طريق مسدود في مسار إسلام آباد: هل تطيح أوراق «مضيق هرمز» بفرص مفاوضات أمريكا وإيران؟

على خطى جولة المفاوضات الأولى في مسار إسلام آباد بين واشنطن وطهران، مضت الترتيبات لجولة المفاوضات الثانية وسط حقل ألغام عرقل إلى حد كبير انعقادها وسط استعدادات عسكرية باحتمال استئناف الحرب، في ظل تناقص تفاؤل الوسيط الباكستاني بإمكانية انعقاد جولة مفاوضات ثانية حتى بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان لمرتين.

تحليل / أبو بكر عبدالله

 

ذلك أن ترتيبات الجولة الثانية تحركت وسط تعرجات اتفاق وقف النار الذي تم تمديده بصورة غامضة، في ظل إغلاق طهران مضيق هرمز واستمرار الولايات المتحدة بفرض الحصار على المضيق والموانئ الإيرانية، في مشهد متوتر قلل من احتمالات نجاح الوساطة الباكستانية بجمع الطرفين على مائدة جولة مفاوضات ثانية.

زاد من ذلك أن المحاور الثلاثة المستجدة في ملف الأزمة (وقف النار، إغلاق مضيق هرمز، الحصار الأمريكي)، تحولت فعليا إلى فرامل تكبح بقوة مسار دبلوماسية إسلام أباد التي تحاول تعبيد الطريق لوضع إطار مفاوضات أولي يتجاوز العقبات التي حالت دون إحراز نتائج في جولة المفاوضات الأولى.

ومع اشتراط طهران رفع الحصار الذي تفرضه القوات الأمريكية على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، واعتبارها ذلك أساسا للمشاركة في جولة مفاوضات جديدة، ورفض واشنطن رفع الحصار لحين التوصل لاتفاق شامل، تشهد المفاوضات حالة جمود كامل خصوصا بعد إغلاق طهران باب المفاوضات كليا، بتأكيدها «عدم وجود خطط لديها لجولة مفاوضات جديدة مع الجانب الأمريكي» في ظل «انتهاك أمريكا وقف إطلاق النار منذ بداية تنفيذه وفرض الحصار البحري».

شروط على حافة هاوية

رغم إعلان الرئيس ترامب تقديم إيران صفقة اتفاق جديد وصفها بأنها «عادلة ومقبولة» دون الإفصاح عن فحواها، تبدو الإدارة الأمريكية حتى اليوم غير مكترثة بتسوية الملفات المتعلقة بمضيق هرمز والتي تطالب طهران بتسويتها قبل الشروع في جولة مفاوضات جديدة.

بالمقابل لم تبد طهران أي اهتمام تجاه الإيقاع المتسارع للرئيس ترامب الباحث عن توقيع اتفاق سريع، وظلت متمسكة باعتبار رفع الحصار مسألة أساسية قبل أي مفاوضات، ناهيك عن عدم قبولها الانخراط في المفاوضات تحت طائلة التهديد وعدم ثقتها بالإدارة الأمريكية وتمسكها بخطة البنود العشرة التي قدمتها سابقا إلى الوسيط الباكستاني.

وسائر المواقف التي أعلنتها طهران تجاه الجولة الثانية للمفاوضات، كشفت أزمة ثقة مرتفعة مع الولايات المتحدة، في ظل قناعة بعدم جدية واشنطن المضي بالمسار الدبلوماسي، وتجاهلها المطالب الأساسية بأن يشمل أي اتفاق محتمل مع ضمانات عملية بعدم الاعتداء والوفاء بالتعهدات السابقة وفي المقدمة رفع الحصار البحري ووقف الحرب الإسرائيلية على لبنان والأفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة ورفع كامل للعقوبات.

