عام هجري جديد يهل علينا حاملا معه نفحات الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله، ذلكم الحدث التاريخي المفصلي الهام في مسار الدولة الإسلامية، والذي مثل بداية التحول المشهود للدعوة الإسلامية نحو الاستقرار وبناء الدولة تحت قيادة سيد البشرية محمد الصادق الأمين ورسول رب العالمين الذي جاء بالقرآن الكريم والذكر الحكيم، هاديا للناس إلى المنهج القويم، والصراط المستقيم، في رحاب المدينة المنورة، التي احتفت بمقدمه الشريف، وشكلت عمود الارتكاز للدولة الإسلامية، فكانت السند والنصرة والمدد للرسول الأعظم وللمهاجرين الذين ضاقوا ذرعا من أذى قريش الذي وصل إلى حد التآمر على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بهدف القضاء على رسالته، ولكن مشيئة الله كانت الغالبة، فجاء الأمر الإلهي للرسول الأعظم بالهجرة من مكة إلى المدينة بغية المضي في نشر رسالة الإسلام، وإعلاء رايته، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
لقد ترك رسول الله ومن معه من المؤمنين أرضهم وممتلكاتهم وغادروا صوب المدينة المنورة ليس خوفا وجبنا من قريش وطواغيتها، ولكن من أجل نشر دين الله في أرجاء المعمورة، ووضع نهاية لعبادة الطاغوت والأوثان والأصنام، مقدما بذلك نموذجا فريدا قل أن نجد له نظيرا في البذل والعطاء والتضحية والفداء، كل ذلك من أجل أن يهدي البشرية ويأخذ بأيديها إلى السعادة الحقيقية والراحة والطمأنينة والعزة والكرامة، ومن أجل ذلك يحتفل المسلمون بهذه الذكرى التي جعلوا منها بداية لتقويمهم السنوي الذي بات يعرف بالتقويم الهجري، وبات الأول من شهر محرم الحرام يعرف بذكرى الهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم .
فحري بالأمة اليوم أن تستلهم الدروس والعبر من هذه الذكرى العطرة، وهذه المناسبة العظيمة، وتعمل على العودة إلى الله ورسوله وكتابه، والتخلي عن موالاة الأعداء، والسير خلف مخططاتهم ومشاريعهم التآمرية والتدميرية التي تستهدف الأمة العربية والإسلامية، وتسعى لتشويه صورة الإسلام والمسلمين من خلال تلكم الجماعات التي عملت على أدلجتها وتدريبها وتأهيلها للقيام بهذه المهمة القذرة تحت عباءة الإسلام، من أجل تمكينهم من تحقيق أهدافهم ومشاريعهم الشيطانية .
في ذكرى الهجرة النبوية تتجلى حجم المؤامرة التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين، وتتعدد وسائلها وأساليبها، ما بين إثارة الحروب والصراعات، وإذكاء الفتن والخلافات، وشراء الذمم وكسب الولاءات، وتحريك الأذناب والأدوات، للقيام يتنفيذ مخططاتهم والمؤامرات، وإغراق الأمة في مستنقع الأزمات والانقسامات، والقضاء على أي مشاريع جامعة للأمة وحاضنة لها ومساندة لها في مواجهة الأخطار والتهديدات .
اليوم يريدون منا أن نوالي ترامب ونتنياهو، ونعترف بالكيان المحتل، ونبيع فلسطين القضية، يريدون منا أن نخنع ونخضع، وللأمريكي والإسرائيلي ننحني ونركع، يريدون مسخ هويتنا الإيمانية بحروبهم الناعمة ومشاريعهم الإفسادية المتعددة الأشكال والأوجه، لتصبح أجيالنا مهجنة ومؤدلجنة بسموم ثقافاتهم الهابطة، وسلوكياتهم المنحرفة، ومواقفهم المهينة والمذلة، ليسهل عليهم التحرك، لتحقيق أهدافهم بكل أريحية، فالله الله في الوعي والبصيرة واستشعار المسؤولية المنوطة بنا كأمة، من الغباء أن ننساق خلف مخططات الأعداء وأذنابهم، لقد انكشف المستور، وتجلت الحقائق، وسقطت الأقنعة، بات الحق واضحا وأهله، وبات الباطل واضحا وأهله، ولم يعد هناك من مجال للمراوغة والمغالطة والتدليس والتلبيس .
قلت قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، ووالدينا ووالديكم، وعاشق النبي يصلي عليه وآله .
