الحج والولاية ارتباط وثيق وسر عزة الأمة وسيادتها

منير الشامي

 

ترتبط فريضة الحج ارتباطاً وثيقاً بمبدأ الولاية بشكل واضح وصريح وقد برزت أمامي هذه الحقيقة في لحظات كنت أشاهد فيها وقوف الحجاج بعرفات هذا العام يوم التاسع من شهر ذي الحجة، إذ أن تفاصيل مشهد الوقوف العظيم لحجاج بيت الله جذبني بروحانيته إلى الغوص في اعماق هذا المشهد السنوي الفريد لأتأمل تفاصيله لدقائق معدودة برزت لي خلالها علاقة هذه الفريضة القوية بمبدأ الولاء والبراء من خلال الحقائق التالية :-

١ـ الحقيقة الأولى هي أن هذا اليوم هو اليوم الذي أمر فيه الله رسوله بإعلان البراءة من المشركين ومن أعداء الله وأعداء رسوله وأوليائه والمؤمنين بنص صريح وأمر واضح بقوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَـمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وأن الذي أعلن البيان هو الإمام علي -عليه السلام- الذي أمره رسول الله باللحاق بأبي بكر وأخذ الصحيفة والقيام بالمهمة هذه بعد أن أمره الله بذلك وهو ما يدل على علاقة المٌعلن بالمعلن عنه وأن إعلان البراءة من أعداء الله ورسوله وأوليائه في يوم الحج الأكبر في أقل تقدير أمر مشروع ومستحب في هذا اليوم إن لم يكن واجباً وفرضاً على الأمة كل عام، وأن هذا المقام هو أنسب مقام لتجسيد هذا المبدأ بموقف صادق وقوي وعملي.

٢ـ الحقيقة الثانية: أن هذا المشهد مشهد وحدة إسلامية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ويمثل دعوة ضمنية للأمة إلى الوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله، وأن حال شعوبها يجب أن يكون كحال الحجاج في هذ الصعيد الطاهر الذي توافدوا إليه من مختلف أصقاع الارض باختلاف ألوانهم وأعراقهم وتباين ألسنتهم وبلدانهم ليرسموا مشهداً عظيماً من مشاهد الوحدة والاعتصام بحبل الله بدءاً من مظهرهم الخارجي الموحد الذي جسد المساواة بينهم في هذا الموقف وألغى التمايز الطبقي والفوارق الاجتماعية بينهم فلا فرق بين غنيهم وفقيرهم ولا بين كبيرهم وصغيرهم ولا بين قويهم وضعيفهم ولا بين رئيسهم ومرؤوسهم وقفوا جميعاً بين يدي ربهم جمعتهم الغاية ووحدهم الهدف والمصير.

وهو ما عكس مظهراً من مظاهر الوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله في هذا الموقف خصوصا وفي مختلف شعائر الحج عموما والوحدة في الهدف والمصير هو مظهر من أهم مظاهر مبدأ الولاء والبراء.

٣ـ اختيار الله سبحانه وتعالى هذا اليوم لإعلان هذا المبدأ فيه دلالة للأمة لجعل هذا اليوم وهذا المكان محطة سنوية لتجديد البيعة والعهد لله ولرسوله ولأوليائه بالبراءة من أعدائهم في هذا اليوم وهذا المكان والدليل على ذلك هو أن الله فرض الأمن والأمان لكل من وصل إلى هذا المكان ليتمتع بالحرية الكاملة في تجديد البيعة والعهد بهذا المبدأ ولأهله دون أن يخشى الطغاة والظالمين.

٤ـ الحقيقة الرابعة هي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لم يحج في حياته سوى حجة واحدة سميت بحجة الوداع ومعلوم للأمة أن ذلك اليوم كان يوماً مشهوداً شهد الحجاج لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة وكان على رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله أن يبلغ الناس في ذلك اليوم بولاية أمير المؤمنين الامام علي -عليه السلام- إلا أن رسول الله صلوات الله عليه وآله تحرج من ألسنة الناس وخشي أن يقولوا إن هذا الامر ليس من الله بل محاباة من رسول الله في علي ولو كان من الله لنزل به أمر قرآني صريح من الله سبحانه وتعالى لرسوله ولذلك نزل أمر الله لرسوله بتبليغ الناس في ولاية الامام علي مبيناً لرسوله أنه إن لم يفعل فما بلغ الرسالة وأنه سبحانه وتعالى سيعصمه من الناس ومن كلامهم وتشكيكهم وموضحاً له في ذات الأمر أن من ينكر أمر الولاية فليس من المؤمنين، وكان ذلك في غدير خم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فأمر رسول الله بإرجاع من كان قد تحرك من القبائل لأهمية الامر ومركزيته من دين الله وهو ما يعني أن ولاية الامام علي -عليه السلام- تعادل الرسالة السماوية فنصب له منبراً من اقتاب الإبل وعلا عليها ورفع يد الإمام علي وبلَّغ الناس بولاية الإمام في خطبة الغدير المشهورة عند الأمة جميعاً، وبعد أن بايع الناس الإمام علي -عليه السلام- أنزل الله تعالى بياناً عاجلاً بكمال الدين وتمام نعمة الله على أمة سيدنا محمد صلوات الله عليه وعلى آله فثبت بها أن ولاية الإمام علي -عليه السلام- هي تاج رسالة الله وبها أتم الله نعمته العظيمة وحدثت في ذلك اليوم معجزة من الله سبحانه وتعالى أكدت لذلك الجمع أن هذا الأمر اصطفاء من الله واختيار منه رحمة بالأمة وحكمة منه بصلاحها وضماناً لعزتها وقوتها وكرامتها فهو العالم بمكامن الخير والصلاح لها وقطعا لكل ذرة شك في القلوب وتمثلت تلك المعجزة بهلاك من أنكر ولاية الإمام علي -عليه السلام- أمام الناس في ذلك اليوم حيث قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) النعمان بن الحارث ‏الفهري وقال له: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله الا الله، وأنك رسول الله فشهدنا، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة، فقبلناها، ثم لم ترض حتى‏ نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا شيء منك، أم أمر من عند الله؟

