قياسا بخارطة طريق» شاملة أقرها سابقا «مجلس السلام» ووافقت عليها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» للانتقال إلى المرحلة الثانية لخطة إنهاء حرب غزة، خلصت جولة المبعوثين الأمريكيين جاريد كوشنر ونيكولاي ملادينوف في المنطقة إلى تفاهمات مع حكومة الكيان الإسرائيلي لتعديل «خارطة الطريق» بمقترحات تؤجل بند إعادة إعمار غزة إلى ما بعد تجريدها من السلاح مع إشراف أمريكي مباشر على عمليات نزع السلاح.
تحليل / أبو بكر عبدالله
كانت «خارطة الطريق» التي أعلنها «مجلس السلام» مطلع أغسطس الجاري، قد طُرحت كمسودة اتفاق بين المجلس وحركة «حماس» لبدء تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة إنهاء حرب غزة، بالانتقال من حالة الهدنة المؤقتة إلى الوقف النهائي للحرب والشروع بإجراءات متزامنة تشمل حصر وتخزين السلاح من قبل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، وتسلم اللجنة الوطنية مهامها ودخول قوة الاستقرار إلى غزة وإطلاق عمليات إعادة الإعمار.
غير أن هذه الخارطة جوبهت برفض من حكومة الكيان الإسرائيلي التي اشترطت نزع سلاح «حماس» أولا وبشكل كامل قبل أي انسحاب، ما أدى إلى ظهور فكرة تعديل الخطة بعد مباحثات جمعت المبعوثين الأمريكيين إلى المنطقة جاريد كوشنر والممثل الأعلى لـ»مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف ورئيس حكومة الكيان الإسرائيلي وحصلت على موافقة أمريكية مقابل قبول إسرائيل العودة إلى مسار خطة المرحلة الثانية بعد أن كانت قد أعلنت رفضها بشكل كامل.
دعت التداعيات الميدانية المتصاعدة في غزة والضفة الغربية وتصلب حكومة نتنياهو برفض «خارطة الطريق» 8 دول عربية وإسلامية (مصر ـ تركيا ـ السعودية ـ قطر ـ الإمارات ـ الأردن ـ إندونيسيا ـ باكستان) إلى إصدار بيان مشترك أدان العمليات العسكرية الإسرائيلية واتهم حكومة الكيان بشكل مباشر بتعطيل الانتقال للمرحلة الثانية من خطة إنهاء حرب غزة بعد إعلان الجانب الفلسطيني والعربي قبوله «خارطة الطريق» المنجزة.
هذا الموقف عزز المخاوف الأمريكية من احتمال أن يقود الموقف الإسرائيلي إلى انهيار «خارطة الطريق»، ما دفع ترامب إلى إرسال صهره كوشنر بصحبة الممثل الأعلى لـ»مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف إلى المنطقة لحمل حكومة الكيان العودة إلى «خارطة الطريق» التي عطلتها برفضها الانخراط في آليات لتنفيذها على الأرض.
ورغم التصريحات التي نسبت إلى مسؤولين في «مجلس السلام» بأن مباحثات كوشنر مع نتنياهو أفضت إلى «اتفاق على مسار للمضي قُدماً في حل أزمة غزة» كشفت تصريحات كوشنير وتسريبات الصحافة العبرية عن منحى مختلف، بتمسك نتنياهو بشروطه نزع السلاح أولا قبل الانسحاب وعدم وقف إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة وأكثر من ذلك عدم استعداده تقديم ما يمكن أن يمهد الطريق لإقامة دولة فلسطينية.
موقف حكومة الاحتلال قاد المبعوث الأمريكي إلى إعادة هندسة «خارطة الطريق» من خلال ربط بند نزع السلاح بالبند الخاص بإعادة الإعمار، واعتماد رقابة وإشراف أمريكي على عملية نزع السلاح، مع الإقرار بحق جيش الاحتلال بتنفيذ أي عمليات عسكرية ضد ما يعتبره تهديداً في قطاع غزة مع تشكيل مجموعتي عمل، تعنى الأولى بترتيب عمليات نزع السلاح وتعنى الثانية بقضايا الصحة والبيئة.
