“إنهم لا أيْمان لهم “!

يكتبها اليوم / حمدي دوبلة

حمدي دوبلة

لا يكاد يخلو خطاب من خطابات الرئيس الأمريكي- الهزلية والمسرحية والمتواصلة كل يوم وليلة، منذ أن عاد إلى البيت الأبيض- من ذكر أهم إنجازاته- كما يقول- وهو قراره الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم مع طهران عام 2015م.

-يكرر دونالد ترامب ذلك متباهيا ولا أحد في أمريكا أو العالم يذكَّره أن ذلك الانسحاب لم يكن بطولة ولا عملا خارقا ولا هو بمفخرة وإنما نقيصة ووصمة عار وأن تبعاته كانت كارثية على أمن المنطقة والعالم.

-كان ذلك الانسحاب غير المسؤول ضربة قاسية لمبدأ احترام المواثيق الدولية وأعاد المنطقة إلى أجواء التوتر والتهديدات والتصعيد والاحتقان قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من اشتعال المنطقة في حرب لا تزال مخاطرها تهدد بنسف كل شيء.

-الاتفاق النووي الذي نسفه ترامب ويتفاخر بذلك، لم يكن حدثا عاديا أو بروتوكولا ثانويا، بل ثمرة مفاوضات مضنية، شاركت فيها قوى كبرى وبضمانات الشرق والغرب قبل أن يتم إقراره من قبل مجلس الأمن الدولي والمؤسسات الدولية الاعتبارية، لكن كل ذلك لم يعن لترامب شيئا، ومضى مشدوها خلف المجرم نتنياهو وأمنياته وأوهامه، فكرر الخطأ مرتين ومارس الغدر بأبشع صوره وهو يشن حربين على إيران أثناء سير المفاوضات بين البلدين، الأولى أثناء مفاوضات مسقط التي كانت على مرمى حجر من إنجاز يحفظ حقوق جميع الأطراف، والثانية في جنيف بعد بضعة أشهر واقتربت كثيرا من الإنجاز، لولا تهور وغرور ترامب وانسياقه الأعمى خلف الإرهابي المتعطش للدماء بنيامين نتنياهو.

-مفاوضات إسلام آباد التي عقدت السبت وانفضت أمس الأحد دون نتائج، أحيطت بظلال كثيفة من الشكوك وسوء الظن، ليس فقط بسبب طبيعة الملفات المطروحة وتعقيداتها والفجوات الكبيرة بين شروط وطلبات كل طرف، بل نتيجة لتجارب سابقة أثبتت أن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي دأبا على النكوص والغدر والخيانة وما يبديانه من تعال على الآخرين وأنهما فوق القانون الدولي، كما يتعاملان مع المعاهدات الدولية بانتقائية لا تخلو من نزعة عدوانية.

-كل الشكوك والمخاوف والحذر الذي أبدته طهران حيال المفاوضات، مشروعة ومحقة، فالتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والتصريحات العلنية لكل من ترامب ونتنياهو، تشي بنوايا غير مستبعدة لتحركات عدوانية جديدة ضد إيران والمنطقة

– أئمة الكفر في الزمن القديم الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم “لا أيمان لهم”، هم بطبيعة الحال أحسن حالا من أئمة وطغاة هذا العصر، فهؤلاء لا عهود ولا مواثيق ولا أخلاق لهم وهو ما يجب أن تتنبه له الدولة الإيرانية التي ربما يريدون لها بعد انتهاء جولة مفاوضات إسلام آباد بهذا المستوى من الغموض، أن تنجر إلى حالة اللا حرب واللا سلم لمواصلة تحركاتهم الخبيثة في ظرف كالذي نعاني من ويلاته في اليمن منذ سنوات .

-في ضوء هذه الحقائق والمعطيات، تبدو إيران مطالَبة بأن تتعامل مع العدو بقدر كبير من الحذر وعليها الإصرار على اعتماد استراتيجية محددة للسلام والحرب والاعتماد على ضمانات دولية، بحيث أن أي اتفاق يجب أن يكون مدعوماً بآليات رقابة دولية صارمة، تضمن عدم انسحاب أي طرف بشكل أحادي مع الاستعداد لسيناريوهات التصعيد ببقاء الجاهزية العسكرية على أشدّها، إلى جانب التشبث بالقانون الدولي، فالتمسك بالشرعية الدولية يمنح إيران قوة أخلاقية وسياسية في مواجهة أي خرق أو نكث للعهود والمواثيق، كما جرت العادة ممن لا أيمان لهم ولا أخلاق ولا احترام وممن لا يفهمون غير لغة القوة ولعلعة الرصاص وأزيز الصواريخ.

 

 

قد يعجبك ايضا