كرة القدم بين سحر المفاجأة وهيمنة الإمكانات!

سند الصيادي

تظلّ كرة القدم من المجالات النادرة التي تستطيع، ولو مؤقتًا، أن تقلب موازين القوة المألوفة في العالم.
ففي السياسة والاقتصاد والعسكر والإدارة، غالبًا ما تفرض الدول الأقوى نفوذها بما تمتلكه من مال وسلاح ومؤسسات وتحالفات، أمّا في كرة القدم فلا تكون هذه العناصر ضمانًا حتميًا للانتصار.
داخل المستطيل الأخضر تتقلص الفوارق الكبرى؛ فقد يهزم منتخبٌ محدود الإمكانات منتخبًا ينتمي إلى دولة أكثر ثراءً ونفوذًا، وقد تتفوق الإرادة والانضباط والشجاعة على المال والإمكانات الضخمة.
هنا لا تُحسم النتيجة بحجم الاقتصاد، ولا بعدد الجنود، ولا بمكانة الدولة في النظام الدولي، انما بما يقدمه اللاعبون خلال تسعين دقيقة من تركيز وتضحية وإيمان بالقدرة على الانتصار.
لهذا نعشق كرة القدم؛ لأنها تمنح الشعوب شعورًا نادرًا بالعدالة الرمزية، إنها تقول لنا إن القوي ليس منتصرًا دائمًا، وإن الضعيف ليس محكومًا عليه بالهزيمة، وإن المفاجأة ما تزال ممكنة مهما بدا الواقع ثابتًا ومغلقًا.
وفي زمن تهيمن فيه القوى الكبرى على معظم مجالات الحياة، تصبح كرة القدم مساحة معنوية للتحرر من رتابة الهيمنة، ومسرحًا يمكن فيه للصغير أن يواجه الكبير بندية، بل وأن يهزمه أمام أنظار العالم.
ولا تكمن قيمة كرة القدم في النتيجة الرياضية وحدها، بل في الأمل الذي تصنعه. فعندما ينتصر منتخب دولة فقيرة أو محدودة النفوذ على منتخب دولة عظمى، تشعر الجماهير أن الانتصار يتجاوز حدود الملعب؛ فيتحول إلى استعادة للكرامة، وإثبات للوجود، ورسالة تقول إن التفوق ليس قدرًا ثابتًا، وإن التاريخ يمكن أن يُكتب أحيانًا بقدم لاعب، أو بتصدٍّ لحارس، أو بهدف يأتي في اللحظة التي لا يتوقعها أحد.
إن كرة القدم لا تلغي اختلالات العالم فعليًا، لكنها تمنحنا لحظات نادرة نتخيل فيها عالمًا أكثر توازنًا؛ عالمًا لا ينتصر فيه الأكثر مالًا ونفوذًا بالضرورة، بل ينتصر فيه الأكثر استعدادًا وإصرارًا وإيمانًا.
وربما لهذا السبب لا نراها مجرد لعبة، بل متنفسًا نفسيًا ورمزيًا يعيد إلى الإنسان ثقته بأن المفاجأة ممكنة، وأن الهيمنة مهما اتسعت ليست مطلقة.
والخوف كل الخوف أن تتسلل معايير القوة الأخرى إلى عالم كرة القدم، فتفقد اللعبة شيئًا من قدرتها على كسر الفوارق بين الشعوب والدول.
فالدول القوية اقتصاديًا والمستقرة سياسيًا وإداريًا تمتلك إمكانات أكبر لبناء الملاعب والأكاديميات، وتأهيل المدربين، وتطوير الطب الرياضي، واكتشاف المواهب منذ الصغر، وصناعة منتخبات تعمل وفق خطط طويلة المدى.
كانت كرة القدم، في صورتها الأكثر رومانسية، تقوم على الموهبة والحماس والولاء للقميص، وكان في مقدور فريق محدود الإمكانات أن يهزم منافسًا أقوى منه بقوة الإرادة وروح الجماعة.
لكنها تتحول شيئًا فشيئًا إلى صناعة متكاملة تقوم على التخطيط والإدارة والتمويل والتقنية وتحليل البيانات، ومع أن هذا التطور يرفع المستوى الفني للعبة، فإنه قد يوسع في الوقت نفسه الفجوة بين من يمتلكون أدوات الصناعة الحديثة ومن لا يملكونها.
فالموهبة وحدها لم تعد كافية؛ إذ تحتاج إلى منظومة تكتشفها وتصقلها وتحميها. والحماس، مهما بلغ، لا يستطيع دائمًا تعويض غياب الإعداد البدني والتكتيكي، ولا مواجهة فرق جرى بناؤها عبر سنوات من العمل العلمي والاستثمار المستمر.
إننا لا نخشى تطور اللعبة، ولا نعترض على دخول العلم والتخطيط إليها، وإنما نخشى أن يصبح هذا التطور امتيازًا محتكرًا للدول الغنية والمستقرة.
نخشى أن تقل مساحة المفاجأة، وأن يصبح انتصار الفريق الصغير حدثًا أكثر ندرة، وأن تتحول المنافسة من صراع بين المهارات والإرادات إلى مقارنة غير متكافئة بين المنظومات والميزانيات.
إذا أصبحت كرة القدم حكرًا على من يملكون المال والاستقرار والإدارة، فقد تفقد سرها الأجمل: أن تمنح الضعيف فرصة حقيقية لمواجهة القوي، وأن تقول لنا، ولو لتسعين دقيقة، إن العالم ليس محسومًا دائمًا لمصلحة الأقوى.
ومع ذلك، يبقى أمل كرة القدم في أنها لا تخضع للحسابات خضوعًا كاملًا.
فما زالت لحظة إبداع واحدة، أو روح جماعية استثنائية، أو شجاعة فريق يؤمن بحقه في الانتصار، قادرة على قلب أكثر التوقعات دقة.

قد يعجبك ايضا