خلف القضبان.. معسرون ينتظرون بارقة أمل تعيدهم إلى الحياة

الثورة نت | يحيى كرد

خلف أسوار السجون في محافظة الحديدة، يقبع مئات السجناء المعسرين في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا، بعدما تحولت سنوات الاحتجاز الطويلة إلى معاناة مستمرة أنهكتهم وأثقلت كاهل أسرهم.. فهؤلاء لم يعودوا يقضون عقوبات جنائية بقدر ما أصبحوا أسرى للعجز عن سداد الحقوق الخاصة المترتبة عليهم، رغم انتهاء مدد محكومية كثير منهم منذ سنوات.

داخل الزنازين تتراكم الحكايات المؤلمة لسجناء استنزفت أعمارهم خلف القضبان، بعضهم أمضى أكثر من عقدين بانتظار من يمد له يد العون ليعود إلى أسرته وحياته الطبيعية، وبين معاناة السجناء وحرمان أسرهم، تتسع المأساة الإنسانية لقضية باتت تستدعي تحركًا مجتمعيًا ورسميًا عاجلًا لإنهاء معاناة طال أمدها.

أعمار أنهكتها سنوات الاحتجاز

دخل عدد من هؤلاء السجناء السجن وهم في مقتبل العمر، يحملون أحلام الشباب وطموحات المستقبل، لكن السنوات مضت بهم داخل الزنازين حتى غزا الشيب رؤوسهم وأثقلت سنوات السجن ملامحهم.

هناك آباء حُرموا من متابعة أبنائهم وهم يكبرون، وآخرون فقدوا آباءهم وأمهاتهم دون أن يتمكنوا من وداعهم للمرة الأخيرة.. كما يعيش كثير منهم ألم الغياب الطويل عن أسرهم وأطفالهم، في مشهد تختلط فيه قسوة السجن بمرارة العجز وقلة الحيلة.

أسر دفعت الثمن الأكبر

لم تتوقف آثار هذه المعاناة عند السجناء وحدهم، بل امتدت إلى أسرهم التي وجدت نفسها في مواجهة ظروف معيشية قاسية بلا معيل أو سند.. كثير من الزوجات تحملن أعباء الحياة بمفردهن، فيما اضطر عدد من الأبناء إلى ترك الدراسة والعمل لتوفير احتياجات أسرهم.

وبين الفقر والحرمان وتراكم الأعباء، تحولت قضية السجناء المعسرين إلى أزمة إنسانية واجتماعية تمس مئات الأسر التي أنهكتها ظروف العدوان والحصار وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

العدوان والحصار فاقما الأزمة

ازدادت أوضاع السجناء المعسرين تعقيدًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اليمن نتيجة العدوان والحصار، حيث أصبحت كثير من الأسر عاجزة عن توفير متطلبات الحياة الأساسية، فضلاً عن القدرة على سداد الحقوق المالية المترتبة على ذويها.

ومع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة المعيشية، تقلصت فرص المساعدة مقارنة بحجم المعاناة القائمة، ما جعل بقاء كثير من المعسرين خلف القضبان ممتدًا لسنوات طويلة.

مسؤولية إنسانية ومجتمعية

وفي السياق، أكد وكيل أول محافظة الحديدة أحمد مهدي البشري أن ملف السجناء المعسرين يمثل مسؤولية إنسانية ودينية واجتماعية مشتركة، تستدعي تضافر جهود الجهات الرسمية والمجتمعية وأهل الخير للإسهام في معالجة أوضاعهم.

وأوضح أن القيادة الثورية والسياسية تولي هذا الملف اهتمامًا كبيرًا، انطلاقًا من الحرص على التخفيف من معاناة السجناء وتمكينهم من استعادة حريتهم والعودة إلى أسرهم بعد انتهاء الأحكام القضائية الصادرة بحقهم.

