الثورة / مصطفى المنتصر
في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي بلغته عدن تحت إدارة سلطة ما يسمى مجلس الثمانية وحكومة المرتزقة، تعيش المدينة حالة متصاعدة من الارتباك الأمني والاختناق الاقتصادي، في صورة تكشف عمق الفوضى التي وصلت إليها بعد سنوات من الإدارة السعودية المتصارعة، وتحولها من وعود «الاستقرار والتحرير» إلى واقع تهيمن عليه القوات الغامضة، والانقسامات الأمنية، والانهيار المالي، بينما تتفرج سلطة العملاء على الكارثة.
خيمت، الأربعاء الماضي، حالة واسعة من الذعر والقلق على أجواء المدينة، بعد انتشار مكثف لقوات جديدة ترتدي الزي الأسود بالكامل في شوارع عدن ومديرياتها المختلفة، من دون أن ترفع أي علم أو تحمل أي شارات تعريفية واضحة. وبحسب مصادر محلية، فوجئ السكان منذ ساعات الصباح الأولى بهذه القوات وهي تنفذ عمليات تفتيش غير مسبوقة للمركبات في عدد من المديريات، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف من تحوّل المدينة إلى ساحة مفتوحة لقوات موازية تتحرك خارج أي إطار قانوني أو مؤسسي معلن.
وتداولت منصات جنوبية صوراً ومقاطع مصورة تظهر هذه القوات خلال انتشارها الواسع، وسط تساؤلات متزايدة عن طبيعتها ومهامها والجهة التي تقف وراء تحريكها. وفي هذا السياق، حذرت نخب جنوبية من أن ما يجري يعكس تكريساً لما وصفته بـ «دولة الظل» السعودية داخل عدن، خصوصاً بعد عجز الرياض عن ضبط الوضع عبر التشكيلات الأمنية والعسكرية المعروفة والموالية لها.
سجون عدن تنفجر من الداخل.. واقتحامات واشتباكات تفضح الفوضى
وجاء الدفع بهذه القوات الجديدة عقب يوم واحد فقط من توتر أمني حاد شهدته المدينة على خلفية محاولات اقتحام سجن البحث الجنائي، حيث تحدثت تقارير عن اشتباكات في محيط المعتقل الذي يضم عشرات السجناء. وترافق ذلك مع حالة ارتباك سياسي وأمني متزايدة، خاصة مع تلويح المجلس الانتقالي بإجهاض الاتفاق المتعلق بالأسرى بين السعودية وصنعاء.
وفي ظل غياب أي توضيحات رسمية مقنعة، لم يتبين بعد ما إذا كان انتشار هذه القوات السوداء مرتبطاً بملاحقة فارين من سجن البحث الجنائي، أم أنه يأتي في إطار إجراءات استباقية خشية اتساع الهجمات على السجون ومحاولات تهريب سجناء آخرين. لكن المؤكد أن هذا الانتشار زاد من حجم الهلع الشعبي، وعزز الانطباع بأن عدن دخلت مرحلة جديدة من الفوضى الأمنية، حيث تتكاثر التشكيلات المسلحة بينما تتراجع سلطة المؤسسات وتضيع المسؤوليات بين الرعاة الخارجيين وأدواتهم المحلية.
ويرى مراقبون أن هذا المشهد يكشف مستوى التدهور العميق الذي تعيشه المدينة، في ظل ما تصفه الأوساط المحلية بتسريبات الفضائح المتلاحقة من داخل السجون والمقرات الأمنية، وما يرتبط بها من اتهامات تتعلق بالتعذيب والدعارة والمخدرات والانفلات المنظم، الأمر الذي جعل عدن تبدو أقرب إلى مدينة تدار بمنطق المجموعات المتصارعة لا بمنطق الدولة أو الإدارة المستقرة.
الانهيار الاقتصادي يفضح »فقاعات« حكومة الزنداني
وعلى الضفة الاقتصادية، تتكامل صورة الانهيار مع الانكشاف الأمني، بعدما نسف خبراء اقتصاديون المزاعم التي تروج لها حكومة المرتزقة حول ما تسميه «تعافياً اقتصادياً»، واصفاً تلك الادعاءات بأنها «فقاعات دعائية» لا صلة لها بواقع الناس، ولا تعدو كونها إبر تخدير سياسية وإعلامية لتغطية انهيار شامل يضرب مفاصل الاقتصاد في مناطق سيطرة التحالف.
وأكد بعض الاقتصاديين أن ما يُقدَّم على أنه تحسن اقتصادي ليس سوى نتيجة مؤقتة لمساعدات خارجية جرى استخدامها لترقيع قطاعي الكهرباء والرواتب، بالتوازي مع فرض سياسات جبائية جائرة رفعت الرسوم الضريبية والجمركية على المواطنين والتجار، ما فاقم الأعباء المعيشية بدلاً من معالجتها. واعتبر أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد اختلال عابر، إذ تعود إلى انحدار هيكلي أصاب المؤسسات الإيرادية منذ عام 2015م، بعدما تحولت إلى مزارع نفوذ ومحسوبيات تُدار بالولاء لا بالكفاءة، وباتت ساحة مفتوحة للصفقات المشبوهة والمشاريع العبثية الخارجة عن قانون المناقصات.
