القعود مع تجليات وجماليات البردوني في كتاب “شؤون ثقافية”

الثورة / خليل المعلمي

لقد أصابت وتوفقت وزارة الثقافة والسياحة بالإعلان عن تأسيس مهرجان البردوني السنوي تزامناً مع الذكرى السابعة والعشرين لرحيل شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، فقد عشنا خلال الأسبوع الماضي أجواء وأياماً بردونية مفعمة بعبق الإبداع والأدب، تنفسنا خلالها فكراً وأدباً وإبداعاً بردونياً خالصاً، قطفنا عناقيد من قصائده، ومن دواوين وبساتين إبداعاته الشعرية والفكرية والنثرية التي تزخر بالعبق والأصالة والوطنية والإجادة.

فخلال ثلاثة أيام من المهرجان تنوعت الفقرات بين الاحتفاء والشعر والفكر بمشاركة عشرات الأدباء والمثقفين الذين اعتلوا منصة المهرجان، وكان ختام المهرجان تكريم الشخصية الثقافية المتميزة الأديب والشاعر الكبير محمد القعود الذي ظل خلال سبعة وعشرين عاماً يحتفي بالبردوني بطريقته المميزة فكان أكثر المخلصين للبردوني.

كان القعود في كل عام يتحفنا بالجديد عن البردوني ومع حلول ذكرى رحيله يجتهد في الإعداد لإصدار عدداً خاصاً في الملحق الثقافي الصادر عن صحيفة الثورة، تتنوع فيه المواد بين الكتابات الجديدة عنه وبين نشر القصائد الشهيرة له، ويفاجئنا أيضاً بنشر إحدى القصائد التي لم تنشر من ذي قبل والتي يحصل عليها من مصادره الخاصة، ولا يكتفي بذلك بل يقوم ومن خلال منصبه كرئيس لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع صنعاء بتنظيم فعالية ثقافية وفكرية بمناسبة ذكرى رحيله تتنوع بين القراءات النقدية والصباحات الشعرية، فاستحق بذلك أن يكون الشخصية الثقافية للمهرجان في أولى فعاليات تأسيسه واستحق التكريم والتقدير ومنحه درع وزارة الثقافة والسياحة.

لقد ظل الأديب والشاعر محمد القعود أحد المهتمين بنتاجات وإرث الشاعر البردوني خلال الأعوام الماضية فاستطاع بجهوده الذاتية القيام بجمع وإعداد مقالات البردوني النثرية والتي تم نشرها في الملحق الثقافي والصفحة الثقافية في صحيفة الثورة من منتصف العام 1996م وحتى وفاته في 30 أغسطس 1999م، ووضعها في كتاب تحت عنوان “شؤون ثقافية” وظل يحمل هذا النتاج الثقافي المهم أملاً طباعته وإخراجه للجمهور الذي يستحق أن يعيد قراءة إرث البردوني ليس الشعري فقط ولكن الفكري والثقافي، فالبردوني بكتاباته ونتاجاته الإبداعية سيظل حياً بين جمهوره بل وحياً للأجيال القادمة.

من الروعة والجمال أن تتحول مقالات لأكثر من ثلاث سنوات إلى كتاب ليصبح بستاناً يحوي الكثير من الأفكار وتتنوع هذه المقالات بين النقد والقراءة والتساؤل والسرد الظريف والتثقيف والتوعية فكان القارئ ينتقل بين رحلة وأخرى، ومن شاعر إلى آخر، ومن ثقافة إلى ثقافة أخرى، وبين زمن وزمن آخر.

وسيتكشف القارئ الجديد لأعمال البردوني كأن الرجل لايزال يعيش بيننا وكأن قصائده جديدة وليست قديمة، لأن هذه الإعمال الإبداعية تحاكي الواقع وتعبر عن الظروف الحالية وتقرأ المستقبل وتتنبأ به.

أعيد القول إن الأديب والشاعر الكبير محمد القعود قد استحق التكريم الذي جاء متأخراً ويستحق التقدير لما يقدمه ويسعى إليه من أجل نشر إرث البردوني الفكري والثقافي وفاء لهذه الشخصية العظيمة، فقد طرق كل الأبواب وسعى من أجل العمل على الإعداد لمهرجان سنوي خاص بالبردوني خلال السنوات الماضية إلا أن الظروف التي تعيشها بلادنا لأكثر من عقد من الزمان حالت دون ذلك.

