حتى اليوم لا تزال الإدارة الأمريكية تراهن على أن الحصار الذي تفرضه على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل الماضي، سيقود إلى استسلام طهران وقبولها صيغة اتفاق شامل بشروط أمريكية، فيما تبدي طهران صلابة في مقاومة الضغوط استنادا إلى تجاربها التاريخية التي تتكيف مع الضغوط لفترات طويلة.
تحليل / أبو بكر عبدالله
منذ إعلان الوساطة الباكستانية وقف إطلاق النار في الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران ومحور المقاومة من جهة ثانية، ظل الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأمريكية على الموانئ الإيرانية يتصدر ذروة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي لجأت إليها واشنطن بدلا عن الحرب التي خلفت خسائر كبيرة وتداعيات دولية غير متوقعة.
استخدمت واشنطن «الحصار» كأداة ضغط قصوى في «مسار مفاوضات إسلام آباد» سعيا لإجبار طهران على فتح مضيق هرمز دون شروط والاستجابة لشروطها وتوقيع اتفاق جديد في الملف النووي في ظل شرط قاسية تشمل الإنهاء التام للبرنامج وتعليق التخصيب لسنوات ونقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج إيران أو تحويله إلى وقود لإنتاج النظائر الطبية.
خطوة الحصار البحري كان لها أهداف استراتيجية عدة، يتصدرها تحجيم الموارد المالية لإيران من خلال وقف صادرات النفط كليا، ولا سيما الكميات الكبيرة التي كانت طهران تصدرها إلى الصين وتتيح لها نحو 45 % من ميزانية الدولة، وإضعاف القدرة التمويلية لإيران داخليا وخارجيا.
راهنت واشنطن على أن الحصار سيقود إلى إغلاق آبار النفط نتيجة نفاد القدرة التخزينية للنفط الخام، ورأت أن التوقف الوشيك في الإنتاج سيلحق أضرارا دائمة وشديدة بقطاع النفط الإيراني، وهو ما فسر ميلها إلى الانتظار ترقباً لاستسلام إيراني لم يتحقق بعد خصوصا بعد الصمود الإيراني غير المتوقع وما أبدته من قدرة على مواجهة الضغوط.
وأكثر من ذلك منع تدفق الإمدادات العسكرية إلى إيران، وفرض رقابة شديد لمنع وصول أي تقنيات أو قطع غيار قد تساهم في إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية التي تضررت خلال المواجهات الأخيرة.
واستخدمت واشنطن الحصار كورقة تفاوض وضغط للحصول على تنازلات من جانب طهران في المفاوضات المتعثرة الجارية بوساطة باكستانية أملا في الوصول إلى «اتفاق نهائي» يلبي الشروط الأمريكية ويرغم طهران على تقديم تنازلات أكبر في البرنامج النووي، ودفعها للقبول بشروط جديدة ولا سيما الملفات التي ترفض طهران التفاوض حولها مثل البرنامج الصاروخي والعلاقات الإقليمية واليورانيوم العالي التخصيب.
استراتيجية مقاومة نشطة
طالما راهنت واشنطن على أن الضغوط الاقتصادية ستقود إلى اضطرابات داخلية وانقسامات، غير أن هذا الرهان اثبت فشله، حيث لم تحدث أي انقسامات حاسمة بداخل بنية النظام في إيران في حين أن مؤسسات الدولة لا تزال متماسكة بل أنها أبدت تماسكا أكبر.
بالمقابل راهنت طهران على أن صمودها سيؤدي بالمقابل إلى تفاقم كبير في أزمة الطاقة العالمية واستمرار اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما حدث فعلا بعد أن سجل سعر برميل النفط ارتفاعا قياسيا ناهز الـ120 دولاراً، أملا في أن يقود ذلك إلى أزمة سياسية في الداخل الأمريكي ودفع القوى الكبرى (خاصة الصين وأوروبا) للضغط على واشنطن لإنهاء الحصار.
ما ساعد طهران على الصمود هو استخدامها استراتيجية مقاومة نشطة لمواجهة الحصار الأمريكي، اعتمدت على الموازنة بين الالتفاف الاقتصادي والرد العسكري التصعيدي لرفع التكلفة على واشنطن، ولا سيما في إغلاق مضيق هرمز أمام السفن التابعة للدول «المعادية» ما أدى لتوقف 20 % من إمدادات النفط العالمية وارتفاع سعر برميل النفط إلى نحو 120 دولاراً للبرميل.
