بين الكعبة والأقصى: تسقط أقنعة الخطاب الديني السعودي

نبيل بن جبل

 

آل سعود امتداد لطغيان بني أمية سلطة أحكمت قبضتها على أرض وشعب نجد والحجاز بالقوة والحديد والنار وسخرت الدين وأقدس مقدسات الأمة لحماية ملوك الجور وألبست الباطل ثوب الحق حتى يقدم ظلم الملك في صورة الطاعة ويقال للناس:”أطع ولي الأمر ولو قصم ظهرك وأخذ مالك” بل تجرأ بعضهم إلى القول بما هو أشد من ذلك حتى قالوا: “ولو رأيته والعياذ بالله يزني على الشاشة بشكل متعمد ومباشر عدة مرات في اليوم” ليصبح الاعتراض على السلطة الظالمة وحاكمها المجرم وكأنه اعتراض على الدين نفسه.

وفي هذه المنظومة يقف علماء السوء ودعاة الضلال والأقلام والأبواق المأجورة؛ يبررون للملك طغيانه وظلمه وخدمته لأعداء الأمة وينسبون إلى الدين ما ليس منه ويقلبون الحقائق ويضللون الناس بالأكاذيب والأوهام والأراجيف ثم يدفعون البسطاء إلى مواجهة جبهات الحق وأهله الذين يقفون بكل شجاعة وإقدام في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار العالمي وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل وبريطانيا تحت شعارات حماية الدين والمقدسات والدفاع عن الصحابة.

وبينما ترفع هذه الشعارات تستخدم فتاواهم وخطاباتهم لصرف الأمة عن قضاياها الكبرى ومواقفها العظمى وإشغالها عن عدوها الحقيقي الذي خلد القرآن شدة عداوته في قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا).

ولم يكن المال منفصلا عن هذا الدور بل صار وقودا له؛ فتسخر أموال المسلمين من عائدات الحج والعمرة إضافة إلى خيرات النفط والغاز لجلب العاهرات والراقصات إلى ملاهي المجون بالقرب من مكة والرقص على مجسمات تشبه مكة أمام مرأى ومسمع من أبناء الأمة ويبرر ذلك علماء السوء ودعاة الضلال وأبواق النفاق تحت عناوين “الانفتاح” وجلب السياح والاستثمار وغيرها.

كما تسخر هذه الأموال لخزائن أعداء الأمة عبر صفقات السلاح وشراء المواقف الدولية وتستخدم في الداخل الإسلامي لإذكاء نيران الفتن بين أوساط الأمة وللعدوان على شعوبها وفي شراء الولاءات والذمم واستقطاب الخونة وتمويل أدوات النفاق والتضليل ودعم المنابر الدينية والإعلامية التي تبرر سياسات النظام الظالمة وتٌقدم خضوعه للطغاة وممالأته لأعداء الأمة وسعيه المستمر في خدمتهم وكأنه من مقتضيات الدين.

كما تسخر هذه الأموال والنفوذ في خدمة المشاريع الأمريكية والصهيونية وفي مقدمتها العدوان على شعبنا اليمني العزيز؛ فالنظام السعودي هو المعتدي الذي شن العدوان ابتداء وفرض الحصار علينا بلا مبرر ولا وجه حق واستهدف أرضنا ومصادر معيشتنا وحرمنا من الاستفادة من ثرواتنا ومن أبسط حقوقنا ومنع حتى من يحتاج إلى السفر للعلاج من الوصول إلى مبتغاه ويمضى في عدوانه وحصاره الوحشي خدمة للمشروع الأمريكي والصهيوني ثم يحاول أن يلبس عدوانه وحصاره هذا ثوب الأمن والدين وحماية المقدسات زورا وبهتانا.

فالنظام الذي يحاول ان يستخدم مكانة المقدسات الدينية غطاء لعدوانه على يمن الإيمان والحكمة والجهاد يضع نفسه أمام تناقض مفضوح. فلا حرمة مكة تبرر عدوانا ظالما يقتل النساء والأطفال ويحاصر شعبا بأكمله ولا قدسية المقدسات تمنح المعتدي شرعية ولا الخطاب الديني يستطيع محو آثار العدوان وآلام الشعب اليمني.

وقد ورد في الحديث النبوي الشريف :”لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم” ؛ فكيف يُستساغ أن ترفع حرمة البيت شعارا ثم تستباح دماء المسلمين وحقوقهم تحت أي ذريعة؟.

ولا تقف المفارقة عند اليمن بل تمتد إلى فلسطين؛ فالمعيار نفسه الذي يرفع باسم الدين والمقدسات في اليمن يختبر أمام المسجد الأقصى وغزة فحين يقف شعبنا اليمني معلنا نصرة فلسطين والدفاع عن المسجد الأقصى ويتخذ من ذلك موقفاً عسكرياً وشعبياً ثابتاً يبرز السؤال بوضوح: كيف ترفع راية حماية المقدسات في مكة والمدينة بينما تترك فلسطين والأقصى ويجرم من يناصرهما ويعتدى عليه؟.

وهنا يصبح الموقف العملي هو الفيصل في كشف الحقائق؛ فحين تستهدف غزة وفلسطين ويُذبح أهلها وتدمر منازلهم ويهجرون ويجوعون ويحاصرون في أرضهم لا يعود الحديث عن المقدسات مجرد إدعاء بل يتحول إلى اختبار حقيقي لمصداقيته لذلك فإن توظيف الكعبة والدين لتبرير العدوان على من يعلن نصرة فلسطين بالمال والرجال والسلاح يفضح زيف صاحبه.

ومن أبرز الشواهد أيضا على الإساءة إلى مكانة مكة: إهداء النظام السعودي كسوة الكعبة للمجرم جيفري إبستين والسماح بدخول كبار حاخامات اليهود الصهاينة إلى مكة وإلى مسجد رسول الله في انتهاك صارخ لحرمة المكانين ومكانتهما.

ومن يفعل ذلك لا يمكن أن يكون حريصا على مكة ولا غيورا على حرمتها؛ فحرمة المقدسات تصان بالمواقف العملية التي تترجم تعظيمها إلى سلوك ومسؤولية.
ومن هنا يكتمل وجه التطابق بين بني أمية وبني سعود ؛ فكما كان طغاة بني أمية يستخدمون أدوات السلطة والمال والخطاب لتثبيت حكمهم يفعل طغاة آل سعود في عصرنا الشيء ذاته: يستخدمون أموال الأمة لصناعة النفوذ ويمولون الخطاب الفتنوي الذي يحمي مصالح السلطة ثم يدفع البسطاء إلى معارك جانبية وفتن داخلية تستنزفهم بينما تهمش القضايا الكبرى والمصيرية والجامعة للأمة.

وفي الأخير لن تنطلي دعايات من تخلى عن المسجد الأقصى وفلسطين مهما حاول التستر بالكعبة والدين؛ لأن التخلي عن فلسطين يسقط كل ادعاء بالحرص على المقدسات ويجعل التذرع بالكعبة والدين غطاء مكشوفا لعدوانه على من ناصر غزة والأقصى وفلسطين. فالمقدسات ليست ستارا لحماية الظلم والدين ليس غطاء لعدوان يناقض أبسط معاني الإيمان والعدل والرحمة.

قد يعجبك ايضا