أكثر من أربعين عاماً على إعلان يوم القدس العالمي

الشهيد القائد: «الإمام الخميني فهم عمق المشكلة وواقعها وقدم الرؤية العملية لحلها»

يوم القدس هو المدخل الصحيح لانتصار الأُمَّـة على الاستكبار الغربي والكيان الصهيوني
لو صبَّ كل واحد من المسلمين دلواً من الماء على إسرائيل لجرفها السيل لكنهم يقفون عاجزين

على نحو من المسؤولية الدينية والأخلاقية يخرج ملايين المسلمين حول العالم، في تعبير واحد ضد استمرار سلب القدس من قبل الكيان الصهيوني، وتأكيداً على استمرار شغل القضية كأولوية للأمة الإسلامية أينما كانوا.
الخروج الذي تحددت مناسبته في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، صار التعارف عليه بـ«يوم القدس العالمي» والذي يقف خلفه الإمام الخميني، حين دعا إليه قبل أربعين عاماً، وفشلت المحاولات الاستعمارية في وأده وصرف الناس عنه، وإنما كان دائماً يزيد حضوراً في وجدان الأمهات الإسلامية باعتباره يرتبط بجانب مقدس من عقيدتهم.
الثورة / وديع العبسي


بعد ستة أشهر فقط من تفجر الثورة الإيرانية عام 1979م ضد نظام الشاه، ظهر الإمام الخميني على الملأ، ليؤكد على فكرة وهدف وغاية الثورة الإيرانية باعتبارها ثورة المستضعفين ضد قوى الاستكبار والطغيان.
حينها أطلق الإمام الخميني بيانه الصاعق لنصرة القدس الشريف والقضية الفلسطينية واستئصال «الغدة السكانية» التي قصد بها الكيان الصهيوني، وهو البيان الذي دعا فيه لجعل يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك في كل عام يوما عالميا من أجل القدس.
بتاريخ 13 رمضان 1399هـ، الموافق 7 أغسطس 1979م، أعلن بيانه على الملأ، طالب فيه باعتبار آخر جمعة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس، ودعا إلى إحيائه وتخصيصه لخلق الوعي في صفوف المسلمين، وتهيئة أنفسهم ليكونوا بمستوى المواجهة لأعدائهم، وجاء في مضمونه:
«إنني أدعو المسلمين في جميع أنحاء العالم لتكريس يوم الجمعة الأخيرة من هذا الشهر الفضيل من شهر رمضان المبارك ليكون يوم القدس، وإعلان التضامن الدولي من المسلمين في دعم الحقوق المشروعة للشعب المسلم في فلسطين، لسنوات عديدة، قمت بتحذير المسلمين من الخطر الذي تشكله إسرائيل الغاصبة والتي اليوم تكثف هجماتها الوحشية ضد الإخوة والأخوات الفلسطينيين، والتي هي، في جنوب لبنان على وجه الخصوص، مستمرة في قصف منازل الفلسطينيين على أمل سحق النضال الفلسطيني. وأطلب من جميع المسلمين في العالم والحكومات الإسلامية العمل معا لقطع يد هذه الغاصبة ومؤيديها، وإنني أدعو جميع المسلمين في العالم لتحديد واختيار الجمعة الأخيرة في شهر رمضان الكريم – الذي هو في حد ذاته فترة محددة يمكن أيضاً أن يكون العامل المحدد لمصير الشعب الفلسطيني – وتسميتها بيوم القدس العالمي وذلك خلال حفل يدل على تضامن المسلمين في جميع أنحاء العالم، تعلن تأييدها للحقوق المشروعة للشعب المسلم. أسأل الله العلي القدير أن ينصر المسلمين على الكافرين».
انتصر الإمام الخميني بذلك إذن للقضية الأم للأمة العربية والإسلامية وخرج بما لم يجرؤ أحد على تبنيه كمسار عمل لتحرير الأراضي المغتصبة، أراد الإمام الخميني أن يكون يوم القدس العالمي يوماً للمظاهرات والتعبئة العامة للمسلمين ضد الصهيونية العالمية والكيان الإسرائيلي، ولإحياء العداء ضد هذا الكيان الغاصب للأراضي العربية الإسلامية المقدسة، والمضطهِد للناس بجبروته وبطشه وقتله لنساء والأطفال، ومن ورائه أمريكا وأعوانها في المنطقة، جعله يوما لإعلان المسلمين انزعاجهم من الغاصبين للقدس الشريف، وإدانتهم لسياسات الكيان الصهيوني في تهويد القدس الشريف والمسجد الأقصى.
وبعد بضعة أيام من إصداره لهذه الدعوة الإمام الراحل يلتقي في مدينة قم المقدسة بحشد من مختلف شرائح الشعب الإيراني وألقى فيهم خطبة شرح من خلالها أبعاد (اليوم العالمي للقدس)، مؤكدا على أن باستطاعة إيران والعرب إذا وقفوا جميعاً يداً واحدة أن يضربوا إسرائيل وأن ينهوا وجود هذا الكيان الغاصب.
الإمام الخميني بحسب الشهيد حسين “فهم عمق المشكلة وواقعها، وفي نفس الوقت قدم الرؤية العملية لحل هذه المشكلة”، وهم الشعوب العربية والإسلامية.
يقول الكاتب والمحلل محمد ناجي احمد «لم تستجب الحكوماتُ العربية لدعوة الإمام الخميني في إحياء يوم القدس العالمي ليكون يوم تحشيد وتعبئة وجهاد، لكن هذا اليوم تحول إلى فعل شعبي جهادي، فإحياء هذا اليوم هو عمل جهادي وعبادي بحسب تعبير الشهيد حسين، أي أنه يوم تحرري في المعتقد وفي العمل.»
ويقول «من هنا يصبح إحياء يوم القدس العالمي الذي نادى به الإمام الخميني هو المدخل الصحيح لانتصار الأُمَّـة على الاستكبار الغربي والكيان الصهيوني.»

