يحيى الربيعي.. ترجل الفارس وبقي الأثر

عادل عبدالله حويس

 

تضيق مساحات البوح وتثقل الكلمات حين يغدو المداد دمعا مسكوبا على ورق الفقد وحين تستحيل الكتابة مرثية لرفيق درب وفارس من طراز فريد ترجل عن صهوة الحرف في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى أصحاب الضمائر الحية فالصحفي الحقيقي لا يغيبه الموت ولا يطوى ذكره حين يواري الثرى جسده بل يظل شاهدا وحيا في كل سطر خطه بصدق وإخلاص دفاعا عن وطنه وإنسانه.

هكذا كان وسيبقى الزميل العزيز الراحل يحيى محمد أحمد الربيعي الذي ترك برحيله المباغت غصة تعتصر القلوب وثلمة غائرة في خاصرة الصحافة اليمنية لا تسد وهو الذي حمل قلمه أمانة ومضى في دروب الكلمة شريفا عفيفا لا ينكث ميثاقا، مخلفا وراءه إرثا إنسانيا ومهنيا يضيء عتمة الغياب.

حين يباغتك الفقد في ساعات الفجر الأولى لا يأتي كنبأ عابر تطويه السطور بل يسقط على الروح كصاعقة تخرس اللسان وتثقل الصدور بما لا طاقة لها به.

هكذا كان وقع النبأ الحزين حين فاجأه عارض صحي مباغت لتصعد روحه النقية إلى بارئها تاركة في بلاط صاحبة الجلالة وفي قلوب رفاق الحرف فراغا موحشا لا يملؤه إلا صدى كلماته وأثره الباقي قبل أن تحتضنه صنعاء المدينة التي طالما تنفس أوجاعها وحمل تفاصيل كدح إنسانها في ثنايا قلمه حيث صلى عليه المشيعون في جامع الدرة بسواد حنش، ووارى جثمانه الثرى في مقبرة الصياح لتنطوي بمواراته صفحة ناصعة من الكفاح النادر وتبدأ رحلة الخلود لرجل عاش نبيلا وغادر صامتا كالكبار.

كان يحيى الربيعي يمضي في دروب الحياة كما يمضي النهر الهادئ في مجراه رقراقا في ظاهره عميقا في أثره لا يستهويه الصخب ولا يلتفت إلى ضجيج التباهي بقدر ما ينشغل بترك بصمة طيبة أينما حل وارتحل. ومنذ أن فتح عينيه على الحياة في الحادي والثلاثين من يناير عام 1966م في قرية “بيت الربيعي” بعزلة العرقوب في مديرية جبل المحويت رضع من قمم الجبال صبرها وشموخها وتعلم من بساطة الريف معنى الانتماء الراسخ للأرض فصاغت تلك الجغرافيا ملامح شخصيته الأولى وصلابة رجل عصامي يدرك كيف يصنع من القليل معنى كبيرا. لم تكن بداياته مفروشة بالورد غير أن شغفه العارم بالمعرفة عوض ما لم تمنحه قاعات الدراسة فجعل من الحياة كتابا مفتوحا ومن الممارسة الصادقة مدرسة قائمة بذاتها حتى قاده القدر في الحادي والثلاثين من يناير عام 1988م إلى عتبات “مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر” لتبدأ هناك ملحمته الكبرى مع الكلمة متخذا إياها مسؤولية أخلاقية ورسالة مقدسة لا ترفا ثقافيا.

داخل أروقة “الثورة”، تنقل الراحل بين ردهاتها كما يتنقل الضوء بين الظلال بدأ بأنامله التي صاغت الحروف على الآلة الكاتبة في أواخر الثمانينيات ثم واكب ثورة التقنية كفني كمبيوتر في التسعينيات دون أن يفلت القلم من يده لحظة واحدة قبل أن تطوع مداركه فن الإخراج الصحفي مع مطلع الألفية الجديدة ليتولى الإدارة الفنية لمجلة “معين” ثم يصبح مديرا لتحريرها.

هناك تبلورت بصمته ورؤيته المتفردة بأن الصحافة ليست مجرد نقل عابر للأخبار بل هي وعي جمعي يبنى وقضية وطن تحمل على الأكتاف. وعلى مدى أكثر من أربعة وعشرين عاما كتب الربيعي في شتى الفنون من التحقيق الميداني الجريء إلى الاستطلاع المتأني والتحليل الاقتصادي الرصين في صحيفة “الثورة” مؤصلا رؤيته الإنسانية العميقة في كتابه “إنسان العولمة” عام 2010م كصرخة واعية لفهم التحولات الكبرى والحفاظ على الهوية الأصيلة.

ولأن نبضه كان معجونا بتراب الأرض لم يرتض أن ينكفئ داخل المكاتب المغلقة بل انطلق مجاهدا بقلمه في ميادين التنمية منخرطا بحرارة في مناصرة الثورة الزراعية ومفاهيم السيادة الغذائية لا كشعار إنشائي بل كفعل تنموي تطوعي وثيق الصلة بالمجتمع.

غدا صوتا جهورا للمزارع اليمني الكادح وسفيرا لحقول الخير والإنتاج باذلا جهده عبر الإعلام الزراعي والسمكي بالشراكة مع اللجنة الزراعية العليا ومؤسسة بنيان والاتحاد التعاوني الزراعي انطلاقا من إيمانه اليقيني بأن الحرف متى ما سكب بصدق تحول إلى بذرة نماء تثمر شبعا وكرامة في واقع الناس. وقد توج هذا البذل المستمر بتكريمه في يناير 2021م من قبل المجلس السياسي الأعلى بدرع العطاء بمناسبة اليوم العالمي للتطوع وهو التكريم الذي قابله بتواضعه المعهود ماضيا في صمته النبيل مؤمنا بأن الأثر في ضمير الأمة هو التكريم الأبقى.

لقد تجلت عظمة أخي ورفيقي يحيى الربيعي في معدنه الإنساني الصافي ذلك الهدوء المهيب الذي يسبق كلامه وتلك الابتسامة الصافية التي يواجه بها قسوة الظروف والإخلاص المتجرد الذي لا ينتظر مقابلا ولا مديحا.

عاش بيننا متخففا من أثقال الدنيا صابرا على شظف العيش وقسوة سنوات الحرب والحصار متمسكا بنبالة فرسان الكلمة الذين لا يساومون على المبدأ ولا تنحني جباههم للعواصف.

قد يعجبك ايضا