في قلب المعركة المصيرية التي تخوضها أمتنا، تتعدد الجبهات وتتنوع الساحات، في واقع لم يعد الصراع فيه مقتصرًا على المواجهة العسكرية المباشرة، حيث امتد ليشمل ميدانًا لا يقل خطورة وتأثيرًا، ألا وهو ميدان الإعلام، ساحة الجهاد المقدسة وصناعة الوعي في زمن الهزيمة النفسية.
من هذا الميدان الذي تُصنع فيه العقول، وتُشكل فيه القناعات، وتُبنى فيه الروح المعنوية أو تُحطم، يأتي التوجيه القيادي الحكيم ليضع الإعلام في موقعه الصحيح، ليس كمجرد ناقل للخبر، بل كأداة جهادية محورية تحفها الالتزامات الإيمانية والأخلاقية، وتؤثر بشكل مباشر في مسار الصراع مع أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني وأعوانه.
نواجه اليوم حربًا نفسية شرسة يقودها العدو اليهودي، تستهدف النفوس قبل الأبدان، حرب نفسية تهدف إلى زرع اليأس، والإرجاف والتهويل والتضليل والتبرير، وضرب زكاء النفوس وطهارتها، والإغراء بالفساد والرذيلة، يستخدم العدو فيها ترسانة إعلامية ضخمة، مصممة خصيصًا لتحطيم الروح المعنوية.
وفي ثنايا هذا الضخ الإعلامي والدعايات المسمومة، ثمة رسالة يريد أن تصل إلينا بوضوح، بأن الحل الوحيد لنا هو الاستسلام والتنازل عن الحقوق والمبادئ، وهذا ما تجسد بوضوح في تصريحات ترامب خلال الحرب العدوانية على إيران، والتي لم تكن سوى محاولة يائسة لكسر إرادة المقاومة.
ولطالما حاول العدو إخفاء الهزائم وإبقاء صورته النمطية كقوة عظمى لا تقهر، وفي المقابل يتم تحميل المجاهدين مسؤولية جرائمه، كما رأينا في أحداث غزة، حيث سعت قنوات الضلال إلى تبرئة السفاحين وإدانة المدافعين عن أرضهم وعرضهم.
ولأن المعركة عميقة ومركبة، فقد بات جليا أن للعدو أعوانًا وأدوات في الساحة الداخلية، المنافقين ومرضى القلوب، ودورهم خبيث وهادم، فهم ينشطون في تمزيق وحدة الأمة وإثارة الفرقة بين أبنائها، وهؤلاء يتحركون في تزامن مريب مع تصعيد العدوان، مستخدمين نفس المصطلحات والمفردات التي يستخدمها اليهود، مما يكشف انتماءهم إلى مطابخ إعلامية واحدة.
وإلى جانبهم، ثمة جيوش من “الذباب الإلكتروني” وحملات منظمة عبر مواقع التواصل، وأخطر من كل هؤلاء أولئك المغفلون والسذج والمستهترون الذين يتحولون، بوعي أو بغير وعي، إلى “خدمة مجانية” للأعداء، بتلقفهم الشائعات والأكاذيب، ومسارعتهم في نشرها دون أدنى تأمل في محتواها أو أهدافها، غير مدركين أنهم بذلك يروجون لمواد قد تكون مصممة لضرب الروح المعنوية أو التبرير لجريمة قادمة.
في مواجهة هذا الطوفان الإعلامي المظلم، تبرز مسؤوليتنا الإيمانية والأخلاقية، إذ لا يليق بأبناء الأمة الذين ينتمون للمشروع القرآني والجهادي أن يكونوا أدوات بيد العدو، بل يجب أن يكونوا نموذجًا لاستقامة اللسان، و”التبين والتثبت”، فليس كل ما يُنشر يستحق النشر، وليس كل خبر صحيح يخدم القضية، بل إن كثيرًا من التفاصيل قد تفيد العدو بشكل مباشر ومن حيث لا نعلم.
المعيار الحقيقي هو أن نحذر من كل ما يمكن أن يخدم أهداف العدو في أقوالنا ومنشوراتنا، وفي هذا السياق تأتي الدعوة القيادية الصريحة إلى المقاطعة التامة لكل وسيلة إعلامية تخدم الصهيونية، وتاريخها الأسود في تبرير الإجرام وتشويه المقاومة يكشف حقيقتها، فهي ليست مجرد وسائل منحازة، بل هي صوت للضلال والشيطان، ولا يمكن التعامل معها بحياد.
إن جهادنا في الميدان الإعلامي هو في إيضاح الحقائق، ونشر الكلمة الطيبة التي ينتفع بها الناس، والتي تداوي الجروح النفسية وتبني ولا تهدم، إنه جهاد يقوم به الراشدون والمصلحون الذين يحملون روحًا إيجابية مسؤولة، والذين يدركون أن المواجهة لا تكون بالانهزام والتراجع عند أول حملة دعائية، بل بقوة الصبر وعزة الإيمان والثبات على الموقف الحق.
لقد آن الأوان ليكون الواعون في أمتنا أكثر إدراكًا من اليهود في حربهم الدعائية، وباستخدام السلاح الذي يستخدمونه، ولكن لخدمة الحق والعدالة، وإننا مطالبون اليوم بالارتقاء بوعينا الإعلامي، لصناعة جبهة حصينة ضد الشائعات، صلبة ضد الحرب النفسية، وفاعلة في نشر المحتوى النافع الذي يخدم القضية العادلة لأمتنا، لتظل الكلمة الطيبة هي سلاحنا الفتاك والقوي في معركة الوعي والحرية والاستقلال.