وشملت الاستراتيجية الإيرانية فرض واقع جديد بإغلاق المضيق وإصدار تشريعات للتحكم بالمضيق وفرض رسوم عبور على السفن واستهداف السفن التي ترفض الانصياع للقواعد الجديدة، بما في ذلك استهداف سفن تابعة لحلفاء أمريكا لفرض واقع أن «الأمن للجميع أو لا أمن لأحد».
وبصورة عامة سعت طهران إلى جعل «الحصار مكلفاً للجميع» وهو ما تحقق فعلا بالارتفاعات الكبيرة لأسعار النفط والنقل البحري ورسوم التأمين التي القت بظلالها على معظم دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى المستوى الداخلي تبنت سياسة ترشيد الاستهلاك بسياسات تقشفية قاسية لمواجهة نقص العملة الصعبة ونقص السلع الأساسية، بالتوازي مع إجراءات دبلوماسية، لحشد مواقف دولية مناهضة للإجراءات الأمريكية في مضيق هرمز.
ضغوط الداخل الأمريكي
كل التقديرات تشير إلى أن نجاح واشنطن في تحقيق أهدافها من الحصار ليس مضموناً بالكامل، خصوصا وان الحصار كان سلاحا ذا حدين بالنظر إلى ما خلفه من آثارا بدت محدودة قياسا بالآثار التي خلفها إغلاق إيران لمضيق هرمز.
وارتفاع أسعار الوقود في أمريكا لمستويات قياسية (حوالي 4.5 دولار للجالون) وضع إدارة ترامب أمام ضغوط كبيرة، كون الناخب الأمريكي يتأثر بسرعة بتغير أسعار الوقود، وهو الأمر الذي بدا بوضوح في حصول انهيار كبير لشعبية الإدارة الحالية.
التوتر في مضيق هرمز، القى بتأثيرات كبيرة على سلاسل الإمداد العالمية، كما إثر بشدة على انسيابية الشحن البحري والتأمين وتكاليف النقل العالمية، وأكثر من ذلك تأثيره على التضخم وحسابات السياسة الداخلية وكلها قضايا تمثل الكابوس الذي تتجنبه أي أدارة أمريكية.
ومنذ وقت مبكر أدرك الأمريكيون أن الحرب مع إيران لن تكون خاطفة أو نظيفة تماما، واحتمالات تحولها إلى حرب إقليمية وحرب استنزاف طويلة أكبر من احتمالات احتوائها وإنهائها بسرعة، وهو الأمر الذي يُفسر استمرار أميركا بسياسة الضغوط القصوى مع تركها باب التفاوض مفتوحا دائما.
زاد من ذلك شعور واشنطن بمتململ الموقف الأوروبي الأسيوي بسبب أزمة الطاقة والتجارة البحرية وتزايد الدعوات الدولية للتهدئة في المضيق، بما حمله ذلك من رسالة لواشنطن بتآكل الغطاء الدولي لنهجها التصعيدي في الشرق الأوسط وغرب آسيا.
والرفض الأوروبي لسياسة التصعيد الأمريكية كان واضحا في مواقف بريطانيا وألمانيا ودول أوروبية أخرى أعلنت رسمياً أنها «لن تنجر إلى الحرب» ولن تشارك في «تحالف هرمز» الذي دعا إليه ترامب، مما وصع الولايات المتحدة في عزلة دولية.
ومنذ منتصف أبريل الماضي أظهرت استطلاعات الرأي العام الأمريكي أن ترامب خسر دعم الرأي العام الأمريكي للحرب في إيران، وهي نقطة تعد مركز الثقل في الصراع الحالي ووضعت الجانبين في حالة سباق مع الزمن بين قدرة إيران على تحمل الضغوط الاقتصادية وقدرة الإدارة الأمريكية على تحمل الغضب الشعبي الناتج عن التضخم.
كما ظهرت على السطح مؤشرات انقسام في واشنطن حيث تطالب أصوات داخل الكونجرس بـ «إيجاد مخرج سريع» لتخفيف الأعباء عن المواطن الأمريكي، ما قد يدفع الإدارة للبحث عن «نصر دبلوماسي» سريع بدلاً من استنزاف عسكري طويل.
أدوات بديلة وخيارات
قد لا تستطيع إيران كسر الحصار بالكامل، لكنها تستطيع إضعاف تأثيره، بالنظر إلى ما تملكه من أدوات وخيارات يمكن أن تلجأ إليها لمواجهة آثار الحصار وتقليلها إلى الحد الأدنى على شاكلة بيع النفط بطرق غير مباشرة أو عبر وسطاء، كما يمكنها عقد شراكات مع قوى كبرى مثل الصين التي ترفض الامتثال للعقوبات الأمريكية.
