حين تعجز القوة عن تحقيق أهدافها، يبدأ البحث عن ذريعة، وحين يفشل السلاح في كسر إرادة الخصم، يجري اللجوء إلى الإعلام لصناعة معركة بديلة. وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة أمام التصعيد المتزايد حول مكة المكرمة والكعبة المشرفة والمدينة المنورة في سياق الحرب على اليمن… هل تريد الرياض أن تجعل من المقدسات غطاء سياسيا وأخلاقيا لفشلها العسكري وعجزها عن إخضاع اليمن؟ إن مجرد إقحام اسم مكة والكعبة في هذه المواجهة يمثل منزلقا خطيرا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خطاب إعلامي عابر، لأن المقدسات ليست سلعة سياسية ولا ورقة ضغط ولا ذخيرة في الحرب النفسية، ومن يحاول تحويلها إلى ذلك يغامر بإشعال فتنة تتجاوز حدود اليمن والسعودية والمنطقة كلها.
لقد حاولت الرياض طوال سنوات أن تحسم المعركة بالقوة، وحشدت المال والسلاح والتحالفات، لكنها لم تستطع أن تحقق الهدف الذي ذهبت من أجله إلى الحرب. واليوم، وبعد كل ما أنفقته من أموال وكل ما جندته من قوى، وبعد أن أثبتت السنوات ان اليمن ليس بلدا يمكن إخضاعه بالضغط العسكري أو الحصار، تبدو الحاجة إلى صناعة رواية جديدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. رواية تجعل الرياض في موقع المدافع عن المقدسات، وتجعل اليمن في موقع المتهم والمعتدي، حتى لو كانت الوقائع على الأرض تحتاج إلى أدلة لا إلى بيانات انفعالية وحملات إعلامية واستئجار كتبة يعزفون على هذه النغمة قصف الأماكن المقدسة. وهنا يصبح السؤال اكثر خطورة: لماذا مكة؟ ولماذا الكعبة؟ ولماذا هذا الإصرار على ربط الصراع اليمني بالمقدسات؟
إن إقحام هذه الرموز في الحرب لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم التعبئة السياسية والدينية، لأنه ينقل القضية من مواجهة سياسية وعسكرية قابلة للنقاش والتسوية إلى معركة عاطفية يجري فيها استدعاء مشاعر المسلمين في كل مكان. وهذه ليست براءة إعلامية، بل لعبة بالغة الخطورة إن لم تكن قذرة ، لأن من يضع المقدسات في مقدمة خطاب الحرب يعرف مسبقا أن مجرد ذكر الكعبة قادر على تغيير طبيعة النقاش، وتحويل الخصم السياسي إلى عدو ديني في وعي الملايين أو هكذا يخيل للنظام في المملكة بعد أن هزمته اليمن عسكريا وبات يعيش حالة هذيان وتخبط سياسي وإعلامي وعجز عسكري ولم يبق معه إلا استخدام المقدسات عله يجد منقذا .
والأخطر أن صناعة مثل هذه الرواية يمكن أن تتحول إلى تمهيد سياسي لأي حادث مستقبلي. فحين تكرر جهة ما الحديث عن تهديد المقدسات وتربط ذلك بخصم محدد، فإنها تكون قد بنت مسبقا إطارا تفسيريا يمكن استخدامه عند وقوع أي حادث مفتعل تقوم به المملكة التي أثبتت انتهاكها لمقدسات المسلمين من خلال ما يسمى هيئة الترفيه واستقدامها كل ألوان الفجور من راقصات وماجنات وخلاعة بلا حدود بهدف تشويه المقدس الإسلامي كما حدث في الرقص عريا على مجسم الكعبة. وعرض الأزياء الذي أثار جدلا في موسم الرياض 2024، فقد ظهرت فيه صور ومقاطع لمكعب يشبه الكعبة بهدف النيل من الرموز الدينية في الذهنية الإسلامية، كما اهدى النظام السعودي لجيفري ابستين مغتصب الأطفال ستار الكعبة لإهانة المقدس الإسلامي، وهذا عمل ليس عفويا إنه مدروس ومخطط له يستهدف النيل من مكة المكرمة والتلاعب بمشاعر المسلمين والحط من روحانيتهم، والواقع أن بناء خطاب ديني إعلامي قد يجعل مثل هذا الاحتمال ذريعة سياسية جاهزة لا يتورع النظام في المملكة عن جعل أي حادث يفتعله في مكة أو المدينة قابلا للتوظيف ضد اليمن. وهذه هي النقطة التي يجب ان تتوقف عندها الرياض قبل غيرها وأن تقلع عن التفكير الشيطاني … مكة ليست ملكا سياسيا للنظام، والكعبة ليست منصة لتصفية الحسابات مع صنعاء، والمدينة المنورة ليست أداة لتعبئة العالم الإسلامي ضد اليمن. هذه مقدسات أمة كاملة، ومكانتها أكبر من كل الحكومات والأنظمة والتحالفات. ومن يزج بها في الصراع لا يحميها، بل يضعها في قلب معركة سياسية كان ينبغي ان تبقى بعيدة عنها. لقد سئم العالم من الحروب التي تبدأ بشعار وتنتهي بكارثة وفعل مؤامرة، ومن الروايات التي تصنع عدوا لتبرير سياسة. واليمن الذي تحمَّل سنوات الحرب والحصار والضربات لم يعد ذلك البلد الذي يمكن إخافته بالشعارات والادعاءات الفارغة التي يروج لها رجال دين يعبدون النظام، ويقولون بوجوب طاعته وإن زنى. وإذا كان الأمر كذلك فمن السهولة افتعال حادث للمقدسات الإسلامية وإلصاقها باليمن. وهنا علينا أن نحذر النظام الغبي في المملكة من مغبة الوقوع في حماقة كهذه قد تعصف به.. لقد دفع اليمن ثمنا باهظا من الدم والاقتصاد والاستقرار، لكنه في المقابل راكم خبرة عسكرية وسياسية جعلت معادلة الحرب مختلفة تماماً عما كانت عليه في بدايتها.