الإعلان.. نقاط مضيئة
وكان مما سجل لهذا الإعلان من النقاط وفق ما جاء في خطبة الإمام الخميني: انه جاء بعد ستة أشهر من عودة الإمام الخميني التاريخية إلى إيران وبعد أربعة أشهر من قيام الجمهورية الإسلامية أي في يوليو «تموز» من العام 1979م مما يؤكد على مدى حضور هذه القضية وعلى حيّز الأولوية الذي شغلته في فكر الإمام.
– إن هذا اليوم، لم يكن خاصاً بالمسلمين، بل يوماً عالمياً، ولعل في ذلك إشارة إلى إعطاء الإمام للقضية بعدها العالمي، كنموذج للصراع بين الحق والباطل، وهذا ما عبَّر عنه الإمام الخميني والذي يتضح من دلالات يوم القدس.
– إن إعلان اليوم حدث في شهر رمضان، وهو شهر الوحدة بين المسلمين، الذين يلبي أكثرهم نداء الحق ويحلوا في ضيافة الرحمن متوجهين نحوه بالدعاء والابتهال، موطّنين أنفسهم على القيام بالواجب وترك المحرم، وعلى القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما إن شهر رمضان يمثل بالنسبة للمسلمين شهر الجهاد والانتصار، ففي شهر رمضان كان فتح مكة الذي عبّر الله سبحانه وتعالى عنه بقوله « إذا جاء نصر الله والفتح « فشهر رمضان موسم النصر والفتح.
– دلالة ورمزية يوم الجمعة الذي هو عيدٌ للمسلمين جميعاً، يتوجهون فيه إلى بيوت الله تعالى لإقامة الجماعة وأداء الجمعة، في حالة من الخشوع والتقرب إلى الله، وفي حالة من الوحدة والألفة بين المسلمين والمؤمنين.
– رمزية اليوم مع التوقيت (الجمعة الأخيرة من شهر رمضان)، حيث أن هذه الأيام الأخيرة وخصوصاً أيام الجمعة منها لها خصوصيات عبادية هامة، فهي الأيام التي تختصر خيرات الشهر، وفي إحدى لياليها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