وحتى النتائج التي تحققت خلال زيارة وفد الوساطة الباكستاني برئاسة قائد الجيش الجنرال عاصم منير إلى طهران، لم تكن مقنعة تماما للمسؤولين، بعد أن آلت إلى وقف للنار بين اسرائيل وحزب الله مدته 10 أيام، بدلا من وقف الحرب، واشتراط واشنطن تسليم إيران مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة مقابل الافراج عن نحو عن نحو 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة في المصارف الأمريكية والغربية.

كان واضحا أن طهران خططت منذ البداية لاستخدام مضيق هرمز ورقة تفاوض وليس ورقة حسن نية، وتوقعت -وفقا لذلك- أن يقود قرارها بفتح المضيق إلى إنهاء واشنطن الحصار، وهي الخطط التي تعثرت مع إعلان واشنطن استمرار الحصار لحين الانتهاء من الاتفاق بنسبة 100% ما أدى إلى عودة الطرفين إلى المربع الأول.

استعدادات ساعة الصفر

الكثير من المعطيات ترجح أن الهدنة الممددة لن تُفضي إلى تقدم في مسار إسلام آباد، بقدر ما ستمثل وقتا ذهبيا لجميع الأطراف لمعالجة نقاط الضعف وسد الفجوات وتحديث قائمة الأهداف أو لإعادة تقييم التكتيكات والاستراتيجيات.

وهذا يعني أن التحركات التي شرعت فيها الإدارة الأمريكية للانخراط في ترتيبات الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد، لم تكن سوى الخطة (أ) خصوصا وأنها تزامنت مع حشد واشنطن قواتها للمنطقة ونقل المزيد من القطع العسكرية البحرية والجوية والذخائر والمعدات إلى الشرق الأوسط، استعدادا لاستئناف الحرب في حال لم يحدث اختراق دبلوماسي في المفاوضات، وسط توقعات أمريكية باحتمال تجدد القتال خلال أيام.

يشار في ذلك إلى نشر واشنطن 3 حاملات طائرات في الشرق الأوسط، بما فيها حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد، في حين استمرت واشنطن بنقل كميات كبيرة من الذخائر والمعدات الإضافية إلى الشرق الأوسط، وإرسالها 12 طائرة هجومية إلكترونية إضافية من طراز EA-18G Growler إلى قاعدة نيفاتيم بإسرائيل، ليرتفع عددها إلى 36 طائرة.

وبلغت كثافة جسر النقل الجوي الأمريكي، مستوى الذروة بمشاركة 7 طائرات نقل عسكرية من طراز بوينج إلى الشرق الأوسط عبر المحيط الأطلسي، وتسجيل وصول ما بين 15 إلى 20 طائرة ثقيلة إلى القواعد الجوية في قطر (العديد) والأردن (موفق السلطي) والكويت كل 24 ساعة.

أما إسرائيل فإن استعداداتها بدأت من اليوم الأول لوقف إطلاق النار، خاصة لدى القوات الجوية الإسرائيلية وقوات الدفاع الجوي، ناهيك عن تحديث قائمة الأهداف في إيران، والتي قال مسؤولون إسرائيليون إنها قد تشمل هذه المرة مرافق البنية التحتية للطاقة في إيران، في حين أعلن رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إمكانية حدوث أي تطورات مع إيران في أية لحظة.

وبالنسبة لإيران فإن تصريحات المسؤولين الإيرانيين، أكدت على جهوزية سائر التشكيلات القتالية الجوية والبحرية والبرية ووضعها في حالة استعداد، وسط تقارير أمريكية وغربية عن تمكن إيران خلال فترة وقف النار من إزالة الركام الذي تشكل على مداخل مدن الصواريخ وحظائر الطائرات المسيَّرة المخزنة تحت الأرض، استعدادا لجولة الحرب التالية، ناهيك عن ترميمها سائر مواقع القوات البحرية التي تعرضت لهجمات خلال حرب الـ 38 يوما واستئناف نشاطها في مضيق هرمز بصورة كبيرة.

