وقد تكون من أكثر من عشرين نقابة ،وكان في مقدمة أهدافه :شعار الوحدة اليمنية بمضمونها الاجتماعي السياسي والاقتصادي ،وفي هذا.
وفي هذا السياق تأسس حزب البعث فيعدن عام 1957م ،لكل اليمن ،ثم حركة القوميين العرب للقطر اليمني كله في عام 1958-1959م.وكان الموقف الوحدوي للاتحاد الشعبي الديمقراطي ،الذي أسسه عبد الله عبد الرزاق باذيب في عدن، واضح في مفهومه للوحدة اليمنية كمسار نضالي ومصير ،بل لقد اتخذ الاتحاد من تحقيق الوحدة اليمنية شعارا للحزب ،وفي مقدمة برنامجه، وقد كتب باذيب في صحيفة الطليعة بتعز عام 1959م «إن الشيء الأساسي والخالد هو وحدة شعبنا في الجنوب والشمال، أما الأوضاع المتخلفة في الشمال فهي زائلة حتما ،لابد أن تتطور عاجلا أم عاجلا .إن الاحتمال الأرجح أن تتطور الأوضاع في الشمال قبل الجنوب ،وان الضمانة الوحيدة لتحقيق الوحدة اليمنية هي حركتنا الوطنية اليمنية»ص98.
فمن المعلوم أن نشاط الجمعيات والأندية والاتحادات والنقابات في جنوب اليمن ،ومن خلال ما تنشره صحف (الفجر –الجنوب العربي- البعث –اليقظة) فقد كان العمل على توحيد الجهود بشكل جبهوي ،لتحقيق الوحدة اليمنية بمفهوم سياسي واجتماعي…
وبحسب رؤية اللواء /يحيى المتوكل بخصوص الوحدة اليمنية ،يقول «لا يختلف اثنان أن معظم فصائل القوى الوطنية في الشطرين آمنت بالوحدة اليمنية قدرا ومصيرا ،وتعاملت مع هذه القضية كأمر مسلم به تزول أسباب ومعوقات حدوثه بزوال الاستعمار البريطاني في الجنوب والحكم الملكي في الشمال ،ويمكن اعتبار رابطة أبناء الجنوب ومن تبعهم هم الاستثناء الوحيد والشاذ.»ص100.
يرى الأستاذ أحمد الحربي أن القوى الوطنية والسياسية في اليمن في توجهاتها العامة، حكمتها عدة خطوط «لها صلات مباشرة بوحدوية الوطن ،كما لها صلات بعدم وحدويته ،ومن هذه الخطوط أو التوجهات التي تحكمت بقضية الوحدة في ارتفاعها وانخفاظها ما يلي:
1-تبني ثورة 26سبتمبر 1962م للوحدة في أهدافها المعلنة.
2-توفير المناخ الوحدوي في ثورية الكفاح ووحدته.
3-ارتباط أبناء الوطن بالثورة السبتمبرية وأهدافها ،دون تمييز سوى الإخلاص والعمل بقوة لتعزيز الثورة .
4-استجابة الثورة لتطلعات القوى الوطنية والسياسية ،والتعبير عن وجودها ،وتبني الكثير من مطالبها تجاه استمرار النضال ،وتحقيق التحرير الكامل للوطن ووحدته .
5-ارتباط الثورة بنفس القوى الاجتماعية ،التي تفاعلت مع قضية النضال ضد الاستعمار البريطاني بأشكاله الدنيا.
وقد واجهت هذه العوامل الإيجابية بحسب أحمد الحربي عوامل سلبية ،مثل المواجهة مع القوى السياسية ،واعتبار الحزبية محظورة أسوة بمصر ،وإثارة النعرات الطائفية في الصف السبتمبري ،تباين المواقف الداعمة للثورة من إيجابي إلى سلبي يتصادم مع أهداف الثورة السبتمبرية .
-الدعوة إلى الكفاح المسلح لحل التناقضات داخل الصف السبتمبري ،فبعد الثورة السبتمبرية اتجه أبناء الشمال نحو قضية الوحدة بشكل منظم وفاعل ،فكانوا من ضمن النواة المؤسسة للجبهة القومية والكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني…
فقد كان طبيعيا بحسب الدكتور حمد العودي «أن تنتقل توجهات أبناء الوطن في الشمال والقوى الوطنية بالذات إلى طرح قضية الوحدة السياسية لكامل التراب اليمني ،والنضال ضد الاستعمار البريطاني والكيانات السلاطينية الإقطاعية ،حيث كان كل شيء يجري شعبيا ووطنيا على مستوى الشمال ،باعتباره عملا وطنيا وحدويا وموحدا بالفعل»ص104-107.
إن الترابط العضوي بين الثورة على النظام الملكي في الشمال والقضاء على النفوذ الأجنبي الاستعماري في الجنوب كان جليا وواضحا في وعي من صاغوا أهداف ثورة 26سبتمبر،فهدف الوحدة الوطنية كان المقصود به الوحدة اليمنية ،وليس ما ذهب إليه الشاعر عبد الله البردوني بأن المقصود به الوحدة الوطنية في الشمال لمواجهة النظام الملكي ،فذلك الهدف قد تم التعبير عنه بصيغة إذابة الفوارق بين الطبقات ،ولأن الوحدة الوطنية قد أعقبها هدف التحرر من الاستبداد والاستعمار ،مما يعني بشكل واضح ،الوحدة اليمنية ،وهو ما ترجمته حكومة الثورة السبتمبرية وقيادة الثورة حين تم تعيين قحطان الشعبي وزيرا لشئون الوحدة في أول تشكيل لحكومة الثورة السبتمبرية ،أضف إلى ذلك أن حيوية الهدف الوحدوي ظل متقدا منذ استقلال الشمال من الاستعمار التركي ،ثم في المحافل الدولية والعربية ،وفي برنامج (ركن الجنوب اليمني المحتل )من إذاعة صنعاء ،وفي صحيفة الطليعة التي أصدرها عبد الله باذيب عام 1959م ،وفي المظاهرات التي اندلعت في عدن في 24سبتمبر 1962م ،أي قبل ثورة سبتمبر بيومين، أمام المجلس التشريعي ،حاملين شعارات الوحدة اليمنية ،ورفض اتحاد إمارات الجنوب العربي ،وفي هذه المظاهرات سقط شهداء وهم يرفعون شعارات الوحدة اليمنية.
بعد الثورة مباشرة أفسحت قيادة الثورة للقوى الوطنية للبدء في تأسيس وتنظيم الجبهة القومية ،منذ اجتماع دار السعادة والبشائر 1963م في صنعاء ،وإعداد ميثاقها الوطني ،ثم اجتماعها في عام 1965م وتعديل ميثاقها الوطني بتعز. واستكمال رؤيتها التحررية وتصعيد الكفاح المسلح ،الذي بدأ مع ثورة 14أكتوبر 1963م من جبال ردفان ،على يد الشهيد الشيخ لبوزة وأصحابه الذين عادوا من الشمال ،بعد مساهمتهم في ثورة 26سبتمبر ،ليحاصرهم الاستعمار في ردفان طالبا منهم تسليم أسلحتهم ،فكان رفضهم ،وكانت الشهادة ،وتوهج شعلة الثورة التي لم تهمد حتى غادر من عدن آخر جندي بريطاني.
فبحسب سعيد الجناحي فإن النضال ضد الوجود البريطاني «ينبع من الإيمان الشعبي المتلاحم ، والدعم غير المحدود ،عسكريا وماليا وإعلاميا ،ولم يكن لبريطانيا أن ترحل عن أرض الوطن بتلك الصورة المذلة لولا تلاحم الشعب اليمني وقواه الوطنية «ص109.
يقول المشير عبد الله السلال ،وهو أول رئيس لمجلس قيادة الثورة للجمهورية العربية اليمنية «لقد كان توجه القوى الوطنية وحدويا في الشطر الشمالي ،بدليل أننا استحدثنا وزارة للوحدة في بداية الثورة ،كان أول من استوزرها أحد قادة الجبهة القومية ،وأول رئيس للجمهورية في الشطر الجنوبي من الوطن. الرئيس الراحل قحطان الشعبي ،كما أن النضال والكفاح المسلح لكافة القوى الوطنية يمشي في نسق واحد مع هذه الوحدة ،فقد شارك أخوتنا في الشطر الجنوبي في القتال ضد الهجمة الشرسة التي تعرضت لها ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م .فقد قاتل الجميع ضد قوات المرتزقة والردة والظلام في الشمال وضد الغاصب المحتل في الجنوب ،وهم مؤمنون بحتمية الوحدة وضرورة تحقيقها فور حصول الشطر الجنوبي من الوطن على استقلاله ،ومن أجل ذلك فقضية الوحدة لدى القيادة السياسية والقوى الوطنية في شمال الوطن لم تأخذ مسار الشعارات لمجرد الاستغلال المحلي ،أو لاستخدامها كتكتيك مؤقت يمكن تطويعه للأحداث والمناسبات ،بل كانت قضية مبنية على قناعة كاملة ،بأنها الطريق الصحيح لحماية الثورتين من الأعداء ،الذين كانت الوحدة بالنسبة لهم نهاية محاولاتهم المستمرة للتدخل في شئون اليمن بشطريه ،وفشلا ذريعا لأطماعهم التوسعية في الأرض اليمنية الموحدة…»ص110.
قبل ثورة 26سبتمبر 1962م وثورة 14أكتور 1963م لم يكن هناك من يرفع مطلب الوحدة اليمنية بشكل رسمي وفي المحافل الدولية، بغض النظر عن تفسير ذلك من منطلق الحق الإقطاعي أو شبه الإقطاعي ،وهذا طبيعي ومتسق تاريخيا مع المرحلة ومنهج تفكيرها ،لكن وحدة اليمن كل اليمن استمر مطلبا للإمام يحيى حتى بعد توقيعه على اتفاقية الطائف مع عبدالعزيز بن سعود ،وعلى اتفاقية هدنة مع الاستعمار البريطاني لمدة أربعين عاما، تبدأ من عام 1934م.لكن تلك الاتفاقية لم تسقط الاستحقاقات الوحدوية اليمنية ،وإنما أجلتها ،واستمر الإمام أحمد متمسكا بحدود اليمني الطبيعية. مع دعم بين فترة وأخرى للتمردات القبلية ضد الاستعمار البريطاني. بل واحتضان المعارضين للاستعمار ،وفتح المجال لهم كي يسهموا في إصدار الصحف وفي الإذاعة في مواجهته. فقد أسس عبد الله عبد الرزاق باذيب صحيفة الطليعة بتعز عام 1959م،وكان لمحمد عبده نعمان دوره الإعلامي من إذاعة صنعاء بعد نفيه من عدن ،لرفضه الانتخابات التشريعية التي أقامها الاستعمار على أساس حرمان أبناء الشمال من المشاركة فيها.
الوحدة اليمنية ليست موقفا طبقيا يختلف الناس عليها ،وإنما هي موقف الإجماع الطبقي لكل اليمنيين ،أيا كان نظامهم السياسي،فبحسب مارك مارشال في إجابته على أسئلة كتاب (الاستقلال ..والوحدة»يقول «لم أسمع عن يمني يلفظ كلمة الوحدة خلال هذه الأيام-إلاَّ الإمام»ص121.مارك مارشال كان السفير البريطاني في صنعاء في وقت الاستبيان 1989م ،وكان يعمل في جنوب اليمن منذ إبريل 1967م وحتى بعد الاستقلال في أبريل 1968م.
إن توجهات القيادات السياسية والقوى الوطنية بحسب اللواء يحيى المتوكل المشارك في هذا الاستبيان «بالنسبة لقضية الوحدة لم تتغير عما كانت عليه قبل الثورة السبتمبرية ،وهي توجهات لاشك ازدادت وهجا وحماسا ،خاصة بعد انتصار ثورة سبتمبر ،واشتعال ثورة الجنوب ،وتلاحم الثورتين في جبهات موحدة ،سواء في الحرب الدائرة في الشمال مع القوى الرجعية ،او في حرب التحرير في الجنوب»ص122.
وفقا للمشير عبد الله السلال في الإجابة على السؤال الرابع في الكتاب ،بخصوص هل كان هناك اتجاه منظم ورؤية واضحة للوحدة قبل الاستقلال ،يقول « يصعب القول إنه كان هناك اتجاه حقيقي ومنظم بين كل القوى السياسية في شطري الوطن قبل استقلال الشطر الجنوبي لتحديد أسس الوحدة وسبل تحقيقها .لكنه كان هناك اتجاه مشترك في الأفكار ،وتفاهم قام حول إعادة وحدة الشطرين ،بعد حصول الشطر الجنوبي على الاستقلال….بدليل أن ثورة الرابع عشر من أكتوبر-بقيادة القوى الوطنية الثورية –أسقطت كل الدعاوي الانهزامية ،والشعارات الانقسامية ،والمحاولات الطائفية التي كانت تحاول إقامة كيان هزيل ،أسمته الجنوب العربي ،والذي كان يطالب بالاستقلال الصوري تحت الحماية البريطانية ،كما أسقطت مقولة إمكانية تحقيق الاستقلال بالطرق السلمية ،ورفع بدلا من ذلك شعار الكفاح المسلح ،كطريق وحيد للحصول على الاستقلال الكامل، والانضمام إلى الوطن الأم ،كما يسميه قادة الكفاح المسلح في الجنوب…»ص142.
ويرى الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني «أن حركة الأحرار اليمنيين وحدوية بطبيعتها ،وإلى أن الاتحاد العمالي وحزبه كان وحدويا ،وغلى أن جبهة التحرير كانت ذات توجهات وحدوية ،ولكنها أخرجت من الساحة بالقوة ساعة تسليم الاستقلال…أما في الشمال فباستثناء التنظيمات الحزبية المشار إلى غموض رؤيتها الوحدوية سابقا ،فإن الاتجاه العام كان وحدويا لا ريب فيه ولكنه غير منظم ،ولم يتم –كما سبق- أي اتفاق مسبق نحو الوحدة »ص143.
كان هناك اتجاه عام نحو الوحدة ،ولم تكن هناك اتفاقيات وخطط وحدوية إلاَّ بعد حرب 1972م وحرب 1979م بين الشطرين ،فالحرب حركت الجمود والانطواء الشطري نحو الوحدة.
يقول عبد الملك إسماعيل ،عضو القيادة العامة للجبهة القومية واللجنة التنفيذية وعضو مجلس الوزراء في أول حكومة بعد الاستقلال:بأنه لا يستطيع الجزم أنه كان هناك اتجاه حقيقي ومنظم بين كل القوى السياسية في الشطرين قبل الاستقلال ،فقد مثلت الحركة الطلابية اليمنية في القاهرة وفروعها في الوطن العربي وبعض بلدان أوروبا، إضافة إلى وجودها داخل الوطن اليمني ،وكذلك حركة القوميين العرب، والجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل ،وهذه كلها كانت تتعامل سياسيا مع اليمن كإقليم واحد، ونشاطها يغطي اليمن بأكمله من المهرة حتى تهامة ،وهذه التنظيمات كان عبد الملك إسماعيل عضوا فيها ،وبالتالي فهو يتحدث كشاهد عضوي، وهناك حزب البعث العربي الاشتراكي ،والتنظيم الناصري ،وتنظيمات ماركسية يمنية كانت تعمل بنهج قوي وناضلت ضد الاستعمار ،وكانت حريصة على اعتبار إنشاء نظام مستقل مجرد مرحلة قصيرة لإتمام الوحدة .كذلك فإن النقاط العشر التي وضعها الرئيس قحطان الشعبي بعد اجتماع مطول مع القيادة العامة للجبهة القومية ليلة الحادي عشر من فبراير 1968م،وأعلن باسم الجبهة القومية من قصر البراق في كريتر ،عشر نقاط يقدمها الشطر الجنوبي للتباحث حولها مع الشطر الشمالي من أجل تحقيق الوحدة .وبغض النظر عن قراءة تلك النقاط العشر على أنها تعيق تحقيق الوحدة فإنها بدلالة أخرى تشير إلى موقف من طبيعة النظام النوفمبري في الشمال ،الذي تولى السلطة في 5نوفمبر 1967م ،ومن ناحية أخرى فإنها تؤكد أن موضوع الوحدة كان أولوية نضالية تأخر لأسباب سياسية وأيديولوجية وإقليمية ودولية .
فالكثيرون يرون ،ومنهم الفريق أول طلعت حسن ،الذي كان من ضمن القادة العسكريين في القيادة العربية في اليمن ،والذي يرى أن القوى الرجعية والاستعمارية التي تحارب الوحدة قد «رتبت الهجوم الرجعي الشامل ضد النظام الجمهوري في الشطر الشمالي ،متزامنا مع إجراء المباحثات لإعلان الاستقلال في الجنوب»ص508.
كان النظام في شمال اليمن رافضا للاعتراف باستقلال الشطر الجنوبي من اليمن، لولا أن ظروف حصار صنعاء منذ، وإقناع الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني لأركان الحكم النوفمبري في الشمال على الاعتراف بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ،كخطوة اقتضتها ظروف الحصار والحرب من قبل الملكيين الذين تحركهم وتمدهم بالمال والسلاح والمرتزقة القوى الرجعية، وعلى رأسها السعودية.
لقد كانت الوحدة بحسب الأستاذ عبد الملك إسماعيل تشكل أحد أولويات برنامج العمل أمام القيادة العامة للجبهة القومية ،كما هو مذكور في أول محضر لمجلس الوزراء للشطر الجنوبي بتاريخ 29شعبان 1387هـ/ديسمبر 1967م.واقتصر هذا المحضر على مسألة واحدة وهي موضوع الوحدة اليمنية ،مفادها «يجب أن نضع كل أمل في تحقيق الوحدة اليمنية»ص145.
كل مسارات الحركة الوطنية كان منطلقها وحدوي ،فالجبهة الوطنية المتحدة ،التي لعب المثقفون فيها دورا رئيسيا ،أمثال محمد عبده نعمان ،وعبد الله باذيب ،تأسست عام 1955م ،كانت تدعو بحسب برنامجها إلى :تحقيق وحدة اليمن على أساس شعبي ،بحيث تتخذ شكل جمهورية ديمقراطية مستقلة ،وكذلك المؤتمر العمالي الذي تشكل عام 1956م ،وحزب الشعب الاشتراكي 1962م ،في برنامجه يسعى إلى إقامة حكم جمهوري ديمقراطي شعبي في اليمن،وإن كان بعد ذلك يراهن على حزب العمال البريطاني كي يمكنه من إقامة دولة مستقلة في الجنوب ،وهناك الاتحاد الشعبي الديمقراطي ،ومنظمة البعث وحركة القوميين ،كان عملهم على أساس قطر اليمن وليس على أساس شطري ،فضلا عن الحركة الناصرية في اليمن.
يحدد الأستاذ سالم صالح أسباب عدم التوجه نحو الوحدة فور الاستقلال في الشطر الجنوبي بـ« نتيجة للظروف الموضوعية والذاتية السائدة حينها ،والتي ذكرنا بعضا منها ،وبالذات عدم السعي للوحدة من قبل كل أطراف القوى السياسية الوطنية في الشطرين، ولانشغال السلطة السبتمبرية بهمومها ،وكذا رغبة القوى السياسية في الشطر الجنوبي في استلام السلطة الجديدة ،وقد مثَّل كل ذلك –إلى جانب العوامل الأخرى –انعكاسا للواقع الموضوعي ،الذي نشأ بفعل عوامل التجزئة لعقود طويلة ،والهيمنة الاستعمارية خلال قرن ونيف-والصحيح128 عاما-بما عكسه ذلك في تشكل وعي ورؤية القوى السياسية في كل شطر ،والتي تختلف من حيث طبيعتها وخصائصها عن الشطر الآخر»ص162.
كان لقاء تعز بحسب رؤية المشير عبد الله السلال بين سالم ربيع علي والقاضي عبد الرحمن الإرياني هو الذي وجه الضربة القاضية لقضية الوحدة ،وكرس التجزئة والتقسيم ،واعترف بقيام نظامين جنوبي وشمالي ،وضيع على القوى الوطنية والسياسية في كلا الشطرين فرصة توحيدها ،وإزالة الحواجز المصطنعة التي وضعتها الإمامة والاستعمار، ويبدو أن السلال غاب عن ذهنه أن هذه الحواجز المصطنعة تم رسمها وترسيخها حدودا جغرافية وسياسة واقتصادا وإدارة منذ الاستعمار التركي في الشمال ،والاستعمار البريطاني في الجنوب ،ومن ضمنها ترسيم الحدود عام 1904م.
