مقصلة «الابارتهايد» في مواجهة الشرعية الدولية: هل تسقط دعاوى الطعن «قانون إعدام الأسرى» أم سيجر الاحتلال إلى لاهاي؟

 

في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يحيون الذكرى الخمسين لـ»يوم الأرض»، كان الكنيست الإسرائيلي يُقر أكثر القوانين الإسرائيلية عنصرية، عُرف إعلاميا باسم « قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين» والذي مثل صدمة حقوقية عالمية بما حمله من مضامين تقونن جرائم قتل الأسرى خارج القانون وتكرس سياسة التمييز العنصري ما حول التشريع من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة لتكريس القمع والإرهاب والعنصرية.

تحليل / أبو بكر عبدالله

يوم 30 مارس الماضي، صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون «عقوبة الإعدام للمخربين لعام 2026م»، الذي عرف إعلاميا باسم «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين» بعد أن صوّت لصالح القانون 62 نائباً مقابل 48 وامتناع نائب واحد، في خطوة وصفت بأنها من أكثر خطوات التمييز العنصري لحكومة اليمين المتطرف برئاسة رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو.

وينص القانون الذي سيطبق في الضفة الغربية وما نسبته 53 % من قطاع غزة، على فرض عقوبة الإعدام على أي أسير فلسطيني تتم إدانته بما تسميه إسرائيل الإرهاب واستهدف بصورة مباشرة تنفيذ عقوبة الإعدام بالشنق بحق أي فلسطيني (أو غير إسرائيلي) يُدان بقتل إسرائيلي بدوافع «قومية أو أيديولوجية» أو «بقصد إنكار وجود دولة إسرائيل» كما نص على عدم تطبيق القانون على أي إسرائيلي (يهودي) يقتل فلسطينياً، ما أضاف سياجا جديدا في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

أثار القانون سيئ الصيب موجة غضب دولية واسعة النطاق لا تزال مستمرة حتى اليوم، خصوصا بعد أن تم إقراره لتطبيقه بشكل حصري على الفلسطينيين، بعد أن ألغي العديد من الضمانات القضائية التي تمنحها قوانين دولة الاحتلال في المحاكمات، ناهيك عن اعتباره عقوبة الإعدام إلزامية بحق الأسرى الفلسطينيين دون غيرهم، وارغامه المحكمة العسكرية لدولة الاحتلال إصدار حكم الإعدام دون مراعاة لأي ظروف قانونية أو إنسانية.

والتمييز الفج الذي كرسه القانون سيئ الذكر على أساس قومي وعرقي، جعله أداة سياسية للمقع والإرهاب لا أداة لتحقيق العدالة، خصوصا وأنه بصيغته العامة لم يستهدف الأسير الفلسطيني وحده بقدر ما مثل عقوبة جماعية تهدف إلى تدمير الاستقرار النفسي والاجتماعي للعائلة الفلسطينية وتحويل حياتهم إلى انتظار دائم للموت.

زاد من ذلك أن القانون حظر حق الاستئناف لمن يصدر بحقهم أحكام إعدام، كما حظر تخفيف العقوبة سوى في حالات استثنائية نادرة جداً لتخفيف الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد، مع التطبيق الفوري للأحكام على سائر القضايا الجديدة، بما يخالف القوانين التي تنظم إجراءات التقاضي المعمول بها في كل دول العالم.

انتهاكات ممتدة

التوجهات الطافحة بسياسة الفصل العنصري الواردة سابقا، لم تكن كل شيء في جعبة القانون سيئ الصيت فقد نص على إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام كما حظر على الحكومة إصدار أمر بالإفراج عن أي شخص أُدين، أو يُشتبه به، أو متهم بجريمة يُعاقب عليها بالإعدام.

ولم يترك القانون سوى هامش ضئيل للمناورة أمام القضاة والمحامين، من خلال نصه على اعتماد قرار الإعدام بأغلبية بسيطة من القضاة بدلا من إجماع المحكمة، في حين فرض إجراءات سريعة لتنفيذ أحكام الإعدام في مدى زمني ضيق محدد بـ90 يوما من تاريخ صدور الحكم كما منح الحصانة الكاملة لمنفذي أحكام الإعدام من الملاحقة الجنائية والمدنية.

ونص على تعديل قانون العقوبات، بحيث «يُحكم بالإعدام أو السجن المؤبد على كل من يتسبب في وفاة شخص بهدف إنكار وجود دولة إسرائيل في ظروف عمل إرهابي»، كما نص على تعديل قانون السجون بفرض إجراءات صارمة على الحبس الانفرادي للشخص المحكوم عليه بالإعدام، وتقييد الوصول إليه، وسرية تنفيذ الحكم، بما يقود إلى فرض حالة من العزلة على المحكومين باحتجازهم في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الإعدام.

