الهجرة فجر أمة وميلاد حضارة

عادل حويس

تحل ذكرى الهجرة النبوية الشريفة كل عام فتتجدد في الوجدان الإسلامي معاني الإيمان والعزيمة والصبر وتعود بالأمة إلى واحدة من أعظم المحطات التاريخية التي غيرت وجه الإنسانية وأرست دعائم حضارة ما زالت آثارها ومبادئها تنبض بالحياة حتى يومنا هذا. فالهجرة لم تكن مجرد رحلة انتقال من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ولا حدثا عابرا في سجل التاريخ وإنما كانت نقطة تحول كبرى، انتقلت فيها الدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف والمواجهة إلى مرحلة البناء والتمكين وصناعة الإنسان والدولة.
في هذه الأيام المباركة، تستحضر القلوب ذلك المشهد الخالد الذي خرج فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحب بقاع الأرض إلى قلبه، تاركا وراءه موطن النشأة والذكريات، استجابة لأمر الله تعالى وحفاظا على الرسالة التي حملها للعالمين.
لم يكن ذلك الخروج هروبا من واقع أو فرارا من مواجهة، بل كان قرارا استراتيجيا عظيما، جسد أسمى معاني التضحية والثبات على المبدأ وقدم للبشرية درسا خالدا في الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل الصادق على الله.
لقد سطرت الهجرة النبوية صفحات مضيئة من البطولة والإيمان، بدءا من التخطيط الدقيق الذي سبق الرحلة، مرورا بالمواقف العظيمة التي تجلت في صحبة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- وانتهاء بالوصول إلى المدينة المنورة التي استقبلت نور الرسالة واحتضنت مشروع الدولة الإسلامية الوليدة.
وفي غار ثور، تجلت أسمى صور اليقين حين أحاط الخطر بالرسول الكريم وصاحبه فكانت الكلمات النبوية الخالدة: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما”، لتصبح عبر العصور عنوانا للثقة بالله ورمزا لانتصار الإيمان على الخوف والأمل على اليأس والحق على الباطل.
ومن رحم الهجرة ولدت تجربة إنسانية فريدة، لم تقتصر على بناء مجتمع جديد فحسب، بل أسست نموذجا حضاريا متكاملا يقوم على العدل والرحمة والتكافل واحترام الكرامة الإنسانية. ففي المدينة المنورة أرسى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قواعد دولة تحترم الحقوق وتصون الواجبات وأقام مجتمعا متماسكا تجاوز العصبيات القبلية والانتماءات الضيقة حين آخى بين المهاجرين والأنصار، في مشهد إنساني نادر، جسد أروع صور الإيثار والتضامن الاجتماعي.
لقد كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إعلانا عمليا لانتصار القيم على المصالح والأخوة على العصبية والوحدة على الفرقة، فقد فتح الأنصار قلوبهم وبيوتهم لإخوانهم المهاجرين وتقاسموا معهم ما يملكون من رزق ومعيشة، لتتشكل بذلك واحدة من أروع صور التلاحم الإنساني التي عرفها التاريخ. ولم يكن هذا التلاحم مجرد موقف عاطفي مؤقت، بل أصبح أساسا لبناء مجتمع قوي، استطاع خلال سنوات قليلة أن يقدم نموذجا حضاريا ألهم العالم بقيمه ومبادئه.
كما شكلت وثيقة المدينة محطة مفصلية في مسيرة البناء السياسي والاجتماعي، حيث أرست أسس التعايش بين مختلف مكونات المجتمع وحددت الحقوق والواجبات وأكدت مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون، في تجربة سبقت كثيرا من النظم المدنية الحديثة. ومن هنا فإن الهجرة النبوية لا تقرأ باعتبارها حدثا دينيا فحسب، بل باعتبارها مدرسة متكاملة في الإدارة والقيادة والتخطيط وصناعة المستقبل.
واليوم ونحن نستقبل عاما هجريا جديدا، تبدو الحاجة ملحة إلى استلهام الدروس العظيمة التي حملتها الهجرة النبوية، فالعالم يواجه تحديات متسارعة تتطلب التمسك بالقيم التي صنعت نهضة الأمة في بداياتها قيم العمل والإخلاص والتضحية والمسؤولية والوحدة والتعاون والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المحن وصناعة التحولات الكبرى.
إن الهجرة في معناها العميق ليست انتقالا في المكان فقط، بل هي انتقال دائم نحو الأفضل وهجرة من السلبية إلى الإيجابية ومن التفرق إلى التآلف ومن اليأس إلى الأمل ومن الجمود إلى البناء والعطاء.
وتبقى ذكرى الهجرة النبوية الشريفة مناسبة عظيمة لاستحضار سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وما جسدته من معان سامية في الرحمة والحكمة والصبر والثبات.
إنها دعوة مفتوحة لكل فرد ومجتمع لأن يجعل من هذا الحدث الخالد مصدر إلهام متجدد يستمد منه القوة لمواجهة التحديات والعزيمة لتحقيق الإنجازات والرؤية لبناء مستقبل أكثر إشراقا وعدلا وإنسانية.
وفي كل عام هجري جديد تتردد أصداء تلك الرحلة المباركة في ضمير الأمة، لتؤكد أن طريق النهضة يبدأ بالإيمان بالفكرة والإخلاص للرسالة والاستعداد للتضحية، من أجل المبادئ السامية وستظل الهجرة النبوية الشريفة منارة تهدي الأجيال ونبعا لا ينضب من الدروس والعبر ورمزا خالدا لقدرة الحق على الانتصار مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات، لتبقى ذكراها العطرة حاضرة في القلوب ومشعلا يضيء دروب المستقبل نحو آفاق أرحب من الخير والسلام والبناء.

قد يعجبك ايضا