معادلة الضغوط والحسابات

سائر الاستعدادات العسكرية من جانب واشنطن وإسرائيل وطهران، لا تعكس بالضرورة قناعة الجانبين باحتمالية تفجر الحرب من جديد، بقدر ما تؤشر إلى اعتماد الجانبين استراتيجية “التفاوض تحت النار” التي يحاول كل طرف استخدامها كأداة ضغط لفرض الشروط على مائدة المفاوضات، في ظل إدراك كل طرف أن أي اتفاق مستقبلي سيعتمد بشكل أساسي على موازين القوى على الأرض.

وهذه الاستراتيجية لا تبدو بعيدة عن تحديات الواقع الجديد الذي نشأ بفعل استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان رغم اتفاق وقف النار، كما لا تبدو بعيدة عن استمرار إغلاق طهران مضيق هرمز بالتوازي مع استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

بالنسبة لإيران، كان واضحا أنها وضعت وقف الحرب على لبنان أولوية، تنطوي على التزامات وتطمينات لدول محور المقاومة بعدم تركها وحيدة بعد مساندتها في حربها مع أمريكا وإسرائيل وهي الورقة التي أثمرت في البداية ضغوطا كبيرة مارستها واشنطن على تل أبيب لوقف هجماتها على حزب الله، وكان لها أثر مباشر في الليونة التي أظهرتها طهران، بقبولها فتح مضيق هرمز قبل أن تعود إلى إغلاقه.

وثمة ورقة تحاول واشنطن استثمارها، تتمثل بالحاجات الاقتصادية الملحة لإيران وحرصها على تجنب أي أزمات اقتصادية إضافية، في ظل ما تعيشيه من اختناقات بسبب العقوبات، وحاجتها إلى تدفق العملات الصعبة، وتحسين وضع العملة المحلية من خلال رفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة.

يضاف إلى ذلك حرص طهران على تجنب آثار الحصار البحري الأمريكي، بعد أن أخضعت القوات الأمريكية نحو 2000 كيلو متر من المياه الإيرانية للحصار، ما أدى إلى وقف كامل للتجارة البحرية الداخلة إلى إيران والخارجة منها، في ظل تصاعد مشكلة استنزاف الاحتياطيات النقدية الإيرانية بسبب الحرب وتوقف الصادرات، وحاجة طهران إلى متنفس مالي لتجنب اضطرابات داخلية، خصوصا وأن الحصار لم يمنع تصدير النفط الإيراني وحسب، بل منع أيضا دخول السلع الأساسية.

ووفقا لذلك، تعتقد واشنطن أن طهران ستحاول تفادي الانخراط في أي حرب جديدة قد تسبب لها ضغوطا اقتصادية داخلية في ظل التهديدات باستهداف مرافق البنى التحتية للطاقة والمياه، بعد الخسائر التي أدت إليها حرب الـ 38 يوما الماضية والتي قالت طهران إن خسائرها فيها تجاوزت 270 مليار دولار.

ومن جانب الولايات المتحدة، فإن تسعى بكل قوة إلى تقليص حجم الضغوط التي بدت هذه المرة كبيرة للغاية، وفي المقدمة الضغوط الدولية الناجمة عن أزمة الطاقة العالمية وما أدى اليه الحصار الأمريكي لمضيق هرمز من توترات، أدت إلى حصول قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط والتأمين البحري، وهو ما أثار استياء حلفاء واشنطن كما أشعل موجة معارضة شديدة لسياسة ترامب في الداخل الأمريكي.

تدخل في إطار ذلك الضغوط الهائلة التي واجهها ترامب من دول المنطقة ومصر وتركيا وحتى من حلفائه الأوروبيين للتوصل إلى حل يمنع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة تدمر البنية التحتية للطاقة في دول توفر النسبة الأكبر من الإمدادات النفطية لكثير من دول العالم.