ولذلك فإن محاولة إعادة إنتاج الحرب تحت عنوان المقدسات لن تغير الواقع إن لم ترتد وبالا وحسرة على النظام السعودي، كما أنها لن تمحو إخفاقات السنوات الماضية، ولن تمنح الرياض انتصارا لم تستطع انتزاعه في الميدان. واذا كانت قد عجزت عن بناء تحالف قادر على حسم المعركة، وعجزت عن إخضاع اليمن بالقوة، فإن الحل ليس في البحث عن تحالف ديني جديد يقوم على تخويف المسلمين من خطر مزعوم على مقدساتهم. فالأمة الإسلامية ليست ساحة خلفية لمشاريع الصراع الإقليمي، ومشاعر المسلمين ليست رصيدا سياسيا مفتوحا يمكن استدعاؤه كلما ضاقت الخيارات السياسية والعسكرية. أما خطر ما يمكن أن تفعله الرياض هو أن تجعل الكذب السياسي حقيقة متداولة، ثم تجعل الحقيقة المتداولة مبررا لخطوة جديدة. ولهذا فإن كل رواية تتحدث عن استهداف مكة أو الكعبة أو المدينة يجب أن تخضع للتمحيص لمعرفة هدف النظام السعودي من ورائها، لا أن تتحول بمجرد تكرارها في وسائل الإعلام إلى حقيقة مقدسة لا يجوز مساءلتها. فحرمة المكان لا تعني حرمة السؤال عن الحقيقة، وقدسية مكة لا تعني منح أي جهة حصانة سياسية من التدقيق في رواياتها. والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرياض واضحة.. إذا كانت تريد حماية مكة والمدينة فعليها أن تبعدهما عن الحرب، لا ان تجعل اسمهما عنوانا للحرب. وعليها أن تدرك أن استخدام المقدسات لتغطية العجز العسكري أو استدعاء التعاطف الدولي لن يكون حلا، بل سيكشف أكثر فأكثر عمق المأزق الذي وصلت اليه سياستها تجاه اليمن.
لقد كتب اليمن بالدم معنى استقلال قراره، وتعلم من سنوات العدوان ان السيادة لا تمنحها البيانات ولا التحالفات، بل تنتزعها الشعوب حين ترفض ان تكون أداة في يد غيرها. ولذلك لن يعود اليمن إلى الوراء، ولن يتخلى عن قراره تحت ضغط الحملات الإعلامية، ولن يسمح بتحويل المقدسات إلى سلاح سياسي موجه ضده. أما مكة والكعبة والمدينة، فتبقى فوق هذه المعركة كلها. لا ينبغي ان تكون هدفا ولا ذريعة ولا غطاء ولا ورقة تفاوض. ومن يريد فعلا حمايتها فعليه أن يحميها من السياسة قبل أن يدعي زورا حمايتها من الصواريخ، وأن يحمي قدسيتها من التوظيف السيئ قبل أن يتحدث عن حمايتها من الخطر.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الحرب هو أن يصبح المقدس وقودا لها. وعندها لا يعود السؤال من انتصر ومن انهزم، بل من الذي فتح الباب أمام كارثة لا يستطيع احد السيطرة عليها. ولذلك فإن اللعب بمكة والكعبة والمدينة ليس شجاعة سياسية ولا عبقرية إعلامية ولا مدعاة لنجدة نظام مأزوم ، بل مقامرة حمقاء بمقدسات أمة كاملة. والرياض، اذا كانت قد عجزت عن كسر اليمن بالسلاح، فلا ينبغي لها ان تحاول كسره بالكذب، ولا ان تجعل من اقدس مقدسات المسلمين سلما للخروج من مأزقها. فاليمن لن ينهزم لأن رواية إعلامية اتهمته، والمقدسات لن تصبح ملكا لمن يوظف اسمها، والتاريخ لا يرحم من يحاول تحويل قدسية المكان إلى أداة في صراع السلطة والنفوذ. وعلى الرياض أن تتعقل وتخرج من هيستريا تعيشها بفعل هزائمها المتعددة وفشل رهاناتها على التحالفات وما أصابها من إحباط يوقعها في شرك المؤامرة لافتعال حادث للمقدسات. عليها أن تدرك جيدا أن حبل الكذب قصير وأن أقدامها على أي فعل تآمري من هذا القبيل سيكون وبالا عليها وحماقات تنسف قصر اليمامة. وينقرض ملك ومملكة.
