تحالف «الرياض أنقرة إسلام آباد» صورة مستنسخة من حلف بغداد 1955

صنعاء فاجأت الأمريكي بالضربات الاستباقية في مارب وحضرموت والمخا لاحقاً فذهب لتحالف لم تُحدَّد أطره بعد

الثورة / إبراهيم الوادعي

بعد أيام على توقيع ما سُمي باتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، ، بدأت أصوات أحزاب تركية ترتفع في وجه اردوغان رافضة توريط تركيا في مشاكل وتهديدات خارج حدودها ، وتصدر زعيم حزب الوطن التركي المعارض تلك الأصوات مذكرا أردوغان بتقييمه للمشكلة اليمنية السعودية ووصفه الحصار السعودي على اليمن بأنه ظالم ويجب رفعه فورا وبأنه أساس المشكلة..

وقال سياسي معارض لأردوغان أن التجربة العثمانية في اليمن يجب ألا تتكرر، واليمن مقبرة الامبراطوريات، والشعب التركي لا يريد تكرار هذه التجربة، لافتا إلى أن الصناعة التركية لأسلحة قد تفقد بريقها وسوقها الدولي مع تكرار سقوط مسيّرات بيرقدار وكيريال .

وبينما نأت مصر بنفسها عن اتفاق مكة الدفاعي بقرار ذاتي أو تكتيك أميركي يحاول إبعاد قناة السويس عن دائرة التصعيد، يبدو أن رغبة كل من تركيا وباكستان تجاه الأموال السعودية ، وعجزهما عن مقاومة الضغوط الأميركية أكبر من المخاطر التي يحملها هذا الاتفاق كما يصوره الإعلام السعودي وحتى الإعلام الغربي الذي احتفى بالاتفاق بكونه محور سنياً ينشأ في مواجهة ما سماه المحور الشيعي قاصداً محوراً الجهاد والمقاومة رغم وجود الفصائل الفلسطينية فيه وهي سنية بالطبع ، وقبيل الاتفاق وصفت رويترز الحلف أو الاتفاق بأنه يضم اكبر ثلاث قوى سنية ويعيد ما سمته التوازن إلى العالم الإسلامي، تركيا كدولة مصنعه للسلاح وباكستان كدولة نووية والسعودية كقائدة العالم الإسلامي باعتبار مكة موجودة تحت سيطرتها.

مشروع ماكين

فكرة التحالف السني أو الناتو السني أو العربي هي فكرة ليست جديدة، وتعود إلى مالكها الهالك السيناتور جون ما كين اكبر الدعمين لإسرائيل والمعادين للإسلام، ، وتكمن فلسفتها في إدارة فوضى في الشرق الأوسط بأدوات إقليمية تسمح ببقاء إسرائيلي مهيمنة ، ولا تكلف الإدارة الأمريكية أي مسئولية قانونية أو مادية، بينما تسير كل أدوات الفوضى وفق الرغبة الأمريكية والممسكة بكل الخيوط بعيداً عن الأعين، وفي خطاب له شهير أمام الكونجرس قبيل الحرب السورية انتقد ماكين الأصوات التي حذرت من الخطوة ، مقدما ما سماه الفرصة الذهبية بوجود جيش إسلامي وبأموال إسلامية يقاتل من اجل المصالح الأميركية في المنطقة ويحمي إسرائيل ودون أن تتكلف الخزينة الأمريكية قرشا واحدا، بل ستكسب مليارات الدولارات عبر بيع السلاح للمتقاتلين ..

تأجلت فكرة التحالف السني آنذاك كإعلان رسمي لكنها حضرت ضمنا لإسقاط سوريا على مدى خمسة عشر عاما ، وأقيمت في تركيا غرفة عمليات ضمت الأتراك السعوديين والقطريين والاماراتيين ودول أخرى تحت رعاية وإدارة أمريكية جلبت داعش والقاعدة والآلاف من المرتزقة الأجانب ، وزرعت الفوضى على مدى عقد ويزيد ، وليس الأمر يحتاج إلى طول شرح عن الفظائع التي وقعت وتحدث عن دور الجميع محمد بن جاسم آل ثاني في مقابلة تلفزيونية شهيرة عن سبب الإخفاق ، قبل أن ينقلب الميدان في سوريا لصالح هذه الأطراف، ورأينا الوفود الخليجية والأوروبية تهرع إلى دمشق لتصافح التكفيريين رغم أن قوانينها تجرمهم وتطلب إعدامهم، ورأينا أولئك يرتمون في أحضان البيت الأبيض والكيان الصهيوني مسقطين كل الشعارات التي خدعوا بها الآلاف واستجلبوهم من أصقاع العالم.