دلالات وأبعاد اليوم
وتمثلت دلالات وأبعاد اليوم القدس العالمي في ثلاثة منطلقات هي:
المنطلق الأول: إنه يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين بصبغة عالمية، وله علاقة بالصراع بين الخير والشر، وعمليا بين محور الشر المتمثل بالمستكبرين ومحور الخير الذي يجسده المستضعفون.
يقول الإمام الخميني: «يوم القدس يوم عالمي، ليس فقط يوماً خاصاً بالقدس، انه يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين»، ويقول: «إنه يوم مواجهة الشعوب التي عانت من ظلم أمريكا وغيرها للقوى الكبرى».
ويضيف: «إنه اليوم الذي يجب أن يتجهّز فيه المستضعفون في مقابل المستكبرين ليمرغوا أنوف المستكبرين في التراب».
كما اعتبر الإمام الخميني هذا اليوم، يومتً يجب فيه توجيه التحذير لكل القوى الكبرى بوجوب رفع يدها عن المستضعفين، ويوم تثبيت حق المستضعفين في الوجود والحياة والحضور والتأثير على ساحة وميدان الحياة الدنيا:
حيث يقول الإمام الخميني قدّس سره: «يوم القدس، يوم يجب أن تتحدد فيه مصائر الشعوب المستضعفة، يوم يجب فيه أن تعلن الشعوب المستضعفة عن وجودها في مقابل المستكبرين».
ويؤكد الإمام على أن «يوم القدس يوم يجب أن نخلّص فيه كل المستضعفين من مخالب المستكبرين، يوم يجب أن تعلن كل المجتمعات الإسلامية عن وجودها وتطلق التحذيرات إلى القوى الكبرى».
كما يرى أن يوم القدس، محطة ومناسبة لتجميع المستضعفين وتوحيد كلمتهم بما يمكن أن يؤسس لحزب المستضعفين.. حيث يقول الإمام الخميني: «لقد كان يوم القدس يوماً إسلامياً، ويوماً للتعبئة الإسلامية العامة، وآمل أن يكون هذا الأمر مقدمة لتأسيس حزب للمستضعفين في كل أنحاء العالم، وأتمنى أن يظهر حزب باسم المستضعفين في العالم».
المنطلق الثاني: أن يوم القدس هو يوم الإسلام فبعد رمزيته العالمية والإنسانية، تأتي الرمزية الدينية للقدس، كتعبير عن مكانة الإسلام كدين الهي يريد أن يصلح العالم وان يرفع الظلم ويقيم العدل، والقدس هي أحد الرموز الفعلية لذلك، إلى جانب وما يدلل عليه عملية إحيائها وتحريرها كعملية لإحياء الدين وإقامته ونشره.. يقول الإمام الخميني: «يوم القدس، يوم الإسلام، يوم القدس، يوم يجب فيه إحياء الإسلام وتطبيق قوانينه في الدول الإسلامية، يوم القدس، يجب ان تحذر فيه كل القوى من إن الإسلام لن يقع بعد الآن تحت سيطرتهم وبواسطة عملائهم الخبثاء»… ويقول: «يوم القدس، يوم حياة الإنسان، يجب أن يصحو جميع المسلمين وان يدركوا مدى القدرة التي يمتلكونها سواء المادية منها أم المعنوية».
كما يعتبر الإمام الخميني، يوم القدس يوماً للإسلام ويوماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوم يجب أن نجهّز فيه كل قوانا لإخراج المسلمين من العزلة.
المنطلق الثالث: أنه يوم الالتزام ونفي النفاق: كبعد تطبيقي ليوم القدس، الذي يجسّد حقيقة الالتزام بالإسلام، وواقع الانتهاج بنهجه، والاستنان بسنته والاحتكام إلى تشريعاته، بحيث إن هذا اليوم هو المميز بين المسلمين من غير المسلمين، أو بالأحرى هو الذي يميّز المؤمنين عن المنافقين.
يقول الإمام الخميني: «انه اليوم أي يوم القدس الذي سيكون مميزاً بين المنافقين والكثيرين فالملتزمون يعتبرون هذا اليوم، يوماً للقدس ويعملون ما ينبغي عليهم، أما المنافقون فإنهم في هذا اليوم غير آبهين أو إنهم يمنعون الشعوب من إقامة التظاهرات»، ويقول أيضا: «أن الذين لا يحيون مراسم يوم القدس هم مخالفون للإسلام وموافقون للصهيونية».

ثلاث رسائل
وتذهب بعض التحليلات إلى أنه في مبادرة الإمام الخميني هناك ثلاث رسائل مهمة، هي:
1- أن القدس بما يحظى به من المكانة الرفيعة لدى المسلمين كافة، يعتبر رمزاً لوحدة‌ المسلمين، ويمكن رفع القدس شعاراً للوحدة الإسلامية.
2- أن القضية الفلسطينية، قضية المسلمين، وليس فقط قضية شعب فلسطين، الذي اُحتُلَّت أرضه وشُرِّد من بيته وأُغتُصِب حقه، وأيضاً ليس فقط قضية‌ العرب باعتبار الشعب الفلسطيني جزءا من القومية العربية.
3- أن الحل للقضية‌ الفلسطينية لا يأتي إلاّ من خلال وحدة المسلمين وتركيز جهودهم لاسترجاع حقوق الفلسطينيين المسلوبة.
وفي البعد السلوكي بقوامه الإسلامي ليوم القدس ولما ينبغي أن يكون عليه المسلمون تجاه بعضهم كما جاء للإمام الخميني انه يوم يجب أن تلتفت فيه كل الشعوب المسلمة إلى بعضها، وان يجتهدوا في إحياء هذا اليوم «فلو انطلقت الضجة من كل الشعوب الإسلامية في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك الذي هو يوم القدس لو نهضت كل الشعوب وقامت بنفس هذا التظاهرات ونفس هذه المسيرات، فإن هذا الأمر سيكون مقدمة إن شاء الله للوقوف بوجه هؤلاء المفسدين والقضاء عليهم في جميع أرجاء بلاد الإسلام».