وأشار إلى أن استمرار احتجاز المعسرين بعد انتهاء مدد محكومياتهم يضاعف من حجم المعاناة الإنسانية والنفسية التي يعيشونها هم وأسرهم، ما يستوجب تحركًا واسعًا لمعالجة القضية بصورة عاجلة.

دعوات للإسهام في الإفراج عن المعسرين

ودعا البشري رجال الأعمال والتجار وأهل الخير إلى الإسهام الفاعل في الإفراج عن السجناء المعسرين، خاصة في القضايا المرتبطة بالديون والحوادث المرورية، مؤكدًا أن أي مساهمة مهما كانت بسيطة قد تعيد الحياة إلى أسرة أنهكها الغياب والحرمان.

وشدد على أن الوقوف إلى جانب هذه الشريحة يجسد قيم التكافل والتراحم التي عرف بها المجتمع اليمني، ويمنح السجناء شعورًا بأنهم لم يُتركوا لمصيرهم خلف القضبان.

جهود لمعالجة القضية

وفي إطار التحركات القائمة لمعالجة هذا الملف، كلفت القيادة الثورية والسياسية لجنة مختصة لمعالجة قضايا السجناء المعسرين برئاسة الشيخ علي ناصر قرشة، حيث باشرت اللجنة أعمالها بالنزول الميداني إلى السجون وحصر السجناء المعسرين ودراسة أوضاعهم الإنسانية والقانونية.

وأكد الشيخ قرشة أن اللجنة اطلعت على أوضاع إنسانية صعبة يعيشها كثير من السجناء نتيجة طول فترة الاحتجاز والعجز عن سداد الحقوق المالية، مشيرًا إلى أن بعضهم فقد الأمل في الخروج بعد سنوات طويلة قضاها خلف الأسوار.

وأوضح أن مساعدة هذه الفئة تمثل واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا ودينيًا، داعيًا إلى تحويل التعاطف مع السجناء إلى خطوات عملية تسهم في الإفراج عنهم وإعادتهم إلى أسرهم.

الحاجة إلى تحرك عاجل

من جانبه، شدد وكيل المحافظة محمد سليمان حليصي على ضرورة تفاعل القطاع التجاري ورجال الأعمال مع هذا الملف الإنساني، خصوصًا فيما يتعلق بالسجناء الذين أنهوا مدد محكومياتهم وما يزالون رهن الاحتجاز بسبب العجز عن دفع الحقوق الخاصة.

وأشار إلى أن عددًا من السجناء أمضوا أكثر من عشرين عامًا خلف القضبان في قضايا مدنية وحوادث مرورية، ما يستدعي تحركًا عاجلًا لإنهاء معاناتهم الممتدة وآثارها النفسية والاجتماعية على أسرهم.

مبادرات تبعث الأمل

وفي مقابل هذه المعاناة، بدأت تظهر بوادر أمل مع إعلان عدد من رجال الأعمال والتجار والمؤسسات الإيرادية بمحافظة الحديدة استعدادهم للمساهمة في الإفراج عن عدد من السجناء المعسرين، عبر دفع ما عليهم من حقوق خاصة بحسب الإمكانيات المتاحة.

وقد أعادت هذه المبادرات الأمل إلى كثير من الأسر التي تنتظر عودة ذويها منذ سنوات، كما عكست روح التكافل الإنساني والاجتماعي التي يتميز بها المجتمع اليمني في أوقات الشدة والأزمات.

الحرية حق ينتظر من يعيده

تبقى قضية السجناء المعسرين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا، لما تحمله من معاناة ممتدة تطال السجين وأسرته في آن واحد.. وبين جدران السجون، لا يزال المئات ينتظرون من يمد لهم يد العون ويمنحهم فرصة جديدة للعودة إلى الحياة واستعادة ما تبقى من أعمارهم بين أسرهم وأطفالهم.

ومع تنامي المبادرات المجتمعية والجهود الرسمية، تتجدد الآمال بأن تتحول هذه التحركات إلى واقع يخفف معاناة المعسرين، ويعيد إليهم حريتهم التي طال انتظارها.

قد يعجبك ايضا