فقال: (والله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله)، فولى النعمان بن الحارث وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء! فرماه الله بحجر على‏ رأسه، فقتله، وانزل الله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * للْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِّنَ الله ذِي الْمَعَارِجِ).

٥ـ الحقيقة الخامسة أن الحج هو الفريضة الوحيدة التي تكشف لشعوب الامة الطغاة والظالمين وتفضح الصادين عن سبيل الله وعن بيت الله الحرام كل عام بحقائق جلية ظاهرة فما من شعب من شعوب المسلمين إلا ويعاني الراغبون في حج بيت الله من ابنائه معاناة كبيرة حيث لا يسمح نظام الاجرام السعودي للحج من كل بلد إلا بنسبة 5% من الراغبين في أداء فريضة الحج ومن يسمح لهم يضاعف الاعبا۽ المالية عليهم ويفرض عليهم رسوماً باهضة ما أنزل الله بها من سلطان ويصعب على كل مسلم أداء هذه الفريضة العظيمة بفرضه رسوماً واعباء كبيرة تخرج مئات الآلاف عن دائرة الاستطاعة كل عام وهذا يعد من أعمال الصد عن بيت الله الحرام، وفي المقابل يشاهده المسلموين جميعاً يفتح الباب على مصراعيه لدخول عشرات الملايين من مختلف أنحا۽ العالم إلى أرض الحرمين لحضور مواسم الفسق والفجر والمجون ويسهل إجراءات دخولهم ويذلل الصعاب أمامهم ويوفر لهم كل وسائل الراحة والإقامة والرفاهية وينفق مئات الملايين لتحقيق ذلك بل ويصرف لهم الأموال ببذخ وإسراف ويستقدم المطربين والمطربات والفسقة والفاسقات والعاهرين والعاهرات والشواذ والمثليين بعقود وبمبالغ خيالية من كل دول العالم وكل ذلك من أجل إحياء وحضور حفلات الرقص والمجون واللهو والغناء والانحلال والتعري والفسق والفجور ويروج المسكرات والخمور وفتح الملاهي والكبريهات والمسارح والحانات ويجهز الميادين العامة والساحات ويشجع على المعاصي والموبقات والاختلاط بين العراة والعاريات في كل هذه الأماكن تحت عناوين الترفيه وتشجيع السياحة والمياعة، ويكفي القارئ أن يعلم أن هذا العام على سبيل المثال سمح لمليون وسبعمائة حاج بدخول السعودية فقط وفرض على كل حاج أكثر من 20 ألف ريال سعودي بينما أنفق أكثر من 200 مليار ريال سعودي على موسم الترفيه، واستقبل أكثر من 20 مليون فاسق وكافر وفاجر ووفر لهم كل سبل الراحة والترفيه وهذه الحقائق حقائق واقعية ومعلن عنها رسمياً علم بها كل أبناء الأمة وهي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا النظام المجرم يتعمد الصد عن بيت الله ويصعب على المسلمين أداء فريضة الحج بينما يسهِّل ويذلل للمعاصي والمنكرات بكل إمكانياته وهو ما يجعل إعلان البراءة منه واجباً على كل مسلم ويفرض مسؤولية المطالبة بتشكيل هيئة إسلامية لإدارة فريضة الحج ورفع يده عن التحكم بها مناطة بكل مسلم ومسلمة.

إن كل ما سبق يدل ويؤكد ارتباط فريضة الحج بمبدأ الولاء والبرء ويبين أن نظام الرياض المجرم يسعى بكل طاقته إلى تحجيم فريضة الحج وتقليصها وإفراغ الحج من مفهومة وغايته ومن أهدافه ومحتواه خدمة لأعداء الأمة وتقرباً إليهم، وهذه جريمة يجب على الأمة الاسلامية انظمة وشعوبا أن تتحرك لوقفها دون هوادة ولا تأخير فالبلدان الحرام والحرمين الشريفان هما ملك للأمة ولا يحق لأي نظام أن يستحوذ عليهما أو أن يتحكم فيهما اطلاقا ولا يمكن للأمة أن تتحرك ما لم تتمسك بمبدأ الوولاء والبراء وتجسده في حياتها قولاً وعملاً وموقفاً وسلوكاً.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا