لا الجمهورية الإسلامية ولا أحد من العالمين كان على ثقة من نوايا أمريكا للخروج بتسوية منطقية وموضوعية من مفاوضات إسلام أباد.
أمريكا لم تعتد أن تكون الحلقة الأضعف وأن تدخل مفاوضات مشروطة مع الخصم، كما هو حالها اليوم وهي تفاوض القوة الإسلامية العالمية الرابعة، فضلا عما هي عليه -أصلا- من انحدار سلوكي في التعامل مع الآخرين سمته الغدر والخيانة، ومع التزاماتها، وهو أمر متفق عليه.
لذلك، رافق جولة التفاوض التي انطلقت أمس في إسلام آباد تحركات ساذجة، إلى جانب مماطلتها في حسم نقطتي وقف العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان والإفراج عن أرصدة إيران المحتجزة بقرار أمريكي.
دخلت واشنطن التفاوض بالثلاثي سيئ السمعة، مع ذلك فالجميع ملزم بضوابط الحوار وإن حاولوا التسويف والترحيل في محاولة لإطالة أمد اللقاء.
في هذا الوقت كان المعتوه «ترامب» يُمنّي نفسه باستغلال اللحظة وتحقيق اختراق ولو بسيط يتباهى به أمام قاعدته الشعبية، فذهب إلى تحريك بارجة في اتجاه مضيق هرمز، آمِلا من ذلك أن يكون مجرد التفاوض قد أرضى طهران بحيث تتغاضى عن هذا التحرك الأحمق، إلا أن الأمر جاء على غير ما اشتهى إذ تلقت البارجة مباشرة التحذيرات الصارمة بالاستهداف خلال (30) دقيقة ما دفعها للعودة.
وبالتزامن تناقلت وسائل إعلام أمريكية عن وزارة الحرب قولها بأنه تم الدفع بحاملة الطائرات “بوش” إلى الشرق الأوسط يرافقها أسطول حربي. زائدا الإعلان أمريكياً عن وصول قوات من ما تسمى بالفرقة 82 المتخصصة بالإنزال البري.
لا شك أن الهدف من هذه التحركات هو ممارسة الضغط على إيران لتقديم التنازلات، إلا أنها في جوهرها تؤكد صدقية النوايا الخبيثة للولايات المتحدة، لذلك لا يشك أحد في إمكانية عودة المواجهة، فالمعتوه ترامب إنما أراد من هدنة الأسبوعين إعادة ترتيب صفوفه وتذخير أسلحته، وهو ما تدركه إيران جيدا، لذلك لا تزال في ذروة الجاهزية لمواصلة تأديب هذه الكائنات الخارجة عن الناموس الإنساني.
وتماشيا مع الرغبة الأمريكية بإطالة زمن التفاوض سربت واشنطن عن طريق الإعلام أن المفاوضات ستمتد لأيام، إلا أن هذه الحركة الساذجة قوبلت بنفي إيراني سريع وقاطع مع التأكيد بأن التفاوض سيكون ليوم واحد.
في كل الأحوال، أمريكا وقد أظهرت بشكل مبكر نواياها الخبيثة تجاه الشروط الإيرانية عليها أن تعي أن الأُفُق قاتم، ولا يشجع على أي مراوغة.
مضيق هرمز، الورقة الإيرانية الموجعة للكيان الأمريكي سيبقى تحت سلطتها، ومحاولات كسب الوقت لن تنتهي إلى تمكين هذه الإمبريالية من السيطرة عليه. كما أن محاولات التحدي وفرض أمر واقع، مسألة تقفز على المنطق، إذ أن إدارة المعركة باتت للجمهورية الإسلامية ويدها هي الأعلى، بالتالي فان أي تحرك ارتجالي غير محسوب إنما سيصير مقامرة بما تبقى من مساحة للتعاطي مع أماني واشنطن لفتح المضيق، طبعا بالشروط الإيرانية.
ومن يقرأ نقاط طهران العشر، يجدها جميعها مطالب مستحقة، وإنما انتهكتها أمريكا في لحظة من استغلال حالة السلبية القاتلة التي عليها المجتمع الدولي. واليوم تتهيأ الظروف كي تمتثل لها وفق منطقها المعتمِد على القوة، وإن كان هناك تفاوض جار الآن.
وأصبح على أمريكا أن تتعامل مع نتائج مواجهة الأربعين يوما بعقلانية، حتى لا تُغرِق شعبها والعالم في أتون الأزمات في الطاقة والغذاء الناتجة عن التسبب في إغلاق المضيق، كما عليها -شاءت أم أبت- أن تغادر الغطرسة وتسلِّم بحقيقة أنها لم تعد تلك القوة «الإرهابية» القادرة على تمرير ما تشاء وقت ما تشاء.