• تحالف اقل مستوى

وبالعودة إلى التحالف التركي الباكستاني السعودي مجازا قبل أيام ، فهو يظل أقل من المستوى الذي بلغه التحالف ضد سوريا بالنظر إلى عدة أسباب:

• التجربة المريرة لهذه الدول في سوريا، والخلافات المريرة التي عصفت بهذا التحالف واستئثار تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل بالكعكة السورية دوناً عن بقية الدول التي أنفقت المليارات ، واقتصر دورها لاحقا عقب سقوط دمشق على تقديم المزيد من الأموال دون فوائد أو تعويضات ، بل استمر الأمريكي في نهبها وحلب المليارات من خزائن نفطها

• المأزق السعودي في اليمن وإدراك هذه الدول أن السعودية التي عجزت عن تحقيق نصر على مدى 15 عاما لن تحققه اليوم.

• قدرة صنعاء العسكرية والتي تمكنها من إغلاق البحر الأحمر في وجه تجارة تلك الدول وإلحاق أضرار اقتصادية جمة بها، وهم يرون أن السعودية تعاني جراء الحصار البحري اليمني وأقصى استطاعتها هو البحث عن طرق التفافية لسفنها وناقلاتها .

• الخلافات التي تعصف بالبيت الخليجي ، وبلغت حد الأحقاد ، وفقدان الثقة في تحالفاتها الداخلية التي تتقلب بين عشية وضحاها، اتفاق مكة في احد جوانبه ينعي ما يعرف بمجلس التعاون الخليجي ودفاع الجزيرة المشترك .

• انكسار الهيمنة العسكرية الأمريكية ما بعد معركة البحر الأحمر، وتدمير القواعد العسكرية في الخليج والأردن وانكفاء سنتكوم القيادة المركزية الأمريكية المشرفة على القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى داخل الأراضي المحتلة بعيدا عن الخليج وساحة المعركة في ايران.

• تخلي ترامب في مايو 2025 مع فشل العدوان العسكري الأمريكي الذي حمل اسم الفارس الخشن عن إسرائيل ، في مقابل مرور سفنه عبر البحر الأحمر وهو مؤشر أن الولايات المتحدة التي باعت إسرائيل وهي الحمدلله لن تتردد لحظة في التخلي عنهم.

ولأجل هذه العوامل وعوامل أخرى خرجت تصريحات متضاربة من إسلام أباد وأنقرة حول طبيعة التحالف الدفاعي وانه بمثابة تنسيق للجهود الدفاعية في نزول لسقف التصريحات التي شاهدناها قبيل وعقب توقيع الاتفاق وهلل لها الإعلام السعودي، وحتى هدف التحالف النهائي وهو حماية «إسرائيل» مع انحسار الهيمنة والوجود الأمريكي في المنطقة فلن تستطيع تركيا والسعودية القيام بما عجزت عنه الولايات المتحدة، ولذلك فالقلق متزايد في الدوائر الصهيونية حول نتائج المواجهة مع ايران ، وتدفع لجولة جديدة انطلاقا من عدم حسم أو تحقيق انتصار واضح يوفر للكيان مزيدا من العمر..

• صنعاء تختبر الاتفاق الثلاثي

صنعاء اختبرت اتفاق « انقرة الرياض إسلام آباد الدفاعي» ومداه حين أعادت ضرب مصفاة جيزان وأجبرت أرامكو على تمديد اغلاقها حتى الـ 31 من أغسطس، بعد أن كان مقررا إعادة افتتاحها في الأول من أغسطس الحالي، وفي ظل حديث الدول أن المباحثات حول التحالف استمرت لعام، كان ينبغي أن يكون له رد باعتبار أن آليات الرد صارت واضحة والإجراءات التنفيذية بت فيها..

