في عالم متسارع، وفضاء مفتوح، وتكنولوجيا متطورة، تبرز وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعددت وتنوعت، وأصبحت في كل بيت، بل في كل يد وأمام كل عين، فهذه المنصات لم تعد لتبادل الآراء والصور والمقاطع المرئية، بل أصبحت وسائل إعلام مؤثرة تشكل الوعي العام، وتؤثر في القيم والسلوك والثقافة والاتجاهات الفكرية للمجتمع، وتنقل الثقافاة المغلوطة، وتهدم الاخلاق، وتبث الرذيلة خصوصاً في أوساط الشباب والأطفال.
ومع هذا التأثير الواسع، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة التعامل مع هذه المنصات باعتبارها فضاءً مفتوحاً بلا ضوابط، إلى مرحلة تنظيمها بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على الهوية والقيم والأخلاق، دون الإضرار بحرية التعبير المسؤولة.
وهذا يعد واجباً على وزارة الإعلام وخاصة قطاع السياسات والمحتوى، الذي تقع على عاتقه مسؤولية تنظيم هذه الوسائل.
لقد أفرزت هذه المنصات ظاهرة جديدة، تتمثل في صعود ما يعرف بالمشاهير أو المؤثرين، الذين بات بعضهم يمتلك تأثيراً يفوق تأثير بعض وسائل الإعلام التقليدية. غير أن هذا التأثير الكبير لم يرافقه في كثير من الأحيان إدراك مماثل لحجم المسؤولية المترتبة عليه.
ففي الوقت الذي يمكن للمشاهير أن يسهموا في نشر الوعي والمعرفة والثقافة وقيم العمل والإنتاج، نجد أن بعضهم اتجه نحو صناعة محتوى سطحي أو ترفيهي فارغ أو محتوى يهدف فقط إلى جذب المشاهدات والإعجابات والمتابعين، بغض النظر عن أثره على المجتمع.
وأصبح هاجس تحقيق الأرباح المالية من الإعلانات والمشاهدات لدى البعض، يتقدم على الرسالة الأخلاقية والوطنية والاجتماعية، حتى باتت بعض الحسابات تتنافس في إثارة الجدل أو استعراض المظاهر الاستهلاكية أو نشر سلوكيات لا تنسجم مع قيم المجتمع وهويته.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع ميثاق شرف للمحتوى الرقمي، يحدد المسؤوليات والواجبات الأخلاقية للمشاهير وصناع المحتوى، وأن تكون هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، فالشهرة ليست امتيازاً فقط، إنما هي مسؤولية تجاه المجتمع والأجيال الناشئة.
كما أنه من الضروري وضع ضوابط واضحة للإعلانات التجارية التي يقدمها المشاهير، بحيث لا تتحول حساباتهم إلى منصات لتسويق أي منتج أو خدمة مقابل المال فقط. فليس من المقبول أن يتم الترويج لمنتجات خارجية تنافس المنتج الوطني وتضعف فرص تسويقه، بينما يحتاج الاقتصاد الوطني إلى دعم وتشجيع كل ما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي.
فمن الواجب على المشاهير والمؤثرين أن يشجعوا التوجه نحو شراء المنتج المحلي، توطين الصناعات الغذائية، وخفض فاتورة الاستيراد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وأن ينقلوا قصص النجاح، ويشجعوا المبادرات المجتمعية.
وينبغي أن تكون هناك معايير واضحة للإعلانات الرقمية، تمنع الترويج للمنتجات الضارة أو المضللة أو المخالفة للقيم والأخلاق، وتمنح أولوية للمنتجات الوطنية والمبادرات التنموية والمشروعات الإنتاجية.
كما أن المسؤولية لا تقع على المشاهير وحدهم، بل تشمل أيضاً الجهات المختصة والمؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية، التي يفترض أن تعمل على نشر الوعي الرقمي وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً لدى فئة الشباب.
إن المجتمعات التي تترك الفضاء الرقمي بلا ضوابط، تكون عرضة لانتشار الشائعات والتضليل والانحراف الثقافي والأخلاقي، بينما المجتمعات التي تنظم هذا الفضاء وتوجهه نحو البناء والمعرفة والإنتاج، تكون أكثر قدرة على حماية هويتها وصناعة مستقبلها.
ولذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية واضحة للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، تقوم على تشجيع المحتوى الهادف، ومكافحة المحتوى الهابط، وتنظيم النشاط الإعلاني، وتحميل المؤثرين مسؤولياتهم الأخلاقية والاجتماعية، حتى تصبح هذه المنصات أدوات لبناء الإنسان وتعزيز الوعي وخدمة التنمية، لا مجرد وسائل للربح السريع أو الشهرة العابرة.
فالكلمة المنشورة أمانة، والصورة مسؤولية، والتأثير قوة، وكل قوة لا تضبطها القيم والأخلاق، قد تتحول من وسيلة للبناء إلى أداة للهدم.