من الواضح تاريخيا أو مواقف سالم ربيع علي كانت تتعدل نحو الأفضل ،فقد أصبح أكثر واقعية في رؤيتها للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ينبغي السير فيها ،ومن ضمن ذلك علاقة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مع دوال الإقليم ،والسير بإيمان نحو تحولات وحدوية منذ لقائه في قعطبة مع الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي ،لولا أن موضوع الوحدة صار أكثر تعقيدا نتيجة القوى المناوئة له في الشطرين ،والموقف السعودي والأمريكي والسوفيتي المناوئين للوحدة ،والتغيير في طبيعة التوازنات في البحر الأحمر.
حول الإجابة على سؤال دور الشمال في محاربة الاستعمار في الجنوب ،كانت إجابة الدكتور حمود العودي فيها نضج وحدوي ووطني حين قال « من الصعب بل ومن غير الجائز القول بوجود دور متميز وإسهام معين يمكن تحديده بالضبط من قبل الشمال أو أبناء الشمال من أجل تحرير الجنوب وأبناء الجنوب ،لأن المسألة ليست مسألة دور أو مساهمة أو معونة ،بل هي بالنسبة للإنسان اليمني قضية وطنية لا تتجزأ،ولم تعرف التجزئة في الدفاع عن الثورة والجمهورية في الشمال ،وتحقيق الاستقلال في الجنوب ،وإذا كان هناك من دور يذكر للشمال وأبناء الشمال في النضال ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب فذلك دورهم ومسئوليتهم الوطنية تجاه وطنهم ،وأنفسهم بالدرجة الأولى ،وكذلك أبناء الجنوب في دفاعهم عن الثورة والجمهورية في الشمال ،وما كان لأي منهما أن ينتصر بدون الآخر ،وذلك هو الدور التاريخي الموحد للشعب اليمني كله تجاه نفسه »ص236.
من الواضع أن كلا من تعز وإب والبيضاء ومارب الخ كانت قواعد للمعسكرات والتدريب والدعم والانطلاق لطرد المستعمر البريطاني ،وكانت صنعاء نواة تأسيس الجبهة القومية عام 1963م في دار السعادة ودار البشائر .وعند قيام الثورة السبتمبرية اندفع آلاف الشباب من عدن والمحميات للدفاع عن ثورة سبتمبر .فـ«النضال في سبيل الاستقلال كان موحدا وغير مشطور »ص237.بحسب الأستاذ صالح الدحان .
ويقول الأستاذ عبد الملك إسماعيل العضو القيادي في الجبهة القومية ،والوزير في أول حكومة بعد الاستقلال في الشطر الجنوبي : «جميع التنظيمات السياسية الوطنية اليمنية الوحدوية في الشطر الجنوبي ،وفي مقدمتها الجبهة القومية ،أكدت قولا وفعلا بأن ثورة 26 سبتمبر هي الثورة اليمنية الأم،وأنه لولا قيام هذه الثورة ،ولولا الدعم المصري القوي لتأخر الاستقلال الوطني في الشطر الجنوبي »ص239.
إن موقف مصر الجوهري كان ينصب بتحرير جنوب اليمن من الاستعمار ،ولم تكن الكيفية والتفكير في إقامة الوحدة بين الشطرين من الأمور التي تم التباحث الفعلي فيها ،وهذا من وجهة نظري طبيعي ومنطقي ،فالأولوية هو طرد الاستعمار ،وبعد ذلك تبدأ القوى السياسية في ترجمة مشاعرها وإيمانها بالوحدة بشكل فعلي ،وهو ما لم يبدأ إلا بعد حرب 1972م ثم حرب 1979م،حين تم التحرك نحو وضع اتفاقيات لتوحيد اليمن.ومن ضمن متطلبات التحرير وطرد الاستعمار كان تفكير مصر بتوحيد فصائل الكفاح المسلح ،ومحاولة دمج جبهة التحرير والجبهة القومية في جبهة واحدة ،وهو ما رفضته وتراجعت عنه الجبهة القومية ،سواء في مقررات مؤتمر جبلة أو مؤتمر خمر.
وهنا تصبح الإشكالية واضحة في رفض الشراكة مع المختلف والسير بطريق توحيد فصائل اليسار ،والدفع بالشعب كله ليصير جبهة قومية !أي صوت واحد لا تعدد للأصوات. ابتداء من الحرب الأهلية والتخلص من جبهة التحرير والتنظيم الشعبي ،ووصولا إلى انتقال التناقضات الدامية إلى داخل الجبهة القومية ،وثم التنظيم السياسي الموحد ثم الحزب الاشتراكي ،من خلال كارثة 13يناير ،كمجمع للتناقضات التي رفضت أن تعبر عن نفسها بالتعدد السياسي ،فكانت البندقة والسلاح المتوسط والثقيل هو اللغة المعبرة عن هذه الأحادية القاتلة.