يوم المستضعفين
إحياء يوم القدس العالمي يعني أن تظل القضية الفلسطينية حية في نفوس الشعوب العربية والإسلامية، وأن تتحَـرّك الأُمَّـة شعبياً لتحرير فلسطين، واجتثاث العدو الإسرائيلي.»
وقد اخرج يوم القدس العالمي القضية الفلسطينية من إطارها القومي وأضفى عليها بعداً إسلامياً وعالمياً.. فكما هو واضح إن الكيان الصهيوني كان يحرص دائماً على إظهار الصراع وكأنه صراع عربي – إسرائيلي. غير أنه ومع إعلان الإمام الخميني بوصفه شخصية علمية ودينية بارزة على صعيد العالم الإسلامي، عن هذا اليوم نُفخت روح جديدة في الجانب الإسلامي المنسي والمحتضر من النضال ضد إسرائيل، وقد أدى ذلك إلى أن يفكر المناضلون الفلسطينيون بالخيار الإسلامي وبخيار المقاومة بدلاً من خيارات التوجه اليساري والقومي وحتى التوجه إلى الغرب وخيار المساومة.
لم يطلق الإمام الخميني هذا اليوم باعتباره يعني الفلسطينيين فقط وإنما كل الأمم المستضعفة، ولذلك يقول: إن «يوم القدس يوم عالمي، ليس فقط يوما خاصا بالقدس، وإنما يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين ويوم مواجهة الشعوب التي عانت من ظلم أمريكا وغيرها، للقوى الكبرى.. انه اليوم الذي سيكون مميِّزا بين المنافقين والملتزمين، الذين يعتبرون هذا اليوم، يوما للقدس ويعملون ما ينبغي عليهم، أما المنافقون، هؤلاء الذين يقيمون العلاقات مع القوى الكبرى خلف الكواليس، والذين هم أصدقاء لـ «إسرائيل»، فإنهم في هذا اليوم غير آبهين؛ بل ويمنعون الشعوب من إقامة التظاهرات».
وما قاله أيضا في شرحه لبيان يوم القدس العالمي «إن يوم القدس هو يوم عالمي، لا يختص بالقدس، بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين، إنه يوم مواجهة الشعوب، التي رزحت طويلاً تحت نيران الظلم الأمريكي وغير الأمريكي، للقوى العظمى، يوم يجب أن يستعد فيه المستضعفون لمواجهة المستكبرين، وتمريغ أنوفهم في الوحل.
إنه يوم الفصل بين المنافقين والملتزمين… الملتزمون يتخذون هذا اليوم « يوماً للقدس «، ويحرصون على تكريمه، أما المنافقون، الذين يرتبطون بالقوى العظمى من وراء الستار، ويعقدون أواصر الصداقة مع إسرائيل، سيتجاهلون هذا اليوم، بل وسيصدون الشعوب عن الاحتفاء به.
وقال الإمام الخميني: إن يوم القدس، هو يوم يجب أن يتقرر فيه مصير الشعوب المستضعفة، وأن تعلن فيه الشعوب المستضعفة عن وجودها أمام المستكبرين، وأنه يوم يجب فيه أن نشد العزم ونعمل بجدٍ ونسعى جميعاً لإنقاذ القدس. وإنقاذ إخوتنا في لبنان من الظلم الذي حل بهم.
وإحياء هذا اليوم يتجاوز التعبير عن الرفضٍ فقط للصهيونية ولهيمنتها ولتسلطها، أو استنكار الظلم الناتج عن احتلال القدس، ومشروع تهويدها، إنما الأمر يتعدى كل ذلك إلى التحرك والنزول الملاييني إلى الشارع والتعبير العملي عن هذا الاستنكار والرفض للصهيونية وللاستكبار مع الهتاف للأقصى والقدس والدعوة لتحريرها، إلى جانب تجسيد مشهد واقعي عملي يعكس ويكرس الوحدة الإسلامية لتبقي القدس حاضرة وحية في عقول المسلمين وفي توجهاتهم.
وقال الإمام الخميني في العام 1980م «نسأل الله أن يوفقنا يوما للذهاب إلى القدس، والصلاة فيها إن شاء الله، وآمل أن يعتبر المسلمون يوم القدس، يوماً كبيراً، وأن يقيموا المظاهرات في كل الدول الإسلامية، في يوم القدس، وأن يعقدوا المجالس والمحافل، ويرددوا النداء في المساجد، وعندما يصرخ مليار مسلم، فإن «إسرائيل» ستشعر بالعجز، وتخاف من مجرد ذلك النداء».

