الهجرة النبوية الشريفة.. حين تتحول الذكرى إلى وعيٍ وموقف

د. لقمـان عبدالغني إبراهيم

ليست ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، مجرد تاريخٍ يمرّ على الأمة في مطلع عام هجري جديد، وليست مناسبةً للتهاني العابرة والكلمات الموسمية فحسب، بل هي حدثٌ مؤسس في وعي المسلمين، ومنعطفٌ عظيم انتقلت فيه الدعوة من مرحلة الاستضعاف والحصار إلى مرحلة البناء والتمكين، ومن ضيق مكة تحت وطأة الطغيان إلى رحابة المدينة حيث وُلد المجتمع المسلم على أساس العقيدة والعدل والأخوة والنظام.

لقد خرج النبي صلى الله عليه وآلهِ وسلم من مكة لا هارباً من مسؤوليته، ولا منسحباً من ميدان المواجهة، بل خرج حاملاً رسالةً أكبر من حدود المكان، ومشروعاً أعظم من ظلم الطغاة. خرج بعدما ضاقت قريش بالحق، وعجزت عن إسكات النور بالحيلة والحصار والتشويه، فاختارت طريق المكر، واختار الله لنبيه طريق النصر: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾.

الهجرة في معناها العميق، ليست انتقال أقدام من بلد إلى بلد، بل انتقال أمة من الخوف إلى اليقين، ومن التبعية إلى الاستقلال، ومن ردود الأفعال إلى صناعة الفعل والتاريخ. إنها درسٌ خالد في أن الحق لا يُهزم وإن ضاقت به الأرض، وأن المشاريع العظيمة لا تموت بالحصار، وأن المستكبرين مهما بلغ مكرهم لا يستطيعون إطفاء نور الله إذا حمله رجالٌ صادقون ونساءٌ مؤمنات وشعوبٌ تعرف طريقها.

واليوم، والأمة الإسلامية تعيش صوراً متعددة من الاستهداف والتمزيق والتجويع والتضليل، تبدو الهجرة النبوية أكثر حضوراً في واقعنا من أي وقت مضى. فما أشبه الليلة بالبارحة؛ بالأمس كانت قريش تحاصر الدعوة وتطارد المؤمنين وتستخدم المال والجاه والقبيلة والإعلام القديم لتشويه الحق، واليوم تتجدد الأساليب بأسماء حديثة: حصار اقتصادي، احتلال مباشر، تطبيع مع الظالم، حرب على الهوية، صناعة للخوف، وتزييف للوعي حتى تنسى الأمة رسالتها وتستسلم لجلاديها.

لكن الهجرة تعلمنا أن مواجهة الطغاة والمستكبرين لا تكون بالصراخ وحده، ولا بالعاطفة العمياء، بل بالوعي والتخطيط والثبات ووحدة الصف. فقد أخذ النبي صلى الله عليه وآلهِ وسلم بالأسباب كاملة: حدد الطريق، واستعان بالدليل، وأعدّ الزاد، وترك علياً عليه السلام في فراشه، ثم توكل على الله توكل الواثق لا توكل العاجز. وهنا تكمن عظمة الدرس: الإيمان لا يلغي التخطيط، والتوكل لا يعني الفوضى، والنصر لا يأتي لأمةٍ تكتفي بالبكاء على جراحها دون أن تبني أسباب قوتها.

إن أمتنا اليوم بحاجة إلى هجرة جديدة؛ لا هجرة من الأوطان، بل هجرة من الخوف إلى الشجاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الأخوة، ومن التبعية للغالب إلى الاعتزاز بالهوية، ومن الصمت أمام الظلم إلى كلمة الحق. نحتاج إلى أن نهاجر من واقعٍ تُستباح فيه مقدساتنا ودماء أبنائنا وثروات شعوبنا، إلى واقعٍ نصنع فيه وعياً حراً، وتعليماً نافعاً، واقتصاداً مستقلاً، وإعلاماً صادقاً، ومواقف سياسية لا تخضع لابتزاز المستكبرين.