يقول اللواء /يحيى المتوكل ،وهو من أعضاء الخلايا الأساسية لتنظيم الضباط الأحرار، في إجابة على سؤال في هذا الاستبيان /الكتاب(الاستقلال والوحدة )عن طبيعة الظروف السياسية أثناء حصول الشطر الجنوبي من اليمن على الاستقلال: « كانت ظروف الشطر الشمالي –كما شرحنا آنفا-ظروف قاسية ،حيث تكالبت قوى الرجعية والاستعمار لتستولي على العاصمة صنعاء ،بهدف إنهاء النظام الجمهوري ،والقضاء على الثورة ،وإعادة النظام الملكي ،وذلك على إثر هزيمة الدول العربية في مواجهة إسرائيل في حرب 1967م ،وانسحاب القوات المصرية من اليمن ،وكانت توقعات المراقبين الأجانب أن صنعاء لا محالة ستسقط ،وبسقوطها سيسقط النظام الجديد، وفي تلك الظروف القاسية ،كانت مسئولية المقاتلين للدفاع عن العاصمة والقيادة السياسية في صنعاء ،أعظم ثقلا مما شهدته البلاد منذ قيام الثورة ،وهذا جعل اهتمام الجميع ينصب على تكريس كل الجهود للدفاع عن الثورة والجمهورية ،تاركين للمناضلين في الجنوب أمر معالجة مسألة الاستقلال وتقرير ما بعده»ص294.
ومن إجابة الأستاذ محمد هادي عوض في هذا الكتاب ،يتذكر أنه في يوم تقديمه لأوراق اعتماده سفيرا لجمهورية جنوب اليمن الشعبية ،يوم 16أبريل 1968م،كأول سفير للجنوب في مصر «أن أبلغني الرئيس عبد الناصر رسالة شفوية للرئيس قحطان الشعبي قال فيها:» أخبر الأخ قحطان بأن يتعاون مع الفريق حسن العمري في حل المشاكل –صحيح حسن العمري مجنون بعض الشيء لكنه جدع» وقد قمت بنقل الرسالة بأمانة ،وعلمت أن رسالتي قد قرئت على أعضاء القيادة العامة .وقد كررت رأي عبد الناصر في حسن العمري للعمري شخصيا ،وبحضور السفير مصطفى يعقوب في القاهرة ،عندما كان العمري في زيارة خاصة للقاهرة في أواخر 1968م في القاهرة .وقد طلبت من السفير مصطفى يعقوب ترتيب موعد لي لمقابلة العمري ،ودون أن أرجع في ذلك للقيادة في عدن ،وقد رتب اللقاء وكنت صريحا مع الفريق العمري ،وأخبرته بأننا وقعنا بين مجنونين ،في عدن وصنعاء ،وأن الطلبة سيكونون ضحية ،وقد ضحك كثيرا ،وقرر إعادة المنح لكنه ذكر لي قصة في نظره تثبت جنون قحطان ،فقال إنه عندما كان قحطان مستشارا لشئون الجنوب ،وبينما كان العمري متجها في قافلة عسكرية كبيرة ،فإذا بسيارة تخترق السهل ،وتتقدم كل السيارات حتى وصلت إلى سيارة العمري ،فاعترضتها ،وإذا به يجد بها قحطان وكان ثائرا ،وطلب من العمري الإفراج عن شخصين جنوبيين كان العمري قد أمر باعتقالهما قبل مغادرته …وقد أراد العمري أن يثبت بأن قحطان لم ينتظره حتى يعود من الحديدة ،وهو بذلك يدلل على أن قحطان متسرع وسيدخل في مشاكل..وهذه حادثة يمكن أن ترمز لنوعية تفكير القيادات.»ص343-344.
كان بالإمكان الاستجابة إلى الآراء التي طرحت مقترح أن يتم تشكيل حكومة مؤقتة لاستلام الاستقلال ،ثم توحيد الوطن ،بل كانت آراء العديدين هو تشكيل سلطة مؤقتة ،وأن تنتهج أسلوب حركات التحرر ،وتتجه كل الإمكانيات ،بما في ذلك المقاتلون بأسلحتهم-إلى صنعاء ،لمشاركة القوى الوطنية والجمهورية في فك الحصار ،باعتبار أن سقوط صنعاء يعني سقوط عدن ،وأن المعركة واحدة ،لكن تلك الآراء لم تجد تقبلا لدى الغالبية في قيادة الجبهة القومية ،وكُلف المرحوم المناضل عبد القادر سعيد ،بصحبة الأستاذ عمر الجاوي بطرح هذا الرأي ،والذي مثل رأي فرع حركة القوميين في شمال الوطن.ص387.
في مذكراته الجزء الثاني –كان الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني قد أشار إلى زيارة كل من قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف الشعبي ،وعبد الفتاح إسماعيل وشخص رابع لم يعد يذكر اسمه ،في مصر عند مرورهم بها في فبراير 1967م ،من أجل الذهاب إلى جنيف للتفاوض على الاستقلال، وقد ذكر الإرياني أنهم زاروه بشكل فردي ،وأن مشاعر قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف لم تكن مع تحقيق الوحدة ،لكن القاضي في هذا الاستبيان ،الذي تم في عام 1989م ،وطبع في 2013م،يتحدث عن الزيارة الانفرادية له بمصر من الأسماء السابق ذكرها ،وأنهم أبلغوه رجاءهم بأن يتصل بالمسئولين في صنعاء ليبلغهم ضرورة الإسراع بالاعتراف بدولة الجنوب فور الاستقلال. وكان الإرياني قد سألهم ماذا عن الوحدة ؟فكان جوابهم جميعا «أن الوحدة أمر مفروغ منه ،وسيتم إعلان الوحدة فيما بعد ببيانين رسميين أو بيان مشترك بين حكومتين مستقلتين، فيكون ذلك بمثابة تفويت الفرصة على من سيحاولون تصوير الوحدة على أنها ضم …»ص478.