وكما أن البردوني يعيش داخل قلوب المثقفين اليمنيين إلا أنه قد احتل مكاناً خاصاً داخل قلب وعقل الرجل المثقف والأديب محمد القعود، فالرجل لديه الكثير والكثير عن البردوني ويحتاج إلى الدعم والرعاية والمساندة، ودائماً ما يردد أن البردوني ليس ملكا لأحد وليس حكراً على أحد فهذه شخصية عامة يمنية وعربية وقد وصلت إلى العالمية، كأحد الشخصيات الإنسانية التي قهرت العجز والإعاقة ووصلت إلى العالم بشعره وفكره وثقافته وغزارة إنتاجاته.

يعتبر كتاب “شؤون ثقافية” أحد الإصدارات التي تحمل إرث البردوني ومقالاته المختلفة، وصدرت ضمن فعاليات مهرجان البردوني الأول عن الهيئة العامة للكتاب التي وضعت على عاتقها نشر إرث البردوني الفكري والثقافي وسبق لها أن نشرت كتابي “مستطرف البردوني” وكتاب “ثوار في رحاب الله”، وكذا الديوانين الأخيرين للشاعر البردوني وهما “حلة ابن شاب قرناها” و”العشق في مرافئ القمر” وقد أعلنت عن إصدار الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر عبدالله البردوني بالتزامن مع الذكرى السابعة والشعرين لرحيله، وضمن فعاليات المهرجان.

في مقدمة الكتاب يقول الأديب محمد القعود: وحقيقة لا جدال فيها، يعدّ البردوني العظيم من أساطين كتاب “المقالة” الاستثنائيين في اليمن والوطن العربي، ومن فرسانها الكبار، وممن كتبوها ببراعة وجدارة واقتدار، امتلك زمامها، وقيادتها، وأتقن فنونها بحرفية عالية ومهارة مذهلة وفائقة الإجادة، وهو ما يدعو للتوقف إزاء ذلك والكتابة عن فن المقالة عند البردوني، وهو ما أرجوه في القريب.

ويتابع: قد يتساءل القارئ الكريم، وهو يطوف بين عوالم هذا الكتاب، كيف كان يتسنى للأديب الكبير البردوني ان يتابع ويكتب عن الكثير من الأحداث والفعاليات والمناشط والإصدارات الثقافية والفكرية والأدبية، وهو ذلك الشخص الأعمى القابع في منزله بصنعاء، بعيداً -جغرافياً وزمنياً- عن أماكن حدوثها وقلب وقائعها..؟!

والجواب ببساطة أن ذلك يعود إلى عقله الجبار، الذي كان بمثابة مكتبة متنقلة وضخمة، عمرها من عمر البردوني، منذ أول حرف تهجاه، ومنذ أول درس تلقاه ووعاه، وإلى تلك الذاكرة المتوهجة التي اختزنت واعتصرت وهضمت وحفظت الكثير من المعارف والعلوم والتجارب والثقافات والآداب المختلفة، طوال مشواره مع الحياة الحافلة بالعطاء والاستزادة من كل منابع ومناهل ومصادر الثقافة والمعرفة، وكذلك إلى الذكاء والموهبة التي وهبه الله إياها، وإلى رصيده وتحصيله العلمي والمعرفي والفكري والثقافي، وإلى اتكائه على رصيد التراث الذي درسه واطلع عليه وغاص في أعماقه وتغوّر وترحل ورحل معه وفيه، في مختلف عصوره ومدارسه ومذاهبه المختلفة، وكذلك حرصه على تتبع المسارات الثقافية والفكرية والفنية وتجاربها وإبداعاتها الجديدة والحديثة في مختلف الأقطار والبلدان.. وبالطبع كان رصيده ومخزونه الكبير الذي امتلكه من القراءات والمطالعات والمتابعات الجادة والواعية للشأن الثقافي والشأن العام والمعرفي داخل وخارج اليمن، هو معينه الذي لا ينضب من الثراء المعرفي وفي الإحاطة والإضاءة والإضافة والتحليل والتفسير لأي مادة يكتبها.

ويختتم بالقول: هذه المقاربات والمقالات ترصد وتضيء ذلك المناخ الثقافي والأدبي الذي كان يعيشه ويتابعه ويرصده الراحل الكبير.. وتعكس مدى متابعته لإنتاج ذلك الواقع ولرموزه ومواسم العطاء الثقافي الخلاق، كما تعكس الذائقة الثقافية العالية لشاعرنا وأديبنا الراحل، وروعة وقفاته ومقارباته وتناولاته لتلك الثمار والإشراقات التي تذوقها والتقطها بحس فنان وقلب عاشق، وتفاعل معها بعقل مستنير، وبروح توّاقة لكل فكر مشرق، ولكل إبداعٍ مدهش وفاتن.

أما الأديب عبدالرحمن مراد رئيس الهيئة العامة للكتاب والذي قدم ورقة نقدية للكتاب في مهرجان البردوني السنوي في دورته الأولى يصف كتاب “شؤون ثقافية” لعبدالله البردوني أنه يمثل وثيقة ثقافية ونقدية مهمة تكشف جانباً من المشروع النثري والفكري لشاعر اليمن الكبير، وتضيء طبيعة حضوره في المشهد الثقافي العربي واليمني خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

ويقول: لا تكمن أهمية الكتاب في موضوعاته المتعددة فحسب، وإنما في الطريقة التي مارس بها البردوني فعل القراءة الثقافية؛ إذ يتحول الكتاب والنص والشخصية الأدبية والحدث الثقافي لديه إلى مدخل لأسئلة أوسع تتصل بالنهضة، والحرية، والتنوير، والهوية، والتاريخ، وعلاقة الثقافة بالسياسة والمجتمع. ومن ثم فإن “شؤون ثقافية” لا يقدم مجرد مراجعات أو انطباعات عابرة، بل يؤسس خطاباً نقدياً ينطلق من الثقافة إلى مساءلة الواقع.

واختتم ورقته بالقول: إن قراءة كتاب “شؤون ثقافية” تكشف أن عبدالله البردوني لم يكن شاعراً كبيراً فحسب، بل كان مشروع مثقف موسوعي مارس القراءة والكتابة والنقد بوصفهم أشكالاً من أشكال الحضور في الحياة، فالكتاب يرسم صورة لمثقف لا يكتفي باستقبال الثقافة، وإنما يحاورها ويفككها ويعيد ترتيب أسئلتها، وهو في ذلك ينتقل من الكتاب إلى المجتمع، ومن الأدب إلى التاريخ، ومن الشعر إلى السياسة، ومن الشخصية إلى الفكرة.

ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب أن البردوني لا يقرأ الثقافة من خارجها، إنه يقرأها من موقع الشاعر والناقد والمثقف الذي خبر اللغة والإبداع، وعاش تحولات مجتمعه، وامتلك ذاكرة واسعة ووعياً نقدياً جعله يرى في النص أكثر مما يقوله النص مباشرة.

ومن ثم فإن “شؤون ثقافية” ليس مجرد كتاب مقالات متفرقة، وإنما جزء من المشروع الفكري والنقدي لعبدالله البردوني، وسجل حي لأسئلته الثقافية، وشهادة على طبيعة حضوره في الحياة الثقافية العربية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتزداد أهمية الكتاب اليوم بوصفه مادة قابلة لإعادة القراءة الأكاديمية، ليس فقط لدراسة البردوني، وإنما لدراسة المقالة الثقافية العربية، والنقد الصحفي، وتحولات الذائقة، وعلاقة الأدب بالفكر والتاريخ والسياسة، وموقع المثقف العربي في المجال العام.

وبهذا المعنى، فإن نشر هذا الكتاب يمثل استعادة لجانب مهم من التراث النثري للبردوني، وإعادة إدخاله إلى دائرة البحث والدراسة، بحيث لا يبقى البردوني شاعراً محفوظاً في الذاكرة الشعرية وحدها، بل حاضراً كذلك بوصفه ناقداً ومفكراً ومثقفاً صاحب مشروع ورؤية.

قد يعجبك ايضا