حسابات النفوذ وفاتورة الحرب.. الوصاية السعودية على اليمن ستنتهي بهزيمة مذلة لها

محمد علي اللوزي

 

هل تتعظ السعودية من حربها على اليمن؟، أم أن منطق القوة الذي قادها إلى هذه الحرب ما يزال يحجب عنها رؤية الحقيقة؟ سؤال يفرض نفسه اليوم بقوة، بعد سنوات طويلة من العدوان والحصار والصراع الذي لم ينته كما أرادت الرياض، ولم يمنحها النتيجة التي ذهبت من أجلها إلى الحرب. فقد دخلت السعودية الحرب وهي تتصور أن اليمن بلد يمكن إخضاعه بسرعة، وأن التفوق الجوي والقدرة المالية والتحالفات الإقليمية والدولية كفيلة بفرض معادلة جديدة على اليمنيين. لكن السنوات كشفت أن اليمن ليس ساحة سهلة للسيطرة، وأن المال والسلاح لا يكفيان لصناعة انتصار سياسي حين يصطدمان بإرادة محلية تعتبر الحرب دفاعا عن السيادة والأرض والقرار الوطني.

المشكلة أن الرياض لم تخسر فقط في ميدان الحرب، بل دفعت ثمنا سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا واستراتيجيا أكبر من حساباتها الأولى. فالحرب التي كان يفترض أن تنتهي في وقت قصير تحولت إلى ملف طويل استنزف الموارد وعمَّق العداء وراكم الخصومات، وجعل السعودية مضطرة إلى إعادة حساباتها أكثر من مرة. وكلما اتسعت دائرة الأزمة ظهرت حقيقة أكثر وضوحا. لا يمكن لدولة مهما بلغت قوتها أن تفرض إرادتها على بلد أخر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن تحويل التفوق المالي إلى تفوق سياسي دائم. والأخطر من ذلك أن تداعيات الصراع لم تعد محصورة داخل الجغرافيا اليمنية. فعندما تصبح المنشآت والمصالح النفطية والتجارية والاستراتيجية لدولة ما عرضة للتهديد، يتحول الأمن الاقتصادي إلى جزء من كلفة الجرب. وحين يشعر المستثمرون والأسواق وشركات الطاقة بأن البيئة الإقليمية المحيطة بمصادر الطاقة وطرق تصديرها معرضة للاضطراب، فإن فاتورة الصراع لا تعود عسكرية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والتأمين والنقل والثقة السياسية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى… دولة تملك واحدا من أكبر الاقتصادات النفطية في العالم وجدت نفسها مطالبة بإنفاق موارد ضخمة لحماية مصالح كان يفترض أن تكون الحرب نفسها قد جعلتها أكثر أمنا واستقرارا. وليس أقل خطورة على الرياض من الخسائر المادية ذلك التآكل التدريجي لصورتها الخارجية. فالقوة لا تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والأموال، وإنما أيضا بقدرة الدولة على إقناع الآخرين بعدالة سياساتها وشرعيتها. وكلما طال الصراع في اليمن وتزايدت الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب، أصبح من الصعب تسويق الرواية التي حاولت الرياض تقديمها باعتبارها حربا ضرورية لتحقيق الاستقرار. لقد أظهرت التجربة أن كثرة الحلفاء لا تعني بالضرورة قوة الموقف، وأن التحالفات التي تقوم على المصالح والتمويل والضغط قد تتبدل عندما تتغير الحسابات، بينما تبقى الدولة في النهاية وحدها أمام نتائج قراراتها. ومن هنا يبرز ملف شراء الولاءات والذمم بوصفه واحدا من أكثر الملفات التي تستحق المراجعة. فالمال قد يشتري موقفا مؤقتا، وقد يخلق شبكة من الأصوات التي تدافع عن سياسات الممول، لكنه لا يستطيع أن يشتري التاريخ ولا القناعة ولا الاحترام. وحين تتحول السياسة الخارجية إلى عملية واسعة لاستقطاب السياسيين والإعلاميين والمثقفين والشخصيات المؤثرة كعملاء ومأجورين، فإن الدولة قد تكسب أصواتا كثيرة، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بأن تصبح صورتها في الخارج مرتبطة بالمال والنفوذ لا بالمشروع السياسي القابل للحياة. فالولاء الذي يصنعه المال ينتهي غالبا بانتهاء المال أو بتغير موازين المصالح، أما القناعة الحقيقية فلا تشترى.