لكن المفارقة أن فيصل عبد اللطيف الشعبي في لقائه مع الوفد الذي جاء من الشمال لتهنئتهم بالاستقلال برئاسة الأستاذ أحمد حسين المروني ،ورئاسة بالنيابة ليحيى مصلح –اجتمع بهم طالبا منهم أن يخبروا السلطة في الشمال عدم احتضان عناصر جبهة التحرير، لأنها تهدد حكومتهم ،وقدم محمد علي هيثم تقريرا تفصيليا بهذه المخاطر والتخريبات من كوادر جبهة التحرير المتواجدين في صنعاء وتعز ومأرب والسوادية والبيضاء وقعطبة ،ويتعجب القاضي الإرياني كيف لحكومة ليس لها سوى أسابيع منذ استلامها للسلطة في الجنوب ،ولديها هذا الإحصاء والحصر لأسماء أبناء الجنوب الذين لجؤا فرارا من الجبهة القومية إلى أراضي وطنهم في الشمال ،أو كانوا في الشمال من قبل الاستقلال ،فعدَّدوهم بالأسماء والجماعات والمنازل والبيوت التي استأجروها ،بل ,أصحاب البيوت الذين آووهم «والخلاصة أن هذا التقرير كشف عن حقائق لم تكن متوقعة ،وكان أو برهان على عدم صدق النوايا والوعود لدى الإخوان في عدن.»ص480.
في أول بيان لحكومة محسن العيني التي جاءت بناء على انقلاب 5نوفمر 1967م ،أكدت فيه إيمانها الراسخ بوحدة شطري اليمن، وأن «أوان هذه الوحدة قد حان مع قرب جلاء القوات البريطانية من الجنوب اليمني المحتل»ص586.
في إجابة الأستاذ سعيد أحمد الجناحي عن المعوقات التي حالت دون تحقيق الوحدة أثناء استقلال الشطر الجنوبي مباشرة ،يقول بأنه لم تكن هناك أية عوائق «لأنه عندما سادت إرادة اليمنيين على منطقة جنوب الوطن،ورحل الاستعمار البريطاني ،أصبح القرار بيد أبناء اليمن ،كما هو الحال حين اتخذ قرار بتوحيد (23)إمارة ومشيخة في إطار الحكم المركزي ،واتخذ قرار بتقسيم المنطقة إلى ست محافظات ،كان القرار السياسي بالنسبة لتوحيد الوطن لا يختلف مطلقا بما هو كائن ،أو لما حدث كان يمكن أن يتم بنفس السهولة »ص492-493.
لكن الذين استلموا الاستقلال لم يكن في نيتهم تحقيق الوحدة اليمنية ،وإنما تم تحويلها إلى وزارة الإرشاد القومي ،وشئون الوحدة إلى إلى شأن حكومي، «لقد كان رأيي مع رأي الكثير من الأعضاء القياديين في حركة القوميين العرب ،بأن تُشكل حكومة مؤقتة ،تمهيدا للوحدة الوطنية ،والوحدة اليمنية ،وأوفد المناضل الراحل عبد القادر سعيد ،وعمر الجاوي إلى جنوب الوطن أثناء الاستقلال لهذا الأمر»ص493.ويذكر الجناحي مفارقة مضحكة ولافتة في آن ،فحين تم إصدار قانون الجنسية الانفصالي بعد الاستقلال ،وكان لا يختلف عن قانون الجنسية في عهد الاستعمار البريطاني «يعتبر أن مواطن ما يسمى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هو من وٌلد في أراضيها،وبعد فترة نزلت إلى عدن ،وحين التقيت عبد الفتاح إسماعيل حكيت له قصة دار الحرف الذي وُلد فيه في قرية الأشعاب ،وتذكري حين انهار أثناء هطول الأمطار ،وانتقالنا إلى (ديمة)ونزولنا إلى عدن ونحن في عمر الطفولة،وسكنَّا دكان الأغابرة ،وهو مكان عام وليس منزلا.ثم سألته :تعجبت وأنا أقرأ أنك من مواليد عدن.
أقسم أمامي ،أنه قال إنه من مواليد شمال الوطن ولكنهم أرادوا ذلك .
وحقيقة أن أهم أسباب تشكيل كيان ،هو الطموح إلى السلطة أثناء زهو الانتصار،ووضع الاعتبار الدولي كأساس لإظهار الاستقلال أمام العالم ،إضافة إلى الظروف المعقدة التي أوجدتها حركة 5نوفمبر الرجعية المرتدة»ص493.
ويتساءل الجناحي «إذا كانت قضية الوحدة لم تتحقق فور الاستقلال ،فيبرز أمامنا سؤال آخر ،ولماذا لم تتحقق خلال (27)سنة من الثورة السبتمبرية ،وقرابة (23)سنة من يوم الاستقلال عام 1967م؟ بل إن ما حدث هو العكس ؛احتراب وطني عمَّق التجزئة ،وخلق سياجا مانعا بين شمال الوطن وجنوبه ،وقطَّعه،الأمر الذي لم يحدث إبان الإمامة والاستعمار»ص494.
في رسالته التي أرفقت في آخر هذا الاستبيان/الكتاب-يبين عمر الجاوي مواقف القيادة السبتمبرية والنوفمبرية ودساتيرها، وموقف قيادة الجبهة القومية وميثاقها لعام 1965من الوحدة ،أثناء الكفاح المسلح وبعد الاستقلال…فمن وجهة نظر عمر الجاوي فإن القيادات السياسية في صنعاء وعدن جميعهم خانوا آمال وتطلعات الشعب اليمني بدولة واحدة موحدة ،فالدساتير المؤقتة والدائمة في الشمال كانت تتحدث عن دولة شطرية ذات سيادة ،ولم تكن معنية دستوريا بالحديث عن الوحدة من خلال مواد دستورية محددة ،وميثاق الجبهة القومية لعام 1965م كان يتحدث عن الكفاح المسلح وإقامة دولة ذات سيادة ،حددوها بعدن والمحميات الغربية والشرقية والجزر التي تحتلها بريطانيا ،والاتحاد الشعبي الثوري الذي تأسس في أواخر عهد السلال ،وتمخض عن مؤتمره الذي عقد في صنعاء 18-20-1967م-قرارات تكرس التقسيم ،ورضى عن وجود كيانين يمنيين في الوطن «فالقرار التاسع للمؤتمر الذي للمؤتمر الذي نشأ في السنة الخامسة لاستمرار النظام الجمهوري والرابعة للمعارك المضادة للاستعمار البريطاني لا يعني غير ذلك …تقول المادة التاسعة بالنص»ونبعا من إيمان الشعب اليمني بوحدة النضال والمصير ،والمصير العربي المشترك ،وان قضية الحرية لا تتجزأ ،يعلن المؤتمر تأييد الشعب اليمني المطلق لكفاح شعب الجنوب اليمني المحتل ،ونضاله السلمي بقيادة جبهة التحرير ،الممثلة الشرعية الوحيدة لشعب المنطقة ،ضد الاستعمار البريطاني وركائزه العملية ،ويعلن استعداد الشعب اليمني لحمل السلاح بجانب أشقائه بالجنوب المحتل ،لتحقيق أهدافهم في الحرية والاستقلال الكامل ،ويندد المؤتمر بإجراءات القمع التي تمارسها بريطانيا ضد شعب الجنوب…»ص701-703.
وعلى هذا المنوال فقد كانت مؤتمرات عمران وخمر-وقد أشرك الشيخ عبد الله فيهما ممثلين عن منظمة التحرير- وسبأ كلها تسير في مقرراتها بخصوص جنوب اليمن بمنحى انفصالي يتناقض مع طموحات وتوجهات الشعب اليمني شمالا وجنوبا ،بل إن الحكومة التي شكلها الأستاذ أحمد محمد نعما أثناء مؤتمر خمر أو قبله بأيام ألغى من تشكيلته وزارة شئون الجنوب! وبتكامل مع التوجهات السياسية الرسمية للجبهة القومية في فترة الكفاح المسلح وعندما حكمت بعد الاستقلال. بل إن كتاب (كيف نفهم تجربة اليمن الجنوبية الشعبية» الذي ألفه كل من فيصل الشعبي وعبد الفتاح إسماعيل وخالد عبد العزيز،وعلي عبد العليم)وهو الكتاب الذي قيل بأنه تم تأليفه ردا على كتابات نايف حواتمه ،وقيل بأن عبد الفتاح إسماعيل كانت مشاركته اسمية وليست فعلية ،لكن موقف عبد الفتاح سيختلف عن بقية المؤلفين بخصوص الموقف النقدي من تحليل ووجهة نايف حواتمة ،لا من تأسيس كيان سيادي مستقل في الجنوب اليمني-يؤكد هذا الكتاب على أن «الجبهة القومية تطرح موقفا سياسيا طموحا ،تطلب استقلالا حقيقيا ،سياسيا ،اقتصاديا ،عسكريا ،ثقافيا ،أي تحررا وطنيا كاملا –حكما وطنيا ديمقراطيا ،فينهي الإقطاع ،ويشق طريق التقدم الاجتماعي للجنوب في ظل راية اليمن الطبيعي »ص704.
ونختتم هذا المقاربة والاستعراض لاستبيان /كتاب(الاستقلال ..والوحدة)بما قاله الأستاذ عبد الملك إسماعيل ،من ضمن مساهماته العديدة في أجوبة هذا الكتاب ،والتي كتبها عام 1989م،وهو العضو المؤسس لحركة القوميين العرب لقطر اليمن ،شمالا وجنوبا ،والعضو المؤسس والقيادي في الجبهة القومية ،والوزير في أو حكومة بعد استقلال الشطر الجنوبي من اليمن، يقول:
«وبعد أن ثبت بأن لا تقدمية بدون وحدة ،وبالمقابل لا رخاء ولا تنمية بدون وحدة ،بل أذهب أبعد من ذلك بأنه لا توجد سيادة حقيقية في الشطر الشمالي أو الجنوبي بدون وحدة…»

قد يعجبك ايضا