خطاب يبدو روتينياً … لكنه يُخفي عملية فصل سياسي مُحكمة التصميم
في السابع عشر من سبتمبر 2026، ألقى قائد حركة «أنصار الله» السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي خطاباً صنّفته عديد من وسائل الإعلام ضمن خانة «المستجدات والتطورات» الروتينية. غير أن الخطاب، في حقيقته، تناول طيفاً واسعاً من القضايا: من الشكر لله على «النصر العظيم»، إلى إدانة «العدوان والحصار» السعودي الممتد اثني عشر عاماً، إلى نفي الاتهامات باستهداف مكة المكرمة، فكاد يلمّ بكل نقاط الاشتعال في المشهد اليمني الراهن.
بيد أن بين هذا الكمّ الكثيف من الرسائل، ثمة جملة واحدة تستحق أن تُنتزع من سياقها وتُقرأ بتأمّل.
قال السيد لأبناء المحافظات الجنوبية والشرقية: «نحن لا نستهدفكم».
تلك الجملة هي مفتاح الخطاب الحقيقي.
الـ «لا» تحتاج إلى تفكيك
لفهم ثقل هذه الجملة، لا بدّ أولاً من فهم البنية الأساسية للصراع اليمني الراهن. فمنذ تدخّل «التحالف العدواني» بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، لم يكن هذا الصراع يوماً مجرّد «ثنائية» بسيطة. فأنصار الله يقودون سلطة صنعاء مع شركائهم، بينما تتوزّع الساحة الجنوبية على قوى متشابكة: بقايا الجيش التابع لنظام 7/7 (المعترف بها دولياً)، وفصائل «المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم إماراتياً، وميليشيات محلية متنوعة، وشبكات مسلحة تصنّفها سلطة صنعاء ضمن «التنظيمات السلفية» و«القاعدة».
وهذا يعني أن سلطة صنعاء بقيادة الأنصار تواجه عسكرياً أكثر من جبهة واحدة. ففي الشمال حدود سعودية، وفي الجنوب والشرق نسيج معقّد من القوى. وأي تحرّك عسكري في الجنوب أو الشرق يجب أن يميّز بدقة بين «من هو هدف مشروع» و«من لا ينبغي جرّه إلى المعركة». وخطاب السيد يحاول بالضبط إجراء هذا التمييز.
معيار الفصل
قدّم السيد معياراً واضحاً للفصل، هو «الحشد العسكري الذي جاء به العدوان السعودي»، وليس أبناء الجنوب العاديين. بل ذهب أبعد من ذلك، فصنّف جزءاً من هذه الحشود بأنها «تنظيمات تكفيرية» — أي تلك التي «تقتل الأبرياء باسم الدين وتخدم السعودية وأمريكا وإسرائيل».
هذا الخطاب يهدف إلى وضع النقاط على الحروف وتنوير أبناء الجنوب وبعض القوى المسلحة فيه، ولسان حاله يقول: أنتم لستم أعداءنا، بل أولئك الذين يبيعون أنفسهم للسعودية ويتخفّون برداء الدين هم الأعداء.
الضغط الواقعي خلف الخطاب… ولماذا هذا التوقيت تحديداً؟
ثمة خلفية لا يمكن تجاهلها؛ فقبيل الخطاب، حقّقت القوات المسلحة اليمنية سلسلة تقدّمات عسكرية على الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب، وأزاحت قوى مدعومة سعودياً من عدة مناطق. هذا التقدّم العسكري يطرح سؤالاً جديداً: مع توسّع مناطق السيطرة أو زيادة مساحات التلامس، يرتفع خطر الاحتكاك بالقوى المحلية الجنوبية.
فإذا كان أبناء الجنوب ينظرون إلى الحوثيين كـ«غزاة قادمين من الشمال» – وفقاً لسردية الغزاة الحقيقيين، تحالف دول العدوان – فإن أي تحرّك عسكري في الجنوب والشرق سيواجه كلفة سياسية باهظة. أما إذا نجح الخطاب في تأطير الصراع كـ«نحن لا نستهدف إلا رجال السعودية»، فقد ينخفض منسوب المقاومة المحلية.
وهذا يتسق مع المطلب الجوهري الذي يرفعه أنصار الله منذ سنوات: وقف العدوان، ورفع الحصار. فالتكرار المتواصل في الخطاب لعبارات مثل «نحن في موقع الدفاع» و«لم نبدأ نحن القتال»، إنما يخدم هذه الرواية.
اتهام استهداف مكة… إدارة أزمة في التوقيت المناسب
تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجّه نحو الجنوبيين يتشابك مع رسالة أخرى في الخطاب ذاته. فقد اتهمت السعودية، في اليوم السابق للخطاب، الحوثيين بإطلاق طائرة مسيّرة نحو مكة المكرمة، وقالت إن الدفاعات السعودية اعترضتها جنوب مكة. وكان رد الحوثي مباشراً: هذا «كذب وتضليل»، وهو اختلاق سعودي لحشد الدعم والتمهيد لعمل عسكري.
وبقراءة الرسالتين معاً، تكتمل سلسلة المنطق. فلو تُرك اتهام «استهداف مكة» يتفاعل، لتعرضت الشرعية الدينية للحوثيين لضربة قاصمة. ومن خلال النفي الاستباقي، واتهام السعودية بـ«الاختلاق»، مع مخاطبة الجنوبيين بـ«نحن لا نستهدفكم»، يحاول الحوثيون تحقيق أمرين: حماية الحدّ الأدنى من الشرعية الدينية، وبناء صورة «الدفاعي الذي لا يقاتل إلا المحتل» داخل اليمن.
خيار الجنوبيين ليس في الخطاب لكن ما يمكن أن يغيّره خطاب ما، يتوقف على كيفية تلقّي المستمعين له.
الرسالة التي وجّهها الحوثي للجنوبيين – «نحن لا نستهدفكم» – فعاليتها الحقيقية لا تتحدد بنوايا صنعاء، بل بما يشعر به الجنوبيون. وفي الجنوب والشرق اليمني، خصوصاً، أن الشكوك تجاه الأنصار متجذّرة، سواء لأبعاد طائفية أو جغرافية وسياسية. وما إذا كانت جملة «نحن لا نستهدفكم» قادرة على إذابة هذه الشكوك، فهو سؤال آخر. لكن على الأقل من منظور المنطق الخطابي، اختار السيد في هذه اللحظة أن يوجّه، عبر «فصل الأعداء»، رسالة تطمين موجّهة لأبناء الجنوب والشرق. وهل ستُلتقط هذه الرسالة، هو مؤشر يستحق المتابعة في المرحلة المقبلة.
في صراع دخل عامه الثاني عشر، تتصارع كل الأطراف على تعريف «من هو حامي اليمن الحقيقي». وخطاب السيد عبدالملك حفظه الله ورعاه هذا محاولة للفصل والتعريف. أما كيف سيردّ الجنوبيون، فالجواب ليس في أستوديو صنعاء، بل في قلوب أولئك الذين لم يحسموا بعد موقفهم في الجنوب.
وأمام خطاب التطمين هذا، فإن سلطة صنعاء تحتاج إلى إعادة هيكلة، والدفع بشخصية جنوبية – بل بشخصيات عدة وازنة – لكي تتصدّر المشهد السياسي، ويكون لها حضورها الفعلي فيه، ولا تخلو سلطة صنعاء منها.
