21 سبتمبــر: كسـر الوصاية وصناعـةُ السيـادة

لقمـان عبـدالغني الأحمـدي

 

تأتـي ثـورةُ الحـادي والعشـريـن من سبتمبـر المبـاركـة لتسجّـل في أنصــعِ صفحـاتِ التاريـخِ اليمـانيِ الحديث نقطـةَ التحـول الجوهريـة التي نقلت اليمـنَ من مربـع التبعيـةِ المطلقـة ومصادرةِ القـرارِ الوطني والعيـش تحت وطأةِ الوصايةِ الخارجيـة، إلى رحابِ الحريةِ الحقيقيـة والسيـادةِ العمليـةِ المكتملة.

لم تكـن هـذه الثـورةُ وليـدةَ مصادفـة سياسيـة، ولا نتـاجَ تسوياتٍ خفيـة في كواليـس السفارات، بل كانـت انفجـاراً جماهيـرياً وعازمـاً نبـعَ من عمـقِ الهويـةِ الإيمانيـة للشعبِ اليمنـي حيـن استشعـر خطورةَ المسـارِ الذي كانت تُسـاقُ إليـه البـلاد، حيث كانت القـراراتُ تُملىٰ من الخـارج، وكانـت مقدرات الوطـنِ وثرواته صيـداً سهـلاً لقـوى الاستكبـارِ ووكلائهـا المحلييـن الذيـن ارتضـوا الارتهـانَ وشـراءَ الذمـم علىٰ حسابِ كرامـةِ أمتهـم ووطنهـم.

فجـاءت الثـورةُ كضـرورةٍ إيمانيـة ووطنيـة حتميـة لإسقاطِ سلطـة “الريموت كنتـرول” الخارجـي، وتطهيـرِ المؤسساتِ الوطنية من عناصرِ الخيانة والفسـادِ والارتهـان، مؤكـدةً للعالـمِ أجمـع أنَّ تحريـر القـرارِ السيادي هو اللبنةُ الأولى والأساس الصلب الذي لا يمكـنُ بدونه بنـاءُ دولة قويـة، ولا صـونُ كرامـة المواطـن، ولا حمايةُ مقدراتِ الأُمّـة.

إنّ القطيعـةَ التامـة مـع زمنِ التبعيـة لم تكـن مجـرد قـرارٍ سياسي، بل كانت تجسيداً لإرادةٍ شعبيـةٍ عارمـة أدركت أن الحيـاة تحـت مظلة الأوامـر الخارجيـة ليست سِـوى موتٍ بطيء وهوان دآئـم.

وفي قلبِ هذا التحـوّل التاريخـي، يبـرزُ المكتسب الأهـم لثورة 21 سبتمبـر والمتمثـلِ في إعادتهـا بنــاءَ القـواتِ المسلحـة اليمنيـة والأجهـزةِ الأمنيـة علىٰ أسس إيمانيـة صلبـة؛

فبعـدَ عقـود طويلة من إضعاف الجيـش، وتفكيكِ بنيته، وتعطيـلِ قدراته الدفاعيـة خدمة لمصالـح الغُـزاة، استطاعت إرادةُ الثـورةِ – ورغم الحصارِ الشديد والأعـداء المتربصين- تحويـل التحدياتِ الكبـرى إلى فرص واعـدة، والبناءَ العسكـريَ إلى معجـزةٍ يـراها العالـم اليـومَ جليّـة علىٰ أرضِ الواقـع.

لقـد تحـول اليمـن كليـاً من موقـعِ الدفاعِ المحاصـر والمنكفـئ على جراحـه، إلى موقـعِ فرضِ معادلاتِ الردعِ الاستراتيجيـة الإقليميـة والدوليـة. وبفضـلِ تطويرِ القدرات البحريـة والجويـة والقُـوة الصاروخيـة والتصنيـع الحربـي الذاتي، أصبحـت المؤسسـة العسكريـة اليمنيـة رقماً صعبـاً يُحسـب له ألف حسـاب في رسم التوازنات الجديـدة للمنطقـة، متجـاوزةً بذلك كل أوهام الحِصـار ومحـاولات التركيـع.

ولم تقف ثـورةُ 21 سبتمبـر عنـد حـدودِ أبعادِها المحليـة، بل تجاوزتها لتجسـدَ الموقفَ الإيمانـيَ والأخـلاقيَ المبدئيَ للشعـبِ اليمنـي تجـاه قضايا الأمـة الإسلاميـة قاطبـة، وفي مقدمتهـا القضيـةُ الفلسطينيـةُ العادلة. حيـث أثبـتَ اليمـن الحـرُ أنَّ الحريـةَ والكرامـةَ ليست مجردَ شعاراتٍ رنانة تُرفـعُ في المناسبـاتِ والاحتفالات، بل هي سلوكٌ جهاديُ عمليٌ وموقفٌ ثابت يُترجمُ على الأرضِ نصرةً للمستضعفيـن ومقارعةً لقـوى الظلـم والتسلـط، مقدمـاً أروعَ صـورِ التضامنِ والتصدي لأشرارِ العالم في جبهةِ المقاومـةِ المناهضـةِ للهيمنـةِ والاحتـلال.

وقد كشفـت الأعوام الماضيـةُ نضجَ هذا المسارِ الثوري وصوابيتـه؛ إذ استطاعَ المجتمـع اليمنـي بتلاحمـهِ القبلي والشعبـي الالتفافَ حـول قيادتهِ وقواته المسلحة، مسقطاً كل الرهاناتِ الخبيثـة التي سعت لتفكيـكِ النسيجِ الاجتماعـي وإثارةِ الفتنِ الطائفيـة والمناطقيـة. وهو ما تجلّىٰ في الفشلِ الذريعِ لكافة تحشيـداتِ المرتزقةِ والعمالة، وفي تطهيـرِ المعظمِ الأكـبر من التـرابِ الوطنـي من دنش الغـزاةِ وأدواتهـم.

وبذلك أصبـح الوعيُ الشعبي المتنامي الحصنَ المنيعَ والدرعَ الواقـي للثـورة ومكتسباتهـا، لتستمر ثورةُ 21 سبتمبر عنواناً مجيداً للحريةِ والكرامـة، ورسـالةً خالدةً مفادُها أنَّ الشعـوبَ التي تتسلحُ بالإيمـان وتستنـد إلىٰ حقهـا المشـروع في السيـادة قادرةٌ على قهـرِ أعتىٰ الإمبـراطوريات وصناعـة مستقبلها بأيـدي أبنائهـا المرفوعـةِ خفاقةً بالعـزةِ والشمـوخ

 

 

قد يعجبك ايضا