كذلك نص على تعديل قانون الحكومة، بحيث لا تكون الحكومة مخوّلة بالإفراج عن شخص أُدين أو يشتبه به أو متهم بجرائم عقوبتها الإعدام. كما نص على تعديل أنظمة مصلحة السجون لتحديد ترتيبات احتجاز المحكوم عليهم بالإعدام في العزل، وتقييد الوصول إليهم، والحفاظ على سرية تنفيذ الحكم.

ورغم أن القانون الإسرائيلي لن يُطبق بأثر رجعي كما قيل، إلا أن خطورته تكمن في أنه سيطبق على كل المعتقلين في السجون الإسرائيلية حاليا والذين لم تجري لهم محاكمات، بما في ذلك نحو 300 أسير فلسطيني من غزة والضفة والقدس، تخضعهم محاكم الاحتلال الإسرائيلي حاليا للمحاكمة، كما تكمن خطورته في توسيعه لدائرة الاستهداف للمقاومين لتشمل المشاركين أو المخططين أو المساعدين في عمليات المقاومة، وليس فقط منفذيها.

تهديد الحق في الحياة

القانون بما حمله من توجهات عنصرية تُعبّر عن سياسة اليمين المتطرف، أثار في الداخل الإسرائيلي اعتراضات انشغلت في معظمها بما قد يجره على إسرائيل من تبعات قانونية ودبلوماسية سلبية خصوصا وأن الإطار العام للقانون يذهب لتنفذ عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين التي لا تُنفذ بحق الإسرائيليين ويُستعاض عنها بالسجن المؤبد.

وقد حذرت منظمات حقوقية دولية من أن تنفيذ القانون قد يُفضي إلى ملاحقات أو مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين، كما سيفتح الباب أمام إجراءات قضائية في محاكم أجنبية، بدعوى انتهاكه المباشر للحق في الحياة.

هذا الموقف عبَّر عنه الاتحاد الأوروبي -في بيان- اعتبر فيه أن عقوبة الإعدام التي ينص عليها القانون سيئ الذكر، يمثل انتهاكا للحق في الحياة، باعتبار أنه لا يمكن تنفيذ هذه العقوبة من دون المساس بالحق المطلق في التحرر من التعذيب وسوء المعاملة.

زاد من ذلك أن عقوبة الإعدام لم تُطبق في دولة الكيان سوى مرة واحدة على النازي أدولف أيخمان عام 1962م، ما جعل القانون المصادق عليه حالة استثنائية تعكس تحولات عميقة داخل مؤسسات دولة الاحتلال نحو مزيد من «الحقد والقهر ضد الفلسطينيين.

وقبل المصادقة على القانون، كان الرأي الدولي يؤكد أن المقترحات المعروضة أمام الكنيست، تثير مخاوف تتعلق بالتمييز ضد الفلسطينيين، في حين دعا مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إسرائيل للتراجع عن تشريع يسمح بإعدام الفلسطينيين في ظروف معينة، كونه يمثل انتهاكا صريحا للقوانين الدولية.

ذلك أن الأسرى إذا كانوا مدنيين، فهم يحظون بحماية كاملة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، أما إذا كانوا مقاتلين، فهم أسرى حرب يتمتعون بحماية اتفاقية جنيف الثالثة، وفي الحالتين لا يجوز إعدامهم بأي شكل من الأشكال.

وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي، أثار القانون جدلا واسعا، حيث وقع أكثر من 1200 شخصية إسرائيلية بارزة، بينهم حائزون على جوائز نوبل وقضاة سابقون، على عريضة تعتبر القانون «وصمة عار أخلاقية»، في حين دعا ناشطون حقوقيون عرب وأجانب، المجتمع الدولي إلى مقاطعة الكنيست الإسرائيلي، وفرض عقوبات على أعضائه، وسحب عضويته من الاتحاد البرلماني الدولي، بعد أن قدم الدليل بأنه ليس سوى أداة في يد الاحتلال لتكريس الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وتعزيز الإفلات لمجرمي الحرب من العقاب.

وبالتوازي أثارت المصادقة على القانون، مواقف فلسطينية وعربية ودولية مناهضة، ذهبت جميعها إلى التأكيد على أن القانون مثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد على عدم أحقية دولة الاحتلال تطبيق عقوبة الإعدام على سكان الأراضي المحتلة.

