محللون وخبراء اقتصاد:مشكلة الفقر في اليمن نتيجة بنيوية تراكمت جراء غياب الدولة الاقتصادية وعصف الصراعات السياسية
الأنظمة في اليمن حملت أفكاراً اقتصادية يسارية واعتمدت على إيرادات النفط والمساعدات الخارجية
أوضح خبراء ومحللحون مهتمون بالشأن الاقتصادي اليمني، أن فقر اليمن ليس لغزا اقتصاديا غامضا، بل نتيجة واضحة لعدة عوامل بنيوية، اجتمعت عبر زمن طويل، وهذه العوامل تتمثل في ضعف القاعدة الإنتاجية، وانقطاع التراكم الاقتصادي، وهجرة رأس المال البشري، وضعف المدن، وغياب الدولة الاقتصادية، ومحدودية أو عدم استغلال الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى الانفصال عن شبكات التجارة العالمية، مشيرين إلى أن هذه العوامل حين تجتمع في أي بلد فإن النتيجة تكون اقتصادًا هشًا غير قادر على إنتاج الثروة بشكل مستدام .
المحللون أكدوا أنه ولهذه الأسباب لا يمكن فهم فقر اليمن بوصفه مشكلة سياسية مؤقتة، بل بوصفه نتيجة مسار اقتصادي طويل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة تبدأ من الأساس عن طريق الاهتمام بالإنسان المنتج، ووجود المدينة الاقتصادية والدولة القادرة على حماية التراكم عبر الأجيال، لافتين إلى أن الناتج القومي لليمن حالياً لا يزيد عن ١٥ مليار دولار، ما يجعله ثاني افقر بلد في العالم بعد ان كان ٣٢ مليار دولار عام ٢٠١٤م، وأنه لو لم يتعرض اليمن للصدمات الاقتصادية لكان ناتجه القومي اليوم يتجاوز ٤٨٠ مليار دولار سنويا، وهو التفسير الحقيقي لخسارة اليمن جراء الصدمات المتراكمة والصراعات السياسية المتتالية.
الثورة / أحمد المالكي
الكاتب والمحلل الاقتصادي عبدالكريم العواضي، أكد في تحليل اقتصادي أن ما يعيشه اليمن من فقر وترد في الجانب الاقتصادي، إذا قرئ من منظور ومنهج اقتصادي بحت بعيداً عن الضجيج السياسي، فسنجد أن فقر اليمن ليس نتيجة حدث واحد ولا عقد واحد من الزمن، بل نتيجة مسار اقتصادي طويل يمتد لأزمنة طويلة، ما شكل بنية اقتصادية هشة غير قادرة على إنتاج التراكم الصناعي التجاري، والخبرة والمعرفة التراكمية المطلوبة لنهوض البلد، وأنه لفهم هذه المسألة يجب البدء من القاعدة العلمية للاقتصاد، فأي اقتصاد قادر على إنتاج الثروة (وليس اقتصاداً ريعياً) يحتاج مجموعة من العناصر الأساسية هي : رأس مال بشري منتج، قاعدة إنتاجية مستقرة، مؤسسات دولة قادرة على التنظيم، وسلاسل إمداد تربط الإنتاج بالأسواق، وأن مشكلة اليمن تتمثل في عدم اجتماع هذه العناصر في الوقت نفسة خلال أزمنة طويلة، ويمكن تلخيصها وفق العواضي على النحو التالي:
أولًا: ضعف القاعدة الإنتاجية
وباعتبار أن المؤشر العلمي على فقر أي دولة هو ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج القومي . فالاقتصادات التي تتغلب على الفقر تعتمد عادة على ثلاثة قطاعات رئيسية هي: الزراعة الحديثة، الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، لكن اليمن تاريخيًا لم ينجح في بناء أي من هذه القطاعات بشكل مستقر ولا حتى القطاعات المساعدة للقطاعات الإنتاجية مثل الكهرباء . كما أن الزراعة في اليمن بقيت زراعة تقليدية منخفضة الإنتاجية تعتمد على الأمطار والمياه الجوفية المحدودة، وأكثر من 90 ٪ من المزارع اليمنية صغيرة ومجزأة، وغالبا أقل من هكتارين، وهو حجم غير قادر على إنتاج فائض اقتصادي كبير . والمساحات الشاسعة في تهامة وقاع جهران والجوف ومارب وشبوة وحضرموت والمهرة جميعهم لا يملكون الخبرة والموارد البشرية والمالية للزراعة الحديثة .