وقرار ترامب تمديد فترة وقف إطلاق النار وتغيير خطط مقترحات التسوية الدبلوماسية، عكس تماما حرص الإدارة على تجنب المزيد من الضغوط من خلال التوجه نحو إدارة الأزمة بالمسار الدبلوماسي، وتجنب الانخراط في حرب جديدة.

وعلاوة على ضغوط الوقت والتكاليف والتداعيات الاقتصادية الناتجة عن استمرار إغلاق مضيق هرمز، تواجه إدارة ترامب ضغوطا تشريعية من الكونجرس الذي كان قد منح إدارة ترامب مهلة 60 يوما لشن حرب على إيران دون موافقة الكونجرس ولم يتبق منها سوى أيام قليلة، فيما تقول وسائل إعلام أمريكية إن ترامب ملزم قانونيا ببدء سحب القوات الأمريكية من المنطقة اعتبارا من الأول من مايو.

وبصورة عامة، تراهن واشنطن على أن استمرار الحصار البحري، سيقود إلى تأثيرات اقتصادية كارثية يمكن أن ترغم طهران على القبول بشروط التسوية الأمريكية، كونه يسبب المزيد من الضغط الداخلي في إيران، في حين تراهن طهران على أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيقود إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة وعلى حلفائها في المنطقة، ما سيرغمها على تقديم تنازلات أكثر.

هرمز العقدة الأكبر

يصعب اعتبار التأخير في جولات المفاوضات في إسلام آباد فشلاً نهائياً، بقدر ما يمكن اعتباره جزءا من “لعبة عض الأصابع”، حيث يحاول كل طرف تحسين وضعه الميداني، وهو الوضع الذي فسر إصرار إسلام آباد على مواصلة جهود الوساطة رغم كل العراقيل.

يتبدى ذلك بوضوح في رفض طهران تجاوز الأزمات المستجدة بمضيق هرمز، وإصرارها على رفع الحصار كخطوة أولى تسبق أي مفاوضات، بالتزامن مع إصرار واشنطن على استمرار الحصار لحين إكمال تفاهمات التسوية الدبلوماسية، ما جعل من قضية مضيق هرمز، المعضلة الرئيسية أمام عربة مفاوضات إسلام آباد.

وأكثر ما استطاعت طهران تقديمه في هذا الملف، هو السماح بمرور الناقلات التجارية في مضيق هرمز، مقابل رسوم عبور ووفق المسارات التي تحددها المنظمة البحرية الإيرانية وحظر مرور السفن العسكرية أو سفن البضائع المرتبطة بالدول “المعادية، مع استخدام السفن الممرات التي تحددها طهران بالتنسيق مع السلطات الإيرانية، مع الاعتراف بحق إيران في فرض رسوم مرور على السفن.

والمؤكد أن أي تقدم في مفاوضات الجولة الثانية، سيبقى مرهونا بمدى استجابة واشنطن لمطالب طهران برفع الحصار البحري ومدى استجابة طهران لمطالب واشنطن بفتح مضيق هرمز، وهو أمر لم تظهر أي مؤشرات بإمكانية تسويته حاليا وربما خلال الأيام القادمة.

وحتى اليوم وفي ظل وقف النار، لا يبدو أن قضية فتح المضيق والحصار مرشحة لتسوية قريبة، فهي واقعا تتجاوز كونها ملفا تقنيا إلى ورقة ضغط استراتيجية يمتلكها كل طرف.

وبالنسبة لطهران، فإن إغلاق المضيق هو الورقة الرابحة الوحيدة التي تعادل ميزان القوى أمام الحصار البحري الأمريكي، وأي توجهات بالتخلي عن هذه الورقة، يعني فقدان القدرة على التفاوض من موقف قوة، في حين أن واشنطن ترى أن إنهاء الحصار دون الحصول على تنازلات نووية، سيكون تراجعا استراتيجيا، قد يفقدها ورقة التفاوض تحت الضغط، وقد يفتح الباب لمشكلات سياسية كبيرة للإدارة الأمريكية مستقبلا.

قد يعجبك ايضا