يمكنها الضغط في مناطق أخرى كالإغلاق الكامل لمضيق هرمز، وخلق تكلفة مقابلة للحصار، والاعتماد على الحلول الداخلية من خلال توسيع الاقتصاد المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
وفقا لذلك تراهن طهران على قدتها على امتصاص الضربات، كما تراهن على الوقت الذي قد يفضي إلى تحولات سياسية كبيرة لدى الخصم، أو حتى تغيرا كبيرا في الظروف الدولية بصورة عامة.
وحتى في حال استمر الحصار لفترة طويلة، يمكن لطهران أن تلجأ إلى سياسة التصعيد التدريجي، أو المفاوضات غير المباشرة بعد وصول الضغط لذروته بما يقود إلى اتفاق جزئي وليس شاملا كما تريد واشنطن.
مع ذلك يصعب القول إن سياسة «النفس الطويل» التي تتبعها طهران حاليا لمواجهة آثار الحصار ستبقى على حالها، والمُرجح أن تداعياتها ستجعل الأثر الاقتصادي والسياسي للحصار فعالا على مستوى الداخل الإيراني كلما طال أمد الحصار.
ذلك أن الحصار الحالي ليس «عقوبات أمريكية» بل عمل عسكري مباشر تقوده المؤسسة العسكرية الأمريكية «سنتكوم» بمشاركة أكثر من 10 آلاف جندي أمريكي وعشرات السفن، مما يجعل الالتفاف عليه أكثر خطورة وصعوبة من أي وقت مضى.
وحجم الخسائر التي تتكبدها طهران يوميا والتي تناهز وفق تقارير غربية نصف مليار دولار يوميا سيكون لها أثر قوي في حال استمر الحصار لعدة أشهر، ما قد يضع طهران أمام خطر الانهيار الاقتصادي الداخلي قبل أن تتراجع واشنطن.
معركة عض الأصابع
كثير من التقديرات تشير إلى أن الحصار الذي تفرضه واشنطن على إيران منذ أكثر من شهر قد يلحق أضرارا بالاقتصاد الإيراني إلا أن نجاحه في إخضاع إيران لا يزال أمراً بعيداً.
والتجارب التاريخية لإيران مع العقوبات تُرجح أنها لن تخضع بسهولة للضغوط، خصوصا مع اتجاهها نحو التكيف مع الواقع الجديد.
لكن ذاك لا يعني أن الحصار لم يفاقم حدة المشكلات الاقتصادية في إيران، بعد أن تسبب بنزيف مالي وخسارة مئات الملايين من الدولارات يومياً، في ظل انهيار متسارع للعملة المحلية وتآكل المخزونات الاستراتيجية.
هذه المشكلات التي تبرز إلى السطح بسرعة، قد تدفع طهران إلى القبول بتسوية سياسية ما لتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل، خاصة مع وجود وساطات نشطة حالياً تحاول فتح الطريق للحلول الدبلوماسية ومنع الذهاب إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وثمة مؤشرات عدة تُرجّح قُدرة الوساطة الباكستانية على إنضاج اتفاق يوازن بين حاجة واشنطن لخفض أزمة التضخم وحاجة طهران لرفع الخناق عن موانئها لتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل.
وهذا السيناريو يبدو أنه الأرجح في الوقت الراهن على الأقل، في ظل ضغوط التضخم في أمريكا والتي قد تجبر واشنطن فعلياً على خفض سقف مطالبها والقبول بتسويات متوازنة بدلاً من شروط التنازل الكامل.
ونظرا لامتلاك الجانبين أوراق ضغط قوية فإن المرجح أن يستمر الجانبين في مرحلة «عض الأصابع» لعدة أسابيع أخرى، ستقود الجانبين في النهاية للبحث عن سلم للنزول من سلم التصعيد.
مع ذلك يظل تحول الحصار إلى مواجهة مفتوحة في مضيق هرمز، الاحتمال الأخطر المعادلة وإمكانية حصوله تبدو ورادة، فتجارب الأزمات الدولية تشير إلى أن الحرب غالبا ما تندلع نتيجة التصعيد المتدرج، وهو ما يحدث حاليا في الاحتكاكات البحرية المباشرة بين القطع البحرية الأمريكية والإيرانية وعمليات اعتراض السفن واحتجازها.