ووفقا للتحليل، فإن الصناعة التحويلية في معظم الدول النامية تمثل ما بين 20 ٪ إلى 30 ٪ من الناتج القومي، بينما في اليمن لم تتجاوز 7 ٪ في أفضل السنوات قبل الحرب، وبرغم وجود سوق داخلي كبير وأسواق جوار كبيرة لكن الصناعات التحويلية كانت غائبة في اليمن رغم المحاولات الخجوله شمالا وجنوبا وحتى في دوله الوحدة ولكن جميعها فشل، أما الخدمات اللوجستية والموانئ فبقيت محدودة رغم الموقع الجغرافي الاستثنائي لليمن على واحد من أهم طرق التجارة العالمية ورغم استلام ميناء عدن من بريطانيا كأحد أهم وانشط الموانئ في العالم ولكن للأسف دمرت، وحتى الموانئ الجوية لم تستطع اليمن بناء مطارات وخدمات لوجستية رغم موقعها الممتاز الذي يسمح لها بالمنافسة الدولية بقوة في هذا المجال.
ثانيًا: انهيار التراكم الاقتصادي عبر الأجيال
بما أن التنمية الاقتصادية لا تحدث في جيل واحد، بل عبر تراكم يستمر لخمسين إلى مائة عام، وبالنظر لتجارب الدول من حولنا، فقد تعرض اليمن لانقطاعات متكررة في هذا التراكم مقارنة بتجارب نهضوية تنموية في دول عربية وآسيوية، خلال القرن العشرين والواحد والعشرين وعاش اليمن عدداً من الصدمات والصراعات بعضها تعتبر صدمات كبرى للاقتصاد اليمني أعادته للصفر كل مرة ومن هذه الصدمات الكبرى، تتمثل في الحروب والصراعات السياسة والقبلية، والأيديولوجيات العابرة للحدود، والتي مثلت وفق العواضي -صدمه- للاقتصاد اليمني مثل الاشتراكية والقومية العربية ثم الصحوة الإسلامية والربيع العربي ونهاية بالصراع الراهن، جميع الأيديولوجيات العابرة للحدود مثلت صدمات متتابعه للاقتصاد اليمني وصولا للحرب الكبرى على اليمن عام ٢٠١٥م حتى اليوم، ووفقا لتحليل عبدالكريم العواضي على صفحته بالفيس بوك، فإن كل صدمة من هذه الصدمات أعادت الاقتصاد إلى نقطة البداية تقريبا، مما يعني أن أي تراكم اقتصادي كان يُمحى قبل أن يتحول إلى بنية إنتاجية مستقرة .
نزيف ديموغرافي:
أما العنصر الثالث والمتمثل في النزيف الديموغرافي لرأس المال البشري فإنه – وفق العواضي – يعتبر من أخطر المؤشرات الاقتصادية التي نادرا ما تُناقش في اليمن، وهو الهجرة المستمرة للعمالة الماهرة، فمنذ منتصف القرن العشرين شهد اليمن موجات هجرة كبيرة شملت تجارا وحرفيين وعمالًا مهرة ومهندسين ودكاترة ورجال أعمال، جميع هذه الهجرات مثلت نزيف اقتصادي منع وجود تراكم صناعي ومالي في اليمن ،كل الهجرات كانت للأسف دائمه وليس مؤقته، سواء كانت داخليه أو خارجيه، وإجمالي الهجرات منذ ١٩١٩م حتى اليوم ضخمة، حيث يقدر عدد اليمنيين في الخارج بما يقارب ١٤ مليون، منهم سته مليون مازلوا يحملون الجواز اليمني نتيجة للهجرة العظيمة ٢٠١٥م، وهذه الهجرة حولت الاقتصاد اليمني إلى اقتصاد تحويلات مالية بدلاً من اقتصاد إنتاج صناعي ومالي .