أرقام كارثية تفضح الانهيار.. تراجع الإيرادات 31 % وتوقف النفط بالكامل
وكشفت تقارير جملة من الأرقام التي تكشف حجم التدهور الحاد في أداء المؤسسات السيادية والإيرادية، أن الإيرادات العامة تراجعت من 2066 مليار ريال في عام 2024م إلى 1435 مليار ريال في عام 2025م، أي بانخفاض بلغ 31 في المئة، فيما تدهورت الإيرادات غير الضريبية من 217 مليار ريال عام 2016م إلى 121 مليار ريال فقط في عام 2024م. أما الإيرادات النفطية، فقد توقفت بشكل كامل في عام 2024م بعد أن كانت عند حدود 39 مليار ريال في عام 2023م، في مؤشر خطير على انهيار أحد أبرز الموارد التي كانت تشكل ركيزة أساسية للموازنة.
وحذرت التقارير من أن هذا الانهيار يضع سلطات عدن أمام خيارين كارثيين لا ثالث لهما: إما الغرق في مستنقع الاستدانة من البنوك لتغطية النفقات الجارية، أو الذهاب نحو بيع أصول الدولة لتأمين الرواتب والنفقات التشغيلية، وهو ما يعني عملياً الانتقال من إدارة أزمة إلى تفكيك ما تبقى من مقدرات الدولة.
مراقبون حملوا ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي وحكومة المرتزقة المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور الشامل، مطالباً بفتح ملفات الفساد وإحالتها إلى النيابة العامة، بدلاً من الاكتفاء بما وصفه بـ «مسرحيات الإصلاح الهامشية» التي لا تلامس جذور الأزمة، ولا تقدم حلولاً حقيقية لحالة الترهل المالي والإداري والانهيار المؤسسي القائم.
فضيحة الطاقة الشمسية.. فارق 1000 دولار في سلعة تدخل من ميناء عدن
وفي جريمة اقتصادية تضاف إلى سلسلة جرائم سلطة الأمر الواقع، تحولت منظومات الطاقة الشمسية—التي تعد الملاذ الأخير والوحيد للمواطنين للهروب من جحيم انقطاع الكهرباء—إلى وسيلة لنهب جيوب السكان والمتاجرة بآلامهم. وفجّر تجار محليون حقائق صادمة تفضح وجود فارق سعري خيالي وغير مبرر بين صنعاء وعدن، يضع سلطات المرتزقة في قفص الاتهام بالتقاعس والتواطؤ مع هوامير الاحتكار.
ففي صنعاء، يبلغ سعر منظومة الطاقة الشمسية بقدرة 5 كيلوواط نحو 1732 دولاراً أمريكياً، بينما تقفز المنظومة ذاتها في عدن إلى 2700 دولار أمريكي، بفارق مرعب يقارب الـ 1000 دولار يدفعه المواطن في عدن من دمه وقوت أطفاله! وتتجلى ذروة المهزلة في أن هذه البضائع تدخل أساساً عبر ميناء عدن، ويقوم تجار صنعاء بنقلها لمئات الكيلومترات ويدفعون الرسوم الجمركية «، ومع ذلك يبيعونها بأسعار أقل بكثير، مما ينسف أي مبررات واهية لتجار عدن وسلطاتها التموينية.
وهذا الفارق السعري الفاحش يثبت أن أسواق عدن باتت محكومة بـ «بمافيا» احتكارية نافذة، وشبكات جباية غير قانونية تفرض إتاوات خيالية، تلتهم أي تحسن في أسعار الصرف وتمنع المواطن البسيط من الحصول على طاقة بديلة تخفف عنه وطأة حر الصيف.
الأمر الذي دفع الشارع الجنوبي الغاضب للبحث عن أسباب هذه الفجوة الكبيرة والتساؤل عن سبب استمرار بقاء هذه الفوضى دون رادع هو نتاج مباشر لشلل وزارة التجارة والصناعة في حكومة المرتزقة والسلطة المحلية، التي تخلت عن دورها الرقابي وتركت المواطن فريسة لجشع المستوردين ولصوص الجبايات.
الخلاصة: عدن نموذج صارخ لفشل مشروع التحالف
عدن اليوم أمام مشهد مزدوج من الفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي؛ قوات مجهولة تنتشر في الشوارع من دون هوية واضحة، وسجون ومعتقلات تنفجر أزماتها من الداخل، وسلطات عاجزة عن ضبط الأمن أو حماية الاقتصاد، في وقت تتسع فيه هوة الثقة بين السكان والجهات المسيطرة. وما بين «دولة الظل» التي تُدار من خلف الستار، والأرقام الاقتصادية الكارثية التي تفضح الواقع، وفضيحة الطاقة الشمسية التي تكشف حجم النهب، تتجلى عدن بوصفها نموذجاً صارخاً لفشل مشروع تحالف الاحتلال في إدارة المناطق التي يزعم تحريرها، بعدما حوّلها إلى ساحة خوف، وفوضى، وانهيار مفتوح.
قد يعجبك ايضا