لقد أقام النبي صلى الله عليه وآلهِ وسلم في المدينة مجتمعاً لا يقوم على العصبية، بل على المؤاخاة؛ ولا على الاستبداد، بل على الشورى؛ ولا على الفوضى، بل على النظام؛ ولا على الانتقام، بل على العدل. ومن هنا فإن استحضار الهجرة اليوم يعني أن نقيس واقعنا بميزانها: أين نحن من وحدة الصف؟ أين نحن من نصرة المظلوم؟ أين نحن من الصدق في الموقف؟ أين نحن من بناء الإنسان المؤمن الواعي القادر على حمل الرسالة لا مجرد ترديد الشعارات؟

إن الطغاة عبر التاريخ يخافون من الوعي أكثر مما يخافون من السلاح، ويخشون الأمة حين تعرف نفسها ورسالتها ومصدر قوتها. فقد كانت الهجرة إعلاناً بأن المستضعفين حين يرتبطون بالله، ويتوحدون حول الحق، ويأخذون بأسباب القوة، يتحولون من جماعة مطاردة إلى أمة تقود التاريخ. لذلك فإن أعداء الأمة لا يريدون لنا أن نفهم الهجرة بهذا المعنى؛ يريدونها ذكرى باردة، وخطبة عابرة، وتهنئة منسية، لا مشروعاً يوقظ الضمائر ويبعث في النفوس روح العزة.

وما أحوجنا في هذه المناسبة إلى أن نقرأ الهجرة قراءةً حية لا قراءة متحفية. فالطريق إلى المدينة ليس رحلة نجاة فردية، بل طريق أمة نحو البناء. وعقيدة تُصنع بها المواقف حين تشتد المحن وتتكالب القوى وتضيق الخيارات.

إن الأمة التي تستحضر الهجرة حقاً لا تركع لظالم، ولا تبيع قضاياها في أسواق السياسة، ولا تسمح للمستكبرين أن يكتبوا لها مستقبلها. الأمة التي تفهم الهجرة تعرف أن النصر يبدأ من الداخل: من إصلاح النفس، وتطهير الصف، وتربية الأجيال، وبناء الوعي، والتمسك بالحق مهما اشتد الظلام.

وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، لا يكفي أن نقول: كل عام وأنتم بخير، بل ينبغي أن نسأل: هل نحن أقرب إلى منهج الهجرة أم أبعد؟ هل هاجرنا من الضعف إلى القوة؟ من التفرق إلى الوحدة؟ من الصمت إلى الموقف؟ من التبعية إلى الاستقلال؟ من حب الدنيا إلى حمل الرسالة؟

إن الهجرة لم تكن نهاية الألم، لكنها كانت بداية الطريق إلى النصر. وكذلك واقع الأمة اليوم؛ قد تطول المحن، وقد يشتد بطش المستكبرين، وقد تتكاثر الخيانات، لكن سنن الله لا تتبدل: من صدق مع الله صدقه الله، ومن حمل الحق بثبات فتح الله له أبواباً لم يكن يراها.

سلامُ الله على صاحب الهجرة، يوم خرج مطارداً فدخل التاريخ فاتحاً للقلوب والعقول. وسلامُ الله على كل من جعل من ذكراه نوراً لموقفه، وزاداً لوعيه، وعهداً على نصرة الحق ومواجهة الظلم وبناء أمةٍ لا تعرف الانكسار.

فالهجرة ليست حدثاً مضى، بل نداءٌ يتجدد: أن قوموا من غفلتكم، وهاجروا إلى ربكم، واصنعوا من الإيمان وعياً، ومن الوعي موقفاً، ومن الموقف نهضةً تليق بأمة محمد صلى الله عليه وآلهِ وسلم.

قد يعجبك ايضا