مليارا مستهلك مسلم تحولوا إلى جيش تمويل خلفي للبنتاجون:المقاطعة الاقتصادية ضرورة استراتيجية قصوى لقطع الشرايين المالية المغذية لآلة الحرب الأمريكية الصهيونية

 

الثورة / محمد الفائق

تفرض التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إعادة قراءة جذرية لطبيعة العلاقات الاقتصادية التي تربط هذه المنطقة الحيوية بالمنظومة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التدقيق في بنية النظام الاقتصادي العالمي يكشف عن معادلة خطيرة وصادمة، حيث تتحول الثروات السيادية والمساحات الاستهلاكية الشاسعة في العالم الإسلامي، من حيث لا تشعر الشعوب، إلى خطوط إمداد مالي مستمرة تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر الموازنات العسكرية للقوى الاستعمارية والكيان الصهيوني.

يهدف هذا التحليل الموسع إلى تفكيك جذور هذه التبعية المركبة عبر ثلاث محطات رئيسية تمتد من نهب المواد الخام وصولاً إلى فرض السيادة التكنولوجية والعسكرية.

استنزاف الثروات السيادية وتدجين المواد الخام بأبخس الأثمان

إن جذور الأزمة الراهنة لا تنفصل عن السياسات الاستعمارية التي بدأت ملامحها الحديثة تتشكل منذ مطلع القرن العشرين وتعمقت عبر العقود التالية. لقد مثل اكتشاف النفط في الجزيرة العربية في عام 1938م نقطة تحول استراتيجية، حيث صاغت الشركات الغربية الكبرى، ومنها شركة أرامكو بإدارتها الأمريكية السابقة ومجموعة الشركات السبع الكبرى، عقود امتياز مجحفة استمرت حتى سبعينيات القرن الماضي.

وخلال تلك الحقبة، كانت هذه الشركات تستحوذ على النفط بأسعار متدنية للغاية تقل عن دولارين للبرميل الواحد، مما أتاح للقوى الغربية بناء نهضة صناعية واقتصادية هائلة على حساب الشعوب العربية والإسلامية التي بقيت تعاني من مستويات حادة من الفقر والأمية وغياب البنية التحتية.

واتصالاً بهذا السياق الهيكلي، لم يتوقف الأمر عند حدود الاستخراج المجحف، بل تعداه إلى تقنين التبعية المالية من خلال تأسيس نظام البترودولار في عام 1974م، وذلك في أعقاب حرب أكتوبر 1973م وصدمة النفط الأولى.

أبرمت الولايات المتحدة آنذاك اتفاقية تاريخية قضت بأن يتم تسعير وبيع النفط عالمياً بالدولار الأمريكي حصراً مقابل تقديم حمايات عسكرية وعقود تسليح.

هذا النظام، المستمر منذ أكثر من خمسين عاماً، فرض على الدول المنتجة في العالم الإسلامي إيداع فوائضها المالية في البنوك الأمريكية وشراء سندات الخزينة، مما يعني إعادة تدوير عوائد الثروات الوطنية فوراً لتمويل العجز الاقتصادي الأمريكي وضمان قوة العملة التي تُستخدم لاحقاً كأداة لفرض العقوبات والحروب الاقتصادية.

وامتداداً لهذه الاستراتيجية الاحتكارية، فإن هذا النموذج من الاستنزاف لم يقتصر على منطقة الشرق الأوسط، بل يمتد بظلاله القاتمة إلى أفريقيا المسلمة، حيث تشير تجربة دولة النيجر مع استخراج اليورانيوم إلى نمط استعماري ممتد.

فمنذ عام 1971م، بدأت فرنسا عبر شركة أورانو الحكومية استغلال مناجم اليورانيوم بأسعار رمزية تقل بنسبة 70 % عن قيمتها في السوق الدولية الشاملة. وعلى مدار أكثر من نصف قرن، وحتى وقوع التحولات السياسية والتحررية الأخيرة في عامي 2023 و2024م، كانت المفاعلات النووية الفرنسية تضيء المدن الأوروبية بالاعتماد على ثروات النيجر، في حين يرزح أكثر من 80 % من سكان البلاد تحت وطأة الظلام الدامس والحرمان من الطاقة.

التحول إلى الاقتصاد الاستهلاكي وتعظيم أرباح الشركات العابرة للقارات

وتأسيساً على هذا الواقع الاستنزافي للموارد، تكتمل حلقة التبعية بإعادة تصدير المواد الخام إلى بلدان المنشأ بعد تصنيعها بأغلى الأثمان، مستغلة في ذلك انهيار قطاعات الإنتاج المحلي والاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، وهو الوضع الذي كرسته اتفاقيات التجارة العالمية وحرية السوق منذ تسعينيات القرن العشرين.

ومع وصول التعداد السكاني للمسلمين إلى حاجز 2 مليار نسمة، ما يمثل ربع سكان الأرض، تحولت هذه الكتلة البشرية الضخمة إلى مجرد سوق استهلاكي مستهدف من قبل الشركات الأمريكية والغربية الكبرى لتعظيم أرباحها دون وجود رؤية إنتاجية موازية.

وفي هذا الإطار الإحصائي المثير للأنظار، تكشف البيانات الاقتصادية لحجم الإنفاق الاستهلاكي السنوي في العالم الإسلامي عن أرقام ضخمة، حيث يضخ المستهلكون أكثر من 1.3 تريليون دولار سنوياً في قطاع الأغذية والمشروبات، ونحو 300 مليار دولار في قطاع الملابس والمنسوجات، بالإضافة إلى قرابة 200 مليار دولار تذهب لشراء الأدوية والمستحضرات الطبية.