المشكلة والحل
وفي تحليله لمشكلة هذا العجز في استعادة القدس أو تسجيل موقف مؤثر في مسار الانتصار للقضية يرى الإمام الخميني انه لو اتحد المسلمون لاستطاعوا إغراق إسرائيل، فيما لو تولى كل واحد منهم قذفها بسطل من الماء… محددا بذلك المشكلة بأنها في فرقة المسلمين، ورغم معرفتهم هذه الحقيقة إلا أنهم لم يتجهوا إلى علاجها المتمثل بالاتحاد والاتفاق فيما بينهم.
يقول الإمام الخميني «ثمة أمر يحيرني، وهو أنَّ الدول الإسلامية والشعوب المسلمة تُشخِّص الداء جيداً وتعلم أنَّ للأجانب دوراً كبيراً في إشاعة التفرقة بينهم، كما أنها تدرك أنَّ نتيجة هذه التفرقة ليس غير ضعفهم وزوالهم، وهي ترى أنَّ دولة خاوية كإسرائيل تقف في مقابل المسلمين، الذين لو اجتمعوا وصبَّ كل واحد منهم دلواً من الماء على إسرائيل لجرفها السيل، ولكنهم مع ذلك يقفون عاجزين أمامها.. منذ ما يقارب العشرين عاماً وأنا أوصي البلدان العربية بالوحدة والقضاء على جرثومة الفساد هذه، فإذا ما توفرت لإسرائيل القدرة لن تكتفي ببيت المقدس، ومما يؤسف له أنَّ النصيحة لا تجدي مع هؤلاء.. إنني أسال الله أن يوقظ المسلمين».
في العام ١٩٨١م وفي الأول من أغسطس وبمناسبة يوم القدس العالمي حمَّل الإمام الخميني حكومات الشعوب العربية والإسلامية مسؤولية هذه الوضعية التي عليها شعوبها، فخاطب الحكومات كما خاطب الشعوب، داعيا إلى التفكير في جذور المشاكل التي تعم المسلمين وإيجاد الحلول اللازمة لها، وقال «لماذا ظل المسلمون في أنحاء العالم، يرزحون تحت سطوة الحكومات والقوى الكبرى؟ ما هو السبيل للحل الموضوعي لهذه المشكلة؟ أين يكمن سر قدرة المسلمين في التغلب على هذه المشاكل؟ لتتحرر بالتالي القدس وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين.
وقال «إن مشكلة المسلمين الأساسية تكمن في الحكومات المسيطرة على مقدراتهم، إنها الحكومات التي أدت بالمسلمين إلى هذا الوضع الذي هم عليه الآن، إن مشكلة المسلمين لا تكمن في الشعوب، إذ أنها قادرة على حل مشاكلها بفطرتها الذاتية.. وإنما تكمن في الحكومات المتسلطة على رقابهم».
وأضاف «لو تمعنتم النظر في أنحاء الأقطار الإسلامية، قلما تجدون بقعة فيها لم تكن مشاكل أبنائها بسبب حكوماتهم. إنها الحكومات التي أوجدت المشاكل لنا ولجميع المسلمين، وذلك بخضوعها وعمالتها لقوى الشرق أو الغرب، وليس بمقدور المسلمين أن يتخلصوا من مشاكلهم دون أن يزيلوا من أمامهم هذه العقبة الكؤود.»
وفي الـ٧ من يونيو من عام ١٩٨٢م ومع التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان، عاد الإمام الخميني ليخاطب حكومات البلدان الإسلامية بالقول «إننا نكرر مرة أخرى، توجيه حديثنا للحكومات الإسلامية، وبالأخص حكومات المنطقة، ونطالبهم بأن ينهضوا، من أجل حفظ شرف وكرامة وأرواح وأموال الشعوب المسلمة، وأن يتحدوا معنا ومع سوريا وفلسطين للدفاع عن عزة وشرف الإسلام والعرب، لقطع الأيادي الأثيمة، وإبعادها عن بلادهم الغنية وإلى الأبد، وأن لا تفوت الفرصة المتاحة الآن للقيام بذلك، فلن ينفع الندم غداً.
في هذا السياق كان الإمام الخميني قد خاطب مبكرا المسلمين، كان ذلك بعد أيام فقط من إطلاقه لبيان اليوم العالمي للقدس، وقال حينها :»أيها السلمون في العالم، وأيها المستضعفون الثائرون، وأيها البحر اللا متناهي من البشر: انهضوا ودافعوا عن كيانكم الإسلامي والوطني، إن إسرائيل اغتصبت القدس من المسلمين، وقد تساهلت تجاهها الحكومات، وكما يبدو من بعض العلامات الظاهرة في الوقت الحاضر، فإن أمريكا تريد الاستيلاء على المسجد الحرام ومسجد النبي، وبواسطة صنيعتها الفاسدة إسرائيل، ورغم كل ذلك فلا زال المسلمون يلفهم الصمت، بل ويتفرجون على كل ما يجري دون أدنى اهتمام.
كما كان الإمام الخميني يدرك أن الهالة التي رسمت عن الغرب وأمريكا في نفوس المسلمين هي من تقف خلف هذا الشعور بالضعف والتردد عن تجاوز التمني إلى التحرك والفعل.. ففي الـ ١٧ من سبتمبر عام ١٩٨١م أطلق تساؤله الذي يحمل الكثير من الاستنكار والذي جاء ضمن خطاب بمناسبة أسبوع الحرب المفروضة وفيه قال: «إلى متى تبقى أساطير الشرق والغرب الكاذبة تسحر المسلمين الأقوياء، وتجعلهم يهابون أبواقهم الدعائية الجوفاء؟ إلى متى يظل المسلمون غافلين عن قدرة الإسلام العظيمة؟».

مشروع الشهيد القائد
في فكر الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي كانت القضية الفلسطينية بقدسها وأقصاها وأراضي المستضعفين فيها حاضرة بقوة كأبرز قضية الأمة وباعتبار التمسك بها والتوجهات لنصرتها مؤشراً على حياة الأمة في دينها وقيمها الإسلامية.. يقول القائد المؤسس: «إذا انتصرنا على أمريكا، وأمَتْنَا هيمنتها وجبروتها في قلوبنا وعقولنا فإن ذلك مدخلنا إلى الانتصار في حربنا المسلحة معها».
وقد مثّل الانتصار للقدس وتحريرَ فلسطين في فكر الشهيد القائد، محورَ النهوض والصحوة، والوعي بطبيعة العدو وأدواته وأساليبه.
وليس أدل على قوة هذا الحضور للقدس والقضية الفلسطينية في فكر الشهيد القائد من أن يفتتح مشروعه القرآني الثقافية بمحاضرة «يوم القدس العالمي» في ٢٨ رمضان ١٤٢٢ه‍.
حيث نبه الشهيد القائد في محاضرته تلك، من المخاطر التي تهدد القدس وفلسطين، بل ودق ناقوس الخطر وهو يقرأ معطيات تلك المرحلة في تحركات أمريكا وإسرائيل لتحجيم التفاعل مع القضية من قبل الأمتين العربية والإسلامية.
وركز الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي على ما يمكن اعتباره التوصيف الدقيق لسبب هزيمة العرب في مواجهة الكيان الصهيوني، والطريق الصحيح الذي بالسير عليه فإن النصر لا محالة قادم.
ويردّ الشهيد القائد سبب الهزيمة إلى ما كانت عليه عقيدةَ الجيوش التي كانت تحارب والتي كانت إما قومية أو اشتراكية أو بدافع النزعة الوطنية وتناسوا الجهادَ في سبيل الله والراية المنوطة اتباعها في قتال اليهود.
ويرى الشهيد القائد إلى أن المواجَهة مع دولة الكيان لا تتم إلّا بمنهاج رباني وضع من قبل الله عز وجل لمواجهة اليهود.
وقال “لن تكون مواجهة إسرائيل إلّا من خلال اتباع المنهج القُـرْآني الذي أرسى القواعد الأساسية لكيفية التعامل مع بني إسرائيل، فقد حذرنا سبحانه وتعالى من موالاة اليهود والنصارى لكونهم اشد خطرا على الأُمَّة”.