لقد دفعت الرياض أموالا هائلة خلال السنوات الماضية لبناء نفوذ إقليمي واسع، غير أن النفوذ الذي لا يستند إلى احترام متبادل ومصالح متوازنة يبقى نفوذا هشا. ويمكن للدولة أن تؤثر في حكومة أو حزب أو جماعة أو مؤسسة إعلامية، لكنها لا تستطيع بالمال وحده أن تغير إرادة الشعوب. واليمن يقدم مثالا واضحا على ذلك. فكل محاولات صناعة البدائل والاحلاف والواجهات السياسية والعسكرية لم تنتج حتى الآن حلا نهائيا يحقق للسعودية ما أرادته في بداية الحرب. والسؤال الأكثر أهمية هنا ليس: كم أنفقت السعودية؟ بل ماذا حققت مقابل ما أنفقت؟ هل أصبح اليمن أكثر قربا من إرادتها؟ المؤكدان مصادر الخطر على حدودها تفاقمت وزادت وانها لم تتمكن من إنتاج نظام سياسي مستقر يخدم مصالحها قدر ما أوجدت مجتمعا واسعا ناقما عليها . لقد انتقلت الحرب من كونها مشروعا سعوديا مباشرا إلى أزمة إقليمية مفتوحة تدفع الرياض ثمنها السياسي والاقتصادي والأمني غاليا ولم تتعض أو تراجع فداحة خسائرها الأخلاقية والاقتصادية والسياسية .

أن الحكمة السياسية تقتضي أن تتعلم الدول من أخطائها، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراف بالخطأ إلى مسألة محرمة داخل منظومة الحكم وصناعة القرار. فالدولة التي لا تراجع قراراتها عندما تتغير النتائج تتحول من صانع للسياسة إلى أسير لسياساته السابقة. والاستمرار في النهج نفسه لا يصبح عندها دليلا على القوة، بل قد يكون دليلا على العجز عن الاعتراف بأن الحسابات الأولى كانت خاطئة.

ولذلك فإن على السعودية اليوم أن تدرك أن أمنها لا يتحقق بإخضاع اليمن، وأن استقرار حدودها لا يصنعه التدخل المستمر في شؤون جيرانها، وان احترامها الإقليمي لا يبنى على شراء الولاءات ولا على تمويل الصراعات. وأن الأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على الخوف المتبادل، ولا على إبقاء بلد مجاور في حالة حرب وانقسام واستنزاف وصناعة مذهبية لحرب دينية قائمة على أكاذيب. الطريق الأكثر عقلانية هو الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق المصالح المتبادلة، ومن إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، ومن محاولة فرض الوصاية إلى احترام استقلال القرار اليمني والى الرضوخ لما تم الاتفاق عليه مع صنعاء. لقد أثبتت السنوات أن اليمن ليس رقما في دفتر الحسابات السعودية، وأن اليمنيين ليسوا كتلة يمكن إعادة تشكيلها بالمال أو بالضغط أو بالسلاح. وكلما طال الصراع ازدادت حقيقة بسيطة وضوحا. لا توجد قوة تستطيع أن تنتصر على إرادة شعب يريد أن يقرر مصيره بنفسه. وقد تستطيع الرياض أن تربح جولة هنا أو تؤثر في طرف هناك، لكنها لن تستطيع شراء مستقبل اليمن. إن لم تكن قد خسرت مستقبلها كدولة عدوانية. ولهذا فإن أكبر انتصار يمكن أن تحققه السعودية اليوم ليس انتصارا عسكريا جديدا، ولا صفقة سياسية جديدة، ولا استقطاب حليف جديد، وإنما امتلاك الشجاعة السياسية لمراجعة التجربة كلها. الاعتراف بأن الحرب لم تحقق أهدافها كما رسمت، وبأن استمرارها يستنزف السعودية قبل غيرها، لتفتح صفحة جديدة مع اليمن تقوم على الاحترام والسيادة وحسن الجوار والمصالح المشتركة.

أما الاستمرار في دفع المال لتدوير الصراع وشراء المواقف والخونة والعملاء ومحاولة ترميم صورة سياسية تتآكل تحت ثقل سنوات الحرب، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من الخسائر. فالدول لا تقاس فقط بما تملكه من مال وسلاح، بل بقدرتها على معرفة اللحظة التي ينبغي فيها أن تتراجع عن الطريق الخطأ قبل أن يصبح ثمن العودة أعلى من ثمن الاعتراف بالخطأ.

 

 

قد يعجبك ايضا