• استنساخ حلف بغداد

تضارب التصريحات لاحقا يكشف أن تحالف الرياض وأنقرة وإسلام آباد قد طبخ على عجل ، ودفع بالدول الثلاث وهي دول تدور بالمناسبة في الفلك الأمريكي ولا تصنف نفسها خارجه، دفع بها إلى توقيع اتفاق مستعجل تناقش أطره لاحقا ، ومرد ذلك أمرين:

• الهجوم الاستباقي المفاجئ والكثيف الذي شنته صنعاء على التحشيدات العسكرية التابعة للسعودية وطبعا بتشجيع أمريكي، وإجهاض حرب برية كانت قاب قوسين أو أدنى وفقا لتصريحات قادة عسكريين في طرف المرتزقة أو سياسيين يمنيين مرتزقة في الرياض.. واحتاجت الولايات المتحدة إلى سحب صورة الصدمة لدى النظام السعودي ليستمر ولاينكسر عبر تحالف هو أشبه بتحالف بغداد 1955م.

تحالف بغداد ضم في عضويته تركيا باكستان وإيران في عهد الشاه رضا بهلوي بالإضافة إلى بريطانيا وكان أن سقطت الملكية في العراق بعد عامين من تأسيسه- فهل تسقط المملكة أيضا.

وللمفارقة أيضا كانت الولايات المتحدة الأمريكية مالكة الفكرة والداعم الأساسي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً للحلف، لكنها فضلت عدم الانضمام إليه رسمياً لتجنب توتر علاقاتها مع بعض أطراف الصراع العربي الإسرائيلي ولعدم إثارة حفيظة مصر بقيادة جمال عبد الناصر، واكتفت بالمشاركة بصفة مراقب وعقد اتفاقيات ثنائية مع الدول الأعضاء).

وكان من أهداف حلف بغداد وقف المد الشيوعي والدفاع المشترك عبر خلق إيجاد منظومة دفاعية إقليمية لحماية أمن واستقرار الدول الأعضاء استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة، تعزيز النفوذ البريطاني والغربي عبر تأمين مصالح الدول الكبرى (وخاصة بريطانيا) في المنطقة ومصادر النفط وخطوط المواصلات الإستراتيجية.

والأمر مع تعديل طفيف في المسميات يجعل التشابه حد التطابق في الأهداف بين حلف بغداد 1955، وحلف « السعودية» 2026م، ووجود أمريكا في المشهدين لا يخرجه عن المعسكر الأمريكي الذي نبع منه حلف بغداد بالأمس أو حلف «مكة اليوم»..

• الأمر الآخر مرتبط بتطورات المنطقة وصعوبة بقاء الأمريكي فيها بعد تدمير الطبقتين من قواعده في الخليج والسعودية والأردن، وانكفاء قيادته محصورة في فلسطين المحتلة، مع ما أثاره ذلك من قلق وعجز لدى الطرف الأمريكي والصهيوني على حد سواء ونشوب الخلافات، مثال الخلاف الدائر حول تجميع 100 طائرة تزود بالوقود إلى مطار بن غوريون بعد تهديد مطار رامون عقب ضربة العقبة.

تريد أمريكا تجميع حلفائها في إطار يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم لاحقا فيما تنسحب هي بقواتها أو تنحصر في فلسطين المحتلة.

وفي الطرف المقابل يسعى محور الجهاد بما في ذلك اليمن إلى كسر الوجود الأمريكي والهيمنة الصهيونية في المنطقة وصولا إلى تحرير فلسطين .

المعادلة صفرية بين المعسكرين.. وبسقوط الأمريكي ستغرق معه كل المراكب التي واصلت الإبحار بنتيجة المعركة المحسومة وفق وعد الله والمؤشرات الميدانية لصالح محور الجهاد والمقاومة وأبناء المنطقة الأحرار خلال الجولات الأخيرة والتحولات الاستراتيجية على مستوى المنطقة والعالم كارتدادات لطوفان الأقصى المبارك استراتيجيا، بما في ذلك بروز اليمن تفرض حضورا إقليميا ودوليا بسيطرتها على احد اهم الممرات العالمية ومقارعتها للدولة العظمى وكسرها للمشروع الصهيوني المهيمن على العالم.

ويمنيا قد تأتي مرحلة الفرج اليمني على حساب سقوط العرش السعودي وتلك حماقة جرها أصحابها على أنفسهم ، رغم كل المؤشرات على عقم الخيارات العسكرية السعودية في اليمن ، وغرق المركب الأمريكي في المنطقة برمتها ، «فرعون اقتحم البحر رغم إدراكه بأنه معجزة اختص الله بها موسى، لكن ذنوبه ساقته إلى الهلاك وهو يرى».

قد يعجبك ايضا