تكمن المعضلة الأساسية في أن أكثر من 80 % من هذه السلع والخدمات يتم استيرادها من شركات دولية كبرى تتخذ من العواصم الغربية مقراً لها، أو من شركات تقدم دعماً مالياً واستراتيجياً مباشراً للكيان الصهيوني.

ونتيجة حتمية لهذه الدورة التجارية الموجهة، فإن التدفقات المالية الناتجة عن مبيعات شركات استهلاكية عملاقة مثل «بروكتر آند غامبل»، و»كوكا كولا»، و»بيبسيكو» و»نستله»، و»ماكدونالدز» داخل الأسواق الإسلامية تتحول بموجب النظم الضريبية الغربية إلى إيرادات مباشرة للخزائن الحكومية، وخاصة الأمريكية.

وبالنظر إلى الموازنات الرسمية المعتمدة في واشنطن، فإن جزءاً كبيراً من هذه الضرائب يترجم بشكل دوري إلى حزم دعم عسكري مباشر للكيان الصهيوني، بما في ذلك المساعدات السنوية الثابتة البالغة 3.8 مليار دولار بموجب مذكرة التفاهم الممتدة حتى عام 2028م، ناهيك عن حزم التمويل الطارئة والاستثنائية التي رُصدت لتمويل الذخائر الذكية والقنابل الثقيلة المستخدمة في ساحات المواجهة الراهنة.

سلاح الغذاء والتكنولوجيا

ومن هذا المنطلق التوسعي، ينكشف أمامنا أن الحصار لا يتوقف عند حدود الجغرافيا الاقتصادية؛ إذ لا تتوقف خطورة هذه المنظومة عند حدود الخسائر المالية والاقتصادية، بل تمتد لتسلب الأمة قرارها السياسي المستقل وتجعل أمنها القومي مكشوفاً ومحاصراً عبر ثلاثة قطاعات حيوية:

فمن جهة أولى، وعلى صعيد الأمن الغذائي، كشفت أزمة الغذاء العالمية منذ عام 2008م عن هشاشة الهياكل الزراعية في المنطقة العربية والإسلامية، حيث تحولت إلى أكبر مستورد للقمح والحبوب في العالم بنسبة استيراد تتجاوز 60 % من الاحتياجات الأساسية.

هذا الاعتماد المطلق على الشركات الزراعية الأمريكية والأوروبية الكبرى يحوّل رغيف الخبز إلى سلاح سياسي ضاغط يمكن استخدامه لتركيع الحكومات والشعوب في أي منعطف تاريخي أو مواجهة سياسية.

وبالموازاة مع هذا الحصار الغذائي، وبروزاً في الشق الدفاعي، برزت آلية تدوير أموال النفط عبر صفقات السلاح الضخمة منذ حرب الخليج في عام 1991م.

تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وحدها على قرابة 35 % من إجمالي مبيعات السلاح العالمية، وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة الموردين بنسبة تتجاوز 54 %.

المفارقة الهيكلية هنا هي أن هذه الترسانات المشتراة بمليارات الدولارات تظل مقيدة بشروط استخدام صارمة تمنع توجيهها ضد الأعداء الفعليين للأمة، فضلاً عن ارتهانها الكامل لشركات الصيانة وقطع الغيار الأمريكية، مما يفرغ السلاح من قيمته الدفاعية ويحوله إلى أداة للهيمنة والابتزاز.

وعلى المقلب الآخر، وفي ذروة التغول المعرفي، يتمثل المظهر الأكثر حداثة وخطورة لهذه التبعية في الاختراق التكنولوجي والسيبراني. منذ الطفرة الرقمية المتسارعة عام 2010م، ارتهن العالم الإسلامي بنسبة تتجاوز 99 % لأنظمة التشغيل، السيرفرات، والشبكات التي تديرها شركات وادي السيليكون مثل مايكروسوفت، وجوجل، وأبل.

هذا الاعتماد المطلق تحول إلى قاعدة بيانات كبرى تتيح للأجهزة الاستخباراتية الغربية والصهيونية مراقبة المجتمعات واختراقها أمنياً وسياسياً، وهو ما ظهرت آثاره بوضوح في الهجمات السيبرانية والأمنية المعقدة التي شهدتها جبهات ومجتمعات محور المقاومة خلال الآونة الأخيرة.

رؤية تحليلية واستراتيجية التحرر وخلاصة لما تقدم من معطيات، وربطاً للأسباب بمسبباتها، تؤكد هذه المعطيات المتكاملة والأرقام التاريخية، أن استمرار البقاء في الوضع الاستهلاكي الحالي يمثل تمويلاً ذاتياً مستمراً للحروب التي تشنها القوى الاستعمارية ضد المنطقة.

وانطلاقاً من هذا الواقع، لم تعد مسألة المقاطعة الاقتصادية الشاملة للبضائع والمنتجات الأمريكية والصهيونية مجرد موقف سياسي عابر أو اختيار طوعي، بل إنها تبرز كضرورة استراتيجية قصوى لقطع الشرايين المالية المغذية لآلة الحرب.

وفي المقابل، وانسجاماً مع متطلبات المواجهة الشاملة، فإن كسر حلقة التبعية الممتدة منذ عقود يتطلب تبني استراتيجية موازية قائمة على الجهاد الاقتصادي والتحول الجذري نحو الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات الغذاء، الدواء، والتصنيع الثقيل والتكنولوجي.

إن استعادة السيادة الكاملة وانتزاع الحرية من براثن الهيمنة الاستعمارية يبدآن أولاً بالتحرر من أسر الأسواق الاستهلاكية الغربية وبناء اقتصاديات وطنية مستقلة قادرة على الصمود والمواجهة.

التحليل اعتمد على مجموعة من المراجع والدراسات الاقتصادية نحتفظ بها.

قد يعجبك ايضا