12 عامًا من الحرية والاستقلال

يكتبها اليوم /عبدالفتاح البنوس

 

في الواحد والعشرين من سبتمبر من العام 2014م كان اليمن على موعد مع حدث تاريخي استثنائي، شكّل في حد ذاته نقطة تحوّل مفصلية في تاريخه الحديث والمعاصر، حدث يمني الهوى والهوية، نجح بامتياز في وضع نهاية لنظام الوصاية والتبعيّة للسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، ومثّل إعلانًا صريحًا بقطع الأيادي السعودية الممتدّة للداخل اليمني، ووضع نهاية لهيمنة وسطوة وتسلُّط السفارتين السعودية والأمريكية، وتسيُّد السفيرين السعودي والأمريكي على سلطة القرار السيادي اليمني، وتحكّمهما بشؤون اليمن واليمنيين، إلى الحد الذي ذهب السعودي بكل جرأة ووقاحة وقلة حياء لوصف اليمن بأنها حديقة خلفيّة له، بعد أن باتت قيادات الدولة ونخبها السياسية والاجتماعية البارزة على الساحة اليمنية مرتهنةً للجنتها الخاصة، التي كانت تمنحهم الاعتمادات المالية الشهرية، ليبقى اليمن رهينةً لقرن الشيطان، وتقديم اليمن في صورة البلد الضعيف الفقير، الذي لا يستطيع أن يقف على قدميه بدون مكرُمات الديوان الملكي السعودي، ليبقى اليمن مُنتهَك السيادة، مستباح الأرض، مرتهن القرار، مسلوب الإرادة.

إنها ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيدة، ثورة الحرية والاستقلال، ثورة العزة والكرامة، ثورة الشموخ والإباء، ثورة الشرفاء الأحرار من أبناء هذا الوطن المعطاء، بقيادة قائدها الحكيم السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، الذي وقف كالطود الشامخ العظيم في مواجهة قوى المبادرة الخليجية، ومشاريعها التآمرية ضد اليمن واليمنيين، ونجح في تعرية حكومة المحاصصة والتقاسم، والتي فشلت فشلًا ذريعًا في إدارة شؤون البلاد، وأظهرت عَمالَتها وارتهانها للسعودية وأمريكا، وتحولت إلى أداة قذرة بأيديهما لتنفيذ أجندتهما الخبيثة، وأهدافهما الشريرة، وفي مقدمتها تدمير الجيش اليمني وتفكيك أوصاله تحت يافطة إعادة الهيكلة، بإشراف أمريكي مباشر، والذهاب نحو ترسيخ ثقافة الفَيد والنهب، والشرعَنة للفساد والمفسدين، والقفز على مطالب الثورة الشبابية، التي تمت سرقتها، وإعادة إنتاج النظام السابق في قالب جديد، باسم الثورة والثوار، رغم أن السواد الأعظم من تلكم القيادات كانوا هم الشر المستطير الذي تعاني منه البلاد، وهم سبب كل البلاوي التي وصلت إليها، والأزمات التي تعصف بها.

أضف إلى ذلك الوضع انهيار المنظومة الأمنية، وتحوّل البلاد إلى بؤرة للاغتيالات، والتفجيرات، والتقطّعات، وفتح الباب على مصراعيه أمام العناصر التكفيرية التي حظيت بدعم واهتمام السلطة السابقة واللاحقة، لتنفيذ جرائمهم البشعة بمشاركة عناصر سعودية، كما حصل في مستشفى العرضي بالعاصمة صنعاء، وبروفة العرض العسكري لقوات الأمن المركزي بميدان السبعين، وما تعرّض له الجنود والضباط من استهداف من قِبل ما يسمّى بالقاعدة في حضرموت وأبين، والاعتداء على المواطنين في رداع، وحادثة حافلة القوات الجوية، وتفجير كلية الشرطة، علاوةً على حوادث سقوط الطائرات، واستهداف الكوادر والعقول الوطنية بصورة مُمَنهَجة، وكذلك جرائم استهداف المساجد ودور العبادة في يوم الجمعة ، ومن ثَمَّ الذهاب للانقلاب على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والتوجّه نحو تقسيم اليمن تحت مسمى الأقلَمة، والإصرار على التمسك برموز الفساد والإجرام، والذهاب لترميزهم وتمكينهم من إدارة البلاد.

كل تلكم الأسباب وتداعياتها الكارثية كانت كفيلة بأن تتحرك القوى الوطنية الحرة لتصحيح المسار الثوري، والعمل على تغيير ذلكم الواقع البئيس جدًّا، من خلال استمرارية الوهج الثوري المطالب بتحقيق أهداف الثورة الشبابية، ووضع نهاية لنظام الوصاية والتبعية للشيطان الأكبر وقرنه، وتحرير القرار السيادي اليمني من أي شكل من أشكال التبعية للخارج، والعمل على استعادة السيادة اليمنية المنتهَكة، وترسيخ قيم الحرية والاستقلال على أرض الواقع، بعد أن ظلت مجرد شعارات جوفاء، للدعاية الإعلامية والاستهلاك المحلي، وخداع وتزييف الرأي العام والتشويش على الوعي الجمعي للمجتمع اليمني، حيث تمكّن الثوار الأحرار من إسقاط نظام الوصاية، وتحرير القرار اليمني من كافة أشكال التبعية للخارج، ليشهد اليمن في 21 سبتمبر من العام 2014م قيام أول ثورة يمنية يمنية، بمعزل عن أي تنسيق أو تخطيط أو مشاركة خارجية.

ثورة لم تذهب لقتل وسحل الخصوم والتنكيل بهم، ولم تقدمهم للمحاكمات، ولم تذهب بهم إلى غياهب المعتقلات والسجون، ولم تنصب لهم المشانق، بل ذهبت لترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية، من خلال اتفاق السلم والشراكة الوطنية، الذي وضع القوى السياسية اليمنية أمام مسؤولية تاريخية غير مسبوقة، للمشاركة الفاعلة في إدارة شؤون البلاد، وطَي صفحة الماضي، والعمل على تحقيق أهداف الثورة السبتمبرية، التي تمثل امتدادًا لأهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، التي ظلت لعقود من الزمن مجرد شعارات تزين صدر الصفحة الأولى للصحف الرسمية، وكان الأمل يحدو القوى الثورية الوطنية بأن يتعاطى الجميع بمسؤولية حيال ذلك، ولكن ارتهان بعضها للسعودية والولايات المتحدة الأمريكية دفع بها للذهاب نحو التصعيد والتأزيم، كخطوة استباقية للعدوان السعودي والأمريكي والإماراتي الغاشم والحصار الجائر الذي انطلق في 26 مارس 2015م من أجل إجهاض ووَأد الثورة السبتمبرية في مهدها والقضاء عليها، لتعود السلطة والهيمنة والتابعية والحاكمية للسعودية وأمريكا عبر سفارتيهما وسفيرَيهما، ولكن الثورة بفضل الله كانت أقوى من عدوانهم ومخططاتهم، وها هي في عامها الثاني عشر، تسير بكل ثقة بالله وتوكّل عليه، في طريق استكمال تحقيق أهدافها، بالتوازي مع استمراريتها في مواجهة الخطوب والأخطار المحدقة بها، وفاءً لتضحيات الشهداء العظماء، وتحقيقًا لحلمهم المنشود في بناء دولة يمنية حرة مستقلة القرار والإرادة.

والعاقبة للمتقين.

قد يعجبك ايضا