القضية التي حملتها الشعوب وخذلها الحكام والأنظمة

يوم القدس العالمي.. ومفارقات الماضي والحاضر

باحثون: الإمام الخميني أعاد قضية القدس الى الواجهة عام 1979 بعد عقود من الخطر المحدق بالأقصى
محللون: التطبيع خنجر سام طعن خاصرة الأمة الإسلامية و أن الجديد فيه هو خروجه إلى العلن

ترجع بداية الخطر الكبير والحقيقي الذي بات يهدد فلسطين بصفة عامة والمقدسات الشريفة وعلى رأسها القدس بصفة خاصة إلى اتفاقية “سايس-بيكو” في عام 1916م وعلى مسمع ومرأى من الأنظمة العربية الإسلامية، وكانت قوى الاستعمار في الطور المؤسسي والتخطيط الأولي لصناعة الأنظمة الموالية لها في منطقة الشرق الأوسط والخليج بالتحديد، واستمرت الاتفاقات والأحداث تقترب من القدس إلى عام 1948م عند اجتياح إسرائيل لمعظم الأراضي العربية في فلسطين ومنها أجزاء كبيرة من القدس، ومع ذلك لم تقم قائمة للأنظمة العربية والإسلامية على عكس الشعوب التي ظلت تغلي وتصدَّر المجاهدين إلى فلسطين بالقوافل ولكن دون جدوى في ظل الخذلان الرسمي للأنظمة والحكام العرب والمسلمين الذين ظلت فلسطين مادة لخطاباتهم فقط، وصولا إلى النكسة الكبرى في عام 1967م، ومع ذلك ظل الخذلان الرسمي كما هو، وفي 10 أكتوبر 1973م سجل الجيش العربي المشترك بين مصر وسوريا وفرق عربية من الدول العربية، انتصاراً خاطفاً باتجاه تحرير فلسطين ولكن ما لبث هذا النصر أن سقط في خزي أول بوادر التطبيع العربي بزيارة أنور السادات للقدس المحتلة في 20 / 11 / 1977م، وتوقيع اتفاقية كامب دايفيد 17 / 9 / 1978م ثم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26/3/1979م، وكانت هذه الأحداث المتتابعة بمثابة الطعنات الغادرة والقاتلة للنخب والشعوب العربية والإسلامية بل كانت أقسى من نكسة 1967م، ودخلت القضية الإسلامية الأم (فلسطين) برمتها في سبات عميق إلى أن جاءت الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني في العام 1979م.

الثورة / محمد إبراهيم

مفارقات الزمن
مما سبق عرضه يتجلى أنه من المفارقات اللافتة لمسار الأحداث الماضوية الموصلة بفلسطين أن اليوم العالمي للقدس تأخر كثيرا عن تلك المحطات التاريخية القاسية على ذاكرة الأمة الإسلامية، وكان من المفترض أن يطلق يوم القدس في الخمسينات أو الستينيات أو ما قبل ذلك، لكن ذلك لم يكن بسبب انشغال العرب بصراعاتهم وموالاتهم للقوى الاستعمارية الدولية التي تسعى علانية لتوطين اليهود في فلسطين وزرع الكيان الغاصب في قلب الأمة العربية والإسلامية، ليس بخطوات إجرائية جلبت اليهود من أنحاء العالم فلسطين وبنت لهم المستوطنات في الأراضي الفلسطينية فحسب، بل وبتثبيت أنظمة حاكمية عربية وإسلامية في المنطقة وبالأخص في الخليج موالية لتلك القوى الاستعمارية وموالية لهذا الكيان ولكن وفق انفصام جوهري بين الخطابات السياسية والسلوك على الأرض الخادم لنشوء دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.

الانطلاق والتحديات
في يوم 7 / 8 / 1979م الذي صادف آخر جمعة من شهر رمضان المبارك أعلن قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني -رحمه الله- يوم القدس العالمي الذي تناغم مع غضب الشعوب الإسلامية في كل أنحاء العالم إزاء القضية الفلسطينية، كمناسبة للتضامن يتوجه خلالها أحرار العالم بقلوبهم وعقولهم نحو القدس..
ومن المؤكد أن اليوم العالمي للقدس الذي يعد إحدى النتائج التاريخية للثورة الإسلامية الإيرانية ارتبط – حسب ما أشار إليه الدكتور عابد الزريعي في دراسته الموسومة بـ: (يوم القدس العالمي “المرتكزات والتحديات والمهام”)- بمجموعة من الدلالات ذات الطابع الديني الإسلامي المتعلقة بشهر رمضان الكريم، ورمزية يوم الجمعة وليلة القدر، إلا أن مضامينها ومعانيها تنضوي على أبعاد كونية وعالمية وإنسانية عامة، يمكن تلمسها من خلال الطيف الإنساني الواسع والمتعدد الذي يحتفي بالمناسبة وينخرط في إحياء فعالياتها، مؤكدا أن المسار التاريخي قد أنتج للأحداث في تقاطعه وتفاعله مع مضامين دعوة الإمام الخميني، المتجسدة فيما صدر عنه من أقوال حول يوم القدس، حزمة من ثوابت مرتكزات الوعي بالقضية الفلسطينية، والوعي التاريخي بيوم القدس العالمي بوصفه أحد تجليات الرد الاستراتيجي الإقليمي الذي مثلته الثورة الإيرانية، على عملية الاختراق الكبرى التي حققتها إسرائيل بإخراجها مصر من جبهة الصراع عبر الاتفاقيات المذكورة آنفا.
ولم يكن طريق اليوم العالمي سهلاً وميسراً بل واجه تحديات تاريخية تمثل أكثرها تعقيدا في الحرب العراقية الإيرانية تحت ذريعة الصراع العربي الفارسي التي ليست سوى من صياغة العقل السياسي الأمريكي.

الخميني والقضية الفلسطينية
قال الإمام الخميني في إطلاق اليوم العالمي للقدس لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية عام 1979م: أدعو جميع المسلمين في العالم إلى أن يعلنوا آخر جمعة من شهر رمضان المبارك ــ وهو من أيام القدر ويمكن أن يقرر قدر الشعب الفلسطيني ــ يوماً للقدس، وأن يعلنوا خلاله عبر المراسم الخاصة، عن تلاحم الأمة الإسلامية في الدفاع عن الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني المسلم.. مؤكدا أن يوم القدس، يوم عالمي، وليس يوماً يخصّ القدس فقط، بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين، يوم مواجهة الشعوب التي رزحت تحت ضغط الظلم الأمريكي وغير الأمريكي، يوم يجب فيه أن يستعد المستضعفون لمواجهة المستكبرين ويمرغونهم في التراب.
وأضاف الخميني – رحمه الله – إنّه اليوم الذي يجب أن نخلّص فيه جميع المستضعفين من قيود المستكبرين، يوم يجب أن يُظهر المجتمع الإسلامي شخصيته فيه ويهدّدوا القوى العظمى وعملاءهم المتبقّين في إيران أو سائر البلدان.. مشددا على وجوب أن نعلن لجميع القوى الكبرى في يوم القدس أن يرفعوا أيديهم عن المستضعفين وتلزم أماكنها، إنَّ إسرائيل عدوة البشرية وعدوة الإنسان، في كل يوم تخلق فاجعة وتحرق إخواننا في جنوب لبنان.
وبالنظر إلى جوهر القضية الإسلامية الأم (فلسطين) في فكر وأدبيات الإمام الخميني – رحمه الله – نجد أن تجذر الروح الحقيقية للأمة الإسلامية المقاومة لقوى البغي والاستكبار والمعلية لكلمة الله والرافضة لكل أصناف وأشكال المولاة لأعداء الله، وهي قيم أصيلة كانت في أوجها في خطابات الإمام الخميني بل وفي سلوكه العملي، ولم تزل حية حتى اللحظة، والدليل على ذلك التفاعل الإسلامي الواسع مع يوم القدس العالمي.. وهذا يؤكد ما ذهب إليه الدارسون والباحثون، من أن الإمام الخميني أعاد قضية القدس إلى الواجهة في عام 1979م بعد عقود من الخطر المحدق بالأقصى .

دلالات الحاضر
فعاليات يوم القدس العالمي هذا العام، تكتسب دلالات استثنائية ومفصلية وأهمية كبيرة كونه تزامن مع انتشار فيروس كورونا الذي ستجد فيه الأنظمة القمعية والموالية لقوى الاستعمار والاستكبار فرصتها في حظر التجمهر في هذا اليوم العالمي، لكن الأهم في هذه الفعاليات أن تدرك الشعوب الإسلامية أن المرحلة الراهنة تقتضي مضاعفة الجهود وحشد العزائم الإسلامية لدى الشعوب في مواجهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية عبر ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة ومنطقة الأغوار وإعلان سيادته على هذه المناطق في إطار تنفيذ ما يسمى “صفقة القرن” الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية والتي بدأ تنفيذ المرحلة الأولى منها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وذلك في وقت تتعرض فيه المدينة المقدسة لعملية تهويد شاملة عبر تهجير الفلسطينيين وهدم منازلهم وطمس المعالم الإسلامية والمسيحية في القدس واستبدالها بالبؤر الاستيطانية.
ويرى المراقبون والمحللون في الدول العربية والإسلامية أن الأهمية القصوى هذا العام لفعالية اليوم العالمي للقدس ، تأتي في ظل تهافت الأنظمة العربية العلني نحو تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الكيان الصهيوني المحتل، مؤكدين أن التطبيع خنجر سام طعن في خاصرة الأمة الإسلامية رغم أن الجديد فيه هو خروجه إلى العلن، وأن الأنظمة المطبعة لن تجني غير الخزي والعار، والموقف الأمريكي المعلن تجاه تصريحات تلك الأنظمة، بأن القضية الفلسطينية ستكون هي المستفيد من التطبيع، خير دليل على هذا الخزي الفاضح..
وتاليا لما سبق لم أجد من تعبير يبيِّن عن الواقع العربي المتشظي في هذا اليوم العالمي لقضية المسلمين الأولى وهي قضية القدس سوى صرخة البراءة التي أطلقها نزار قباني في قصيدته مذكرات عاشق دمشقي:
دمشـق، يا كنز أحلامي ومروحتي
أشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟
سقـوا فلسطـين أحلاماً ملونةً
وأطعموها سخيف القول والخطبا
أيا فلسطين.. من يهديك زنبقةً ؟
ومن يعيد لك البيت الذي خربا؟
شردت فوق رصيف الدمع باحثةً
عن الحنان، ولكن ما وجدت أبا..
تلفـتي… تجـدينا في مـباذلنا
من يعبد الجنس، أو من يعبد الذهبا
وواحدٌ ببحـار النفـط مغتسـلٌ
قد ضاق بالخيش ثوباً فارتدى القصبا
وواحـدٌ نرجسـيٌ في سـريرته
وواحـدٌ من دم الأحرار قد شربا
إن كان من ذبحوا التاريخ هم نسبي
على العصـور.. فإني أرفض النسبا

قد يعجبك ايضا