قبل هذه التفاهمات كانت التقديرات تذهب إلى أن مهمة كوشنر ستركز على انتزاع التزامات إسرائيلية واضحة تجاه المسار الشامل الذي نصت عليه «خارطة الطريق» المنجزة خصوصا بعد أن حظيت بموافقة «حماس» و» مجلس السلام» وموافقة المجموعة العربية والإسلامية المشاركة في الوساطة الدولية، قبل أن تفضي نتائج مباحثات كوشنر ـ نتنياهو إلى تعقيدات جديدة أعادت الجميع إلى المربع الأول.
عزز ذلك تأكيد كوشنر أن الولايات المتحدة لن تسمح بإعادة إعمار غزة قبل إكمال عمليات نزع السلاح، وحديثه عن إمكانية إنجاز عملية نزع السلاح خلال فترة قصيرة لن تتجاوز الـ 30 يوما.
حسابات إسرائيلية
النتائج التي خلصت إليها مباحثات كوشنير ـ نتنياهو، حظيت بترحيب إسرائيلي، كونها قادت إلى تعديل «خارطة الطريق» المنجزة من خلال ربط ملف إعادة الإعمار بنزع السلاح، بما أتاح لحكومة الكيان وواشنطن أداة ضغط اقتصادية قوية على «حماس» وعلى غزة وسكانها الذين ينتظرون بفارغ الصبر جهود إعادة الإعمار والعودة إلى مناطقهم بعد سنوات من النزوح في ظروف إنسانية صعبة.
من جانب آخر، فقد أزاح الاتفاق جانبا «خارطة الطريق» المجمع عليها من «حماس» والوسطاء الدوليين و»مجلس السلام» وبالتالي إنهاء أو تخفيف الضغوط الأمريكية على نتنياهو، كما أن الاتفاق منحه وقتا كافيا للمناورة في معركة السباق الانتخابي، كون أي تعديلات جديدة على خارطة الطريق» ستحتاج إلى أشهر من المفاوضات للوصول إلى خارطة جديدة، وهو ما يحتاجه نتنياهو لتأجيل كل هذا الملف إلى ما بعد الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل.
والمطالب والشروط التي وضعتها حكومة الاحتلال للمضي بخطة المرحلة الثانية، لم تقدم حلا للعقدة المركزية الكامنة في تزامن تنفيذ تسليم السلاح والانسحاب، كما لم تقدم حلولا لآليات وحدود الانسحاب الإسرائيلي وهي النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للجانب الفلسطيني الذي يطالب بآليات واضحة ومجدولة زمنيا للانسحاب التدريجي الإسرائيلي من حوالي 60% من مساحة قطاع غزة بالتوازي مع خطوات تسليم السلاح، في حين أنها وضعت تعقيدات جديدة بربطها انسحاب قوات الاحتلال من غزة بخطوة إعادة الإعمار.
ومن جانب آخر، فإن عمليات تسليم أو حصر وتخزين السلاح، كانت في خارطة الطريق» المنجزة، قد تساوقت مع هدف واضح وهو الانسحاب الإسرائيلي من غزة، في حين أن التعديل يحوّل المعادلة عملياً إلى نزع السلاح الكامل تحت التحقق الأمريكي وربط إعادة الإعمار بالانسحاب الإسرائيلي.
ووفقا لذلك فإن مشروع التعديل سيفصل بند «إعادة الإعمار» الذي طالما كان الشغل الشاغل للغزيين وفصائل المقاومة خصوصا وأنه مرتبط بعودة النازحين وعودة تدفق المساعدات.
والأخطر من ذلك التقارير التي تحدثت عن قبول البيت الأبيض مطالب إسرائيل في السماح لجيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ عمليات عسكرية في قطاع غزة، بما يعني تأجيل بند رئيسي في خطة المرحلة الثانية الهادفة إلى الانتقال من حالة الهدنة المؤقتة إلى الوقف الدائم والنهائي للحرب.
الموقف الفلسطيني
وعلى أن «حماس» ومعها فصائل المقاومة الفلسطينية لم تُعلن بعد موقفا من التوجهات الحاصلة لتعديل «خارطة الطريق»، إلا أن اتجاهات التعديلات المقترحة تدعو إلى التكهن بأن احتمال موافقة «حماس» عليها لا يزال ضعيفا للغاية.
والسبب في ذلك أن اتجاهات التعديل المعلنة قد تفقد «حماس» وفصائل المقاومة واحدة من أهم أوراق الضغط لحمل سلطة الاحتلال الشروع بخطوات عملية للانسحاب، كما أنها ستقود إلى بقاء قواتها داخل غزة، لفترة طويلة حتى بعد الانتهاء من نزع السلاخ مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وهو ما قد ترفضه «حماس» تماما.
والمؤكد أن حسابات «حماس» وسائر فصائل المقاومة، لا تزال تتمسك ببند إعادة الإعمار بدرجة عالية، وتريد لهذا البند أن يبقى جزءا من العملية الشاملة التي تشمل إنهاء الحرب وتسليم السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.
ذلك أن إعادة الإعمار بالنسبة لـ «حماس» والشارع الفلسطيني، هي المقابل العملي لإنهاء الحرب ونزع السلاح، بما يمثله بند الإعمار من فرض واقع جديد على الأرض يصعب على إسرائيل التراجع عنه، في حين أن تعليق هذه الجهود سيفرض بقاء الحرب وآثارها لفترات طويلة يمكن لإسرائيل خلالها أن تعلن أي وقت أن شرط نزع السلاح لم يكتمل وبالتالي عدم البدء بجهود إعادة الإعمار.
ومن جانب آخر، فإن غزة مدمرة وبدون مرافق بنية تحتية واستمرار معاناة النازحين، ستكون أشبه ببيئة طاردة غير صالحة للحياة وأكثر من ذلك أنها ستجعل عمليات تسليم أو حصر وتخزين السلاح أكثر صعوبة.
معضلة الحل المقبول
الهدف من الشروط الإسرائيلية التي أفضت إلى مشروع لتعديل «خارطة الطريق» المنجزة، كان أبعد من مسألة نزع السلاح، فحكومة اليمين المتطرف تريد إحداث تغيير شامل في الجغرافيا وفي ميزان القوة، ولذلك أصرت على أن تكون نقطة البداية هي النزع الكامل للسلاح وثانيا الانسحاب وإعادة الإعمار، في مناورة لا يبدو أنها ستدعم المضي بخارطة الطريق بقدر ما تمنحها وقتا أطول قبل انهيارها.
وهذا المسار وضع مجلس السلام أمام مهمة صعبة لصياغة خارطة طريق بديلة تلبي المطالب الدولية المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن بشأن خطة إنهاء حرب غزة، والضغوط الأمريكية لإنجاز الخطة، وتلبي شروط ومطالب إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية وتقود إلى مسار ينهي الحرب ويفرض أجواء السلام كأمر واقع، بما يعزز جهود انهاء المعاناة الإنسانية للعزيين ويزيل أسباب التوتر التي يمكن أن تعيد فرص تجدد الحرب.
وما من مسار يمكن أن يلبي كل ذلك سوى اعتماد «مجلس السلام» والوسطاء الدوليين صيغة جديدة أقرب إلى النص الأصلي لخارطة الطريق بإقناع «حماس» وفصائل المقاومة بالانخراط بجدول مرحلي لتسليم السلاح تحت الإشراف الأمريكي، بحيث يتم تنفيذ ذلك على مراحل محددة مقابل انسحاب مرحلي للجيش الإسرائيلي في ظل آلية تحقق أمريكية ودولية مستقلة.
وأي تعديل لـ «خارطة الطريق» بمسار مختلف، سيفضي بلا شك إلى ثمن باهظ سيدفعه سكان غزة، خصوصا وأن إرجاء أو تأخير خطوات إعادة الإعمار التي تحتاج إلى ميزانية مالية ضخمة، قدرها البنك الدولي بنحو 71.4 مليار دولار سيضع أكثر من مليوني فلسطيني تحت طائلة انتظار طويل يفاقم معاناتهم الإنسانية المتدهورة.
والخطورة هنا تكمن في أن مسار التعديل المعلن حتى الآن، سيحول بند إعادة الإعمار إلى موضوع للتفاوض، بدلا من كونه حقا إنسانيا يواكب وقف الحرب، بما يبقي غزة وسكانها في أتون مرحلة انتقالية طويلة من اللا حرب واللا سلم يصعب تحملها.
وحيال ذلك فإن المدخل الأكثر واقعية أمام الوسطاء الدوليين هو تعديل التعديل المقترح، بمعنى وضع صيغة تسمح بتنصيب جنرال أمريكي للإشراف على عمليات نزع السلاح، بما يجعلها قابلة للتحقق، وفق معادلة كل خطوة لنزع السلاح تقابلها خطوة مقابلة في الانسحاب الإسرائيلي وخطوة مقابلة في إعادة الإعمار.
وهناك حاجة أيضا إلى صيغة حل تقلل من الفترة الزمنية المطلوبة لنزع السلاح، بما يجعل بند إعادة الإعمار متزامنا، بما يسمح بتخفيف ثقل الفترة الانتقالية التي ستتحملها غزة وسكانها، في حين أن النص بالتأجيل إلى حين الانتهاء من مرحلة نزع السلاح سيحولها إلى مشكلة استراتيجية عميقة.
وبهذه الآلية لن تكون «حماس» مطالبة بتسليم السلاح أولاً ثم انتظار الانسحاب والإعمار وإنما يصبح السلاح جزءاً من عملية تبادل مستمرة ضمن عملية شاملة تشمل الانسحاب وإعادة الإعمار، كما أنها ستترجم الرؤية الأمريكية المتوافقة مع رؤية الوسطاء الدوليين والتي سجلت مؤخرا اعتراضها الشديد على وضع إسرائيل شروطا لتنفيذ خطة المرحلة الثانية عطلت تنفيذها بصورة كاملة.
ونجاح واشنطن وفريق الوسطاء الدوليين بهذا الأمر، سيعني المحافظة على جوهر «خارطة الطريق» المنجزة، وأتاحت بالمقابل لـ «حماس» والفصائل الفلسطينية سبباً وجيهاً للاستمرار في تنفيذ الاتفاق، وفي الوقت نفسه أعطت إسرائيل ضمانة بأن عملية نزع السلاح لا يمكن أن تتوقف بعد الخطوة الأولى.
ولكون التعديلات بالصيغة المعلنة حتى الآن قد لا تكون مقبولة من جانب «حماس» وفصائل المقاومة، فإن المُرجح هو صياغة خطة مرحلية بخطوات لتسليم جزء من السلاح بآلية تحقق أمريكية يقابلها انسحاب إسرائيلي محدود، بحيث تستكمل إجراءات نزع السلاح مع توسيع عمليات الانسحاب وبدء خطة إعادة الإعمار وهي الصيغة التي ستجنب كل الأطراف أي انتقادات أو ضغوط داخلية.
لكن هذا المسار يبقى مرهونا بقدرة واشنطن على دعم آلية قابلة للتنفيذ بالمسار الذي وضعته في «خارطة الطريق» السابقة القائم على مبدأ التزامن وهو أمر إن تحقق يمكن أن تنطلق معه فعليا خطة المرحلة الثانية دون عراقيل.
وسوى ذلك سيبقى المأزق نفسه الذي عرقل تنفيذ «خارطة الطريق» السابقة قائما أمام أي «خارطة طريق» جديدة لا تستوعب مطالب وشروط ومخاوف سائر الأطراف.