دوافع عنصرية طافحة

الطبيعة العنصرية للقانون، تكمن في أنه يعفي الإسرائيليين من أي عقوبة مشددة، حتى لو ارتكبوا جرائم قتل ضد الفلسطينيين، في حين يُحاكم الفلسطينيين فورا ويُطبق عليهم حكم الإعدام.

وأكثر من ذلك توجيهه للتطبيق على فئة بعينها من الحالات المرتبطة بخلفيات «أيديولوجية أو قومية»، وهو ما يُفسر عمليا على أنه موجّه ضد الفلسطينيين تحديدا، في مقابل غياب أي نص مماثل يشمل مرتكبي الجرائم من المستوطنين أو المواطنين اليهود في ظروف مشابهة.

ورغم أن الإسرائيليين والفلسطينيين، يعيشون في الأرض نفسها منذ عقود وتنطبق عليهم القوانين ذاتها، إلا أن التشريع الجديد جعل لإسرائيل قوانين خاصة باليهود وقوانين قمعية تخص فقط الفلسطينيين، ما جعل المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لوقف هذه العنصرية الفادحة كما فعل في جنوب إفريقيا.

ومعروف أن القانون سيئ الصيب، قدمه حزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف، برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب الليكود، بدوافع عنصرية بحتة، وهو الموقف الذي تجلى بوضوح بعد التصويت على هذا القانون، حيث احتفل بن غفير داخل الكنيست، بتوزيع مشروبات كحولية على الحضور، واصفا تمرير القانون بأنه «حدث تاريخي» وقال «قريبا، سيتم إعدامهم واحدا تلو الآخر»، في واحدة من أكثر صور الإرهاب التي تمارسها حكومة اليمين المتطرف بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

وقد لخصت صحيفة «نيويورك تايمز» المشهد بكونه «انتصارا لليمين المتطرف في إسرائيل، ويعكس تحوّل البلاد نحو مواقف أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين»، وهي المواقف التي بتبناها اليمين المتطرف المؤيد لفكرة عدم وجود «إرهاب يهودي»، في مقابل تصنيف الفلسطينيين عموما، ومن بينهم الأطفال، ضمن إطار «الإرهاب».

هذه المعطيات كانت كافية لدفع أوساط حقوقية فلسطينية وعربية ودولية إلى إطلاق تحذيرات من مخاطر صمت دول العالم تجاه هذا القانون الذي يكرس سياسة الفصل العنصري بصورة فجة، وسط دعوات إلى تحرك عملي لردع الاحتلال عن تنفيذه، بتشكيل جبهة دولية من المؤسسات الحقوقية لمواجهة القانون وإبطاله ولا سيما من الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف التي تُعتبر ملزمة قانونا بالتحرك لوقف هذه الجريمة وإجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

احتمالات الغاء التشريع

لدى إسرائيل قانون يمنح القضاة الحق في إصدار أحكام الإعدام، دون أن يجبرهم عليه، لكن إسرائيل امتنعت عن تطبيق هذا القانون ضد الفلسطينيين منذ الاحتلال بسبب رفض المجتمع الدولي خاصة أوروبا والغرب لتنفيذ مثل هذه الأحكام على الفلسطينيين تحت الاحتلال.

وذهبت تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أن وجود هذا القانون سيجعل الفلسطيني يرفض أي خيار آخر سوى الموت في حال المواجهة مع قوات الاحتلال لمعرفته بأن مصيره الموت في كل الأحوال.

ردود الفعل الغاضبة تجاه هذا التشريع ولا سيما من داخل كيان الاحتلال، عززت التوقعات بأن تدفع حملات المناهضة الداخلية والخارجية للقانون محكمة العدل العليا إلى الغاء هذا القانون، أو تعمل تعديله لأسباب سياسية وأمنية ودستورية.

وعزز هذ الاحتمال تقديم منظمة «حقوق المواطن في إسرائيل» ومنظمة «عدالة» طعن في القانون لمحكمة العدل العليا التي لها الحق في البت بدستورية القوانين في إسرائيل، بما في ذلك تعديل أو إلغاء القوانين التي يقرها البرلمان في حال تناقضها مع النظام الأساسي للدولة.

وكانت المفاجئة لدى مؤيدي التشريع سيئ الذكر، أن محكمة العدل العليا وافقت على النظر في الالتماس المقدم لها للطعن في القانون، وطلبت من الكنيست تقديم الرد على ما جاء في الطعون، ما عزز من احتمالات أن المحكمة تتجه إلى إلغائه خصوصا وأنه يتناقض مع القانون الأساسي، ويحمل قدرا هائلا من التمييز العنصري ضد الفلسطينيين على أساس العرق.

قد يعجبك ايضا