أحياء القضية
وفي قراءته لإعلان الإمام الخميني، استوعب الشهيد القائد الأبعاد الاستراتيجية للدعوة، والمدلولات والأبعاد، فانطلق مؤكدا على الحيوية المضمونة والغاية السامية التي ذهبت إليه في إحياء قيم الدين في نفوس المسلمين والتي يمثل اعتبار القضية الفلسطينية كأولوية لديهم مؤشراً على هذا الإحياء، ومن ثم التحرك العملي في اتجاه تحجيم العدو في نفوسهم ومواجهته بما يعتمل في نفوسهم ضد كخطوة على طريق انتزاع الأراضي من بين يديه.
كما أن الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي استوعب فكر ورؤى الإمام الخميني بموضوعية.. حيث يقول الشهيد القائد في ملزمته «يوم القدس العالمي»: «الإمام الخميني هو الشخص الذي عُرِف بجدّيته في مواجهة أعداء الإسلام كافةً، في مواجهة أمريكا وعدّها [الشيطان الأكبر]، واعتبرها وراء كل ما يلحق بالمسلمين من ذلٍ وإهانةٍ، وغير ذلك من الشرور.»
ويضيف «الإمام الخميني كان رجلاً يفهم المشكلة التي يعاني منها المسلمون، ويعرف الحل والمخرج لهذه الأمة مما تعاني منه، وبعد أن قال هو إنه قد يئس من أن تعمل حكومات المسلمين شيئاً اتجه إلى الشعوب نفسها، حيث طلب منها جميعاً أن تجعل هذا اليوم, آخر جمعة من شهر رمضان يوماً يسمى: [يوم القدس العالمي]؛ لتعرف الشعوب نفسها أنها تستطيع من خلال إحياء هذه القضية في مشاعرها، من خلال البحث عن الرؤى الصحيحة التي تحل هذه المشكلة, وترفع عن كاهلها هذه الطامة التي تعاني منها؛ لأن الشعوب هي نفسها المتضررة، أما الحكومات, أما الزعماء فهم غير متضررين، هم غير مكترثين, لا يهمهم ما يرونه بأم أعينهم من المعاناة في مختلف بقاع الدنيا لجميع المسلمين.»
الشهيد القائد أيضا قال «الإمام الخميني وقف موقفاً ثابتاً، موقفاً ثابتاً، ورؤيةً صحيحةً ثابتةً حدّية: أن فلسطين، أن البلاد العربية أن البلاد الإسلامية كلها لن تسلم من شر اليهود إلا باستئصالهم، والقضاء على كيانهم، أي شيء غير ذلك إنما هو ضياع للوقت، وإتاحة للفرصة أمام إسرائيل أن تتمكن أكثر وأكثر، حتى أنه قال « وفعلاً عندما يقول الإمام الخميني فالشواهد أثبتت أن رؤيته فعلاً واقعية في كثير من الأشياء.»

الشعوب لا الحكومات
وركز الشهيد القائد في محاضرته على أن الشعوب والأمم الإسلامية هي فقط من يعول عليها في إحياء هذه القضية باعتبار ذلك واجباً دينياً ومقدَّساً، وليس التعويل على الحكام والزعماء، وقال «لتعرف الشعوب نفسها أنها تستطيع من خلال إحياء هذه القضية في مشاعرها، من خلال البحث عن الرؤى الصحيحة التي تحل هذه المشكلة، وترفع عن كاهلها هذه الطامة التي تعاني منها؛ لأن الشعوبَ هي نفسها المتضررة، أما الحكومات، أما الزعماء فهم غير متضررين، هم غير مكترثين، لا يهمهم ما يرَونه بأُمّ أعينهم من المعاناة في مختلف بقاع الدنيا لجميع المسلمين».
ويأسف السيد حسين الحوثي من حالة التقهقر والمهانة التي عليها العرب والمسلمين أمام العدو اللدود الكيان الصهيوني الغاصب.. حيث يقول السيد حسين: «برز العرب أمام اليهود مستسلمين عاجزين، واستطاع اليهود ليس فقط أن يقهرونا عسكرياً بل أن يقهرونا اقتصادياً وثقافياً وإعلامياً، وفي مختلف المجالات، قهروا هذه الأُمَّـة وهم مجموعة بسيطة، مجموعة بسيطة استطاعوا أن يقهروا هذه الأُمَّـة، استطاعوا حتى أن يصنعوا ثقافتنا، أن يصنعوا حتى الرأي العام داخل هذه البلدان العربية, استطاعوا أن يجعلونا نسكُتَ عن كلمات هي مؤثرة عليهم، فتسكت عنها كُلّ وسائلنا الإعلامية، استطاعوا بأساليب رهيبة جداً».
وفي ابسط أشكال الضعف عن مواجهة العدو الصهيوني، العجز عن المواجهة الإعلامية، إذ يؤكد الشهيدُ القائدُ حسين بدرالدين الحوثي أن الإعلامَ العربيَّ الحكوميَّ لم يخلق أي رأي عالمي أو محلي يُعادِي الكيانَ الغاصِبَ، ويضيف: «وأقول وأؤكد أنها غبيةٌ فعلاً وعاجزة فعلاً عن أن تواجه اليهود حتى في المجال الإعلامي وحده، كم يملك العرب من محطات التلفزيون والقنوات الفضائية؟ هل استطاعوا أن يخلقوا رأياً عالمياً مضاداً لإسرائيل؟ لا».