رابعا: ضعف المدن الاقتصادية
التاريخ الاقتصادي وفق العواضي يظهر أن المدن هي محركات الثروة. كون المدن الكبيرة تنتج الابتكار، وتجمع رأس المال وتخلق شبكات التجارة والصناعة والخدمات والمعرفة التراكمية، أما في اليمن بقيت المدن صغيرة وضعيفة، حتى أكبر المدن اليمنية مثل صنعاء وعدن وتعز لم تتحول إلى مراكز صناعية كبرى، والسبب ليس فقط ضعف الاستثمار، بل في طبيعة الاقتصاد التقليدي الذي بقي قائما على الريف والقبيلة أكثر من قيامه على المدن والأسواق .
خامساً: غياب الدولة الاقتصادية
ووفقا للعواضي، فإن الدولة الحديثة ليست مجرد حكومة سياسية، بل مؤسسة اقتصادية تنظم السوق وتحمي الملكية وتبني البنية التحتية . وفي معظم الدول التي خرجت من الفقر لعبت الدولة دورا مركزيا في بناء الطرق والموانئ والتعليم الصناعي . أما اليمن فلم يمتلك لفترة طويلة دولة مستقرة قادرة على القيام بهذا الدور. وفترات الاستقرار السياسي كانت قصيرة ومتقطعة، وغالبًا ما كانت مؤسسات الدولة ضعيفة أو منقسمة أو لا تحمل رؤية . والأسوأ هو البداية دائما من الصفر كل مرة وأحيانا من تحت الصفر كما هو الحال اليوم في اليمن.
سادساً: الاقتصاد الريعي المحدود
فجميع الأنظمة في اليمن -وفقا للتحليل- كانت تحمل افكار يسارية اقتصادية وتركز على إيرادات النفط اليمني والمساعدات الخارجية وإرسال اليمنيين للعمل في الخارج، وليس خلق ثروات مالية داخل اليمن، وبالرغم من ذلك فإن الصناعات النفطية في اليمن، كانت متأخرة لعقود طويله عن جيرانها رغم وجود مصفاه في عدن ولكن في أفضل سنواتها لم تتجاوز بضعة مليارات دولار سنويا، وهي أرقام صغيرة مقارنة بالدول النفطية الأخرى في المنطقة. وتوزع هذا الدخل عبر التوظيف الحكومي المبالغ فيه حيث وصل العدد اليوم إلى أكثر من ٣ ملايين اسم مسجل في القطاع الحكومي « كشف ٢٠١٤م مليون ونصف + كشوفات حكومة صنعاء وما يسمى الشرعية والانتقالي والساحل بعد الحرب الكبرى ٢٠١٥م « وفق العواضي، وخلاصة هذا البند أن اليمن لم يمتلك مصدر دخل قادراً على تمويل التحول الاقتصادي الكبير ولا سد حاجة الشعب .
سابعاً: انقطاع اليمن عن شبكات التجارة العالمية
حيث يرى المحلل الاقتصادي العواضي أن اقتصادات الدول تزدهر حين تكون جزء من شبكات التجارة العالمية. سنغافورة ودبي وماليزيا أصبحت مراكز اقتصادية لأنها تحولت إلى عقد لوجستية للتجارة . اما اليمن ورغم موقعة على باب المندب، إلا أن هذا الموقع لم يتحول إلى اقتصاد لوجستي حقيقي، فالموانئ اليمنية لم تُطور بالشكل الذي يسمح لها بأن تصبح مراكز إعادة تصدير أو تصنيع مرتبط بالتجارة، والنتيجة أن اليمن بقي على هامش الاقتصاد العالمي بدل أن يكون جزءًا نشطًا منه .