الحالة منذ خمسين سنة
وامتدادا للطرح بقدرة المسلمين مواجهة الكيان الصهيوني الغاصب وهو الطائفة الصغيرةن يؤكد الشهيد القائد أنها طائفة “ضعيفة في ميدان المواجهة، طائفة ضربت عليها الذلة والمسكنة، وباءت بغضب من الله استطاعت أن تقهر هذه الأمة، أن تقهر العرب، أولئك الذين لم يكونوا يسمحون لأنفسهم أن يقهروا أمام بعضهم بعض وهم ما زالوا قبائل أعراباً في نفوسهم الإباء، نفوس كبيرة فيها الإباء، فيها النجدة، فيها الشجاعة، يموت الفرد منهم من أجل كلمة واحدة، يُقتل ولا يبالي، أقوياء في ميدان القتال”.
فيما العرب حسب الشهيد القائد “معروفون بقوتهم في ميدان القتال يبرز فيهم أبطال كثيرون جداً ولكنهم قُهروا أمام من حكى الله عنهم أنهم ضعاف، وأنهم لو اتجهوا لقتالنا لما صمدوا، لضعفوا، لتفرقوا”.
لكنهم – أي العرب -”هم الذين أوصلوا أنفسهم إلى هذه الحالة، إلى هذه الذلة، إلى هذا الخزي؛ لأنهم ضيعوا أشياء كثيرة، ضيعوا فرصاً عظيمة”.
ويتساءل الشهيد القائد: “فلماذا وصل الأمر إلى هذا الحال؟ ثم لماذا تبقى هذه الحالة قائمة منذ خمسين سنة؟ منذ خمسين سنة ونحن إلى الآن لا نرى توجهاً عملياً لإخراج الأمة من هذه الحالة السيئة بدلاً من أن يصبحوا أذلاء أمام الذين قد ضربت عليهم الذلة، وأن يصبحوا جبناء مستسلمين أمام من هم جبناء في ميدان القتال، فبماذا وصل اليهود إلى هذا الشيء؟ وكيف عملوا حتى أوصلونا إلى هذه الحالة؟ وعن طريق من؟”.
ويؤكد الشهيد القائد قائلاً: “ولو رجع المسلمون إلى القرآن الكريم لعرفوا أن لله سبحانه وتعالى قد هداهم إلى هذا الشيء ولكنهم أعرضوا عنه فأصبحت هذه الحالة سائدة، وأصبحوا يعانون من هزيمةٍ نفسية ثابتة مستقرة لا يرون منها مفراً ولا مخرجاً.”
وقال: “لو يرجع المسلمون في مواجهتهم للغرب ولليهود إلى [غزوة تبوك] وحدها في السيرة، وإلى [سورة التوبة] التي تحدثت عن هذه الغزوة لكانت وحدها كافية لأن يأخذ المسلمون منها دروساً كافية في معرفة مواجهة اليهود, ودول الغرب بكلها”.

تقرأون في الملف :

عدد من القيادات الحزبية والسياسيين والمسؤولين لـ(الثورة):يوم القدس العالمي أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة

 

رغم العدوان والحصار وتداعياتهما الكارثية:اليمنيون يحيون فعاليات يوم القدس العالمي بزخم جماهيري كبير

اليمن والقدس.. بوصلة الانتماء وواحدية الكفاح

علماء اليمن يتحدثون لـ “الثورة”: القضية الفلسطينية هي قضيتنا الأولى والمحورية وعامل من عوامل توحد الأمة

يوم القدس العالمي.. ومفارقات الماضي والحاضر

اعتداءات العصابات الصهيونية على المسلمين في القدس تنذر بثورة تقتلع الاحتلال

العالم العربي والإسلامي يحتفي بيوم القدس العالمي

قد يعجبك ايضا