أمريكا وإيران

عبدالرحمن مراد

 

دلت أحداث الحروب الأخيرة في العالم كله، على أن الحروب أضحت من الأساليب القديمة في السيطرة والخضوع، وأن المنتصر في الحرب مهزوم بالضرورة، لما تترتب على الحروب من آثار عميقة قريبة المدى وبعيدة المدى، وأن اللغة الأعلى في زمننا المعاصر هي لغة السياسة والاقتصاد، فهما القادران على تحقيق ما لا تحققه لغة النار والدمار .
تترك الحروب آثارا نفسية عميقة في النفوس، وجروحا لا تندمل مع مرور الزمن، ولا منتصر فيها مهما تعالت الأصوات وكانت المبررات، فالقوة لا تعني الدمار والنار في زمننا المعاصر ولا التفوق التقني والأسلحة الأحدث، بل تعني المعرفة والقدرة على الفائقة على إدارة المعلومات المتدفقة في كل جزء من الثانية، ومع كل تطور في الأدوات وفي المعرفة، يحدث في المقابل تطور مماثل في العلاقات بين الأشياء، وفي النظم العامة والطبيعية، ومثل ذلك قانون فطري ساري المفعول في حياة المجتمعات الإنسانية، لا يمكننا تبديله، لذلك فالحرب في أوكرانيا لم ينتصر فيها أحد، بل أحدثت تدافعا عميقا بين الدول والأنظمة، وهي ماتزال مستمرة ولن ينتصر فيها أحد، ومثلها حرب الإبادة التي تقودها إسرائيل ضد فلسطين ولبنان، وينطبق الأمر ذاته على الحرب الدائرة اليوم بين أمريكا وإيران، ولعلها الحرب التي قالت بوضوح لا يقبل التأويل والشك أن العالم تغيَّر وتبدل وأضحت لغة الدمار والقتل والنار من الأساليب القديمة التي لا تحقق انتصارا أبدا، فقد كان الصمود الإيراني أمام أسلحة الدمار الشامل الأمريكية والإسرائيلية، صفعة قاتلة سوف تحدث تحولا عميقا في رؤية العالم وفي أساليب الحياة، ومنطلقات العلاقات الجيوسياسية، ومستوى التعاون بين الشعوب والحضارات، ولغة الحوار والتفاهم، وقد كان وعي الدول التي خاضت تجارب استعمارية في الماضي، أكثر تقدما بالنظر إلى مواقف تلك الدول مثل بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وقد كانت تلك الدول أقرب إلى العقلانية وفهم التحولات منها إلى التهور إلى تبدو عليه أمريكا التي وجدت نفسها تتصدر المشهد السياسي العالمي دون تجارب بعد الحرب العالمية الثانية التي تسببت في ضعف الدول الاستعمارية القديمة مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول .
كانت أمريكا مستعمرة بريطانية وخاضت حروبا أهلية، وفي زمن وجيز أصبحت من الدول العظمى بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد الحرب العالمية الثانية تفوقت أمريكا بالسلاح النووي الذي استخدمته ضد اليابان ودخلت حرب وجود مع الاتحاد السوفيتي قيما يعرف بالحرب الباردة والتي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1990م، وتفردت أمريكا بقيادة العالم، ويبدو أن الحروب التي خاضتها الدول الاستعمارية مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا والمانيا والسوفيت، قد أفسحت المجال للقوة الجديدة كي تبزغ من بين ركام الحروب، وتكونت أمريكا من لفيف غير متجانس من كل الدول الاستعمارية القديمة، ولم يكن لسكان أمريكا الأصليين من دور في الحياة السياسية التي تشكلت أثناء استعمارها من بريطانيا أو بعد إعلان استقلالها، وأغلب الساسة الأمريكيين من أصول غير أمريكية، حتى ترامب يقال إن أصوله ألمانية، لذلك فأمريكا التي نعرفها اليوم هي من كل العالم القديم قبل اكتشافها، ويبدو لي أن ظروف بزوغ قوتها تتشابه اليوم مع بداية غروب نجمها، فالعالم الذي ساندها قديما في صراعها وحروبها، هو نفسه اليوم من يقف ضد سياستها وقد يساهم في انهيار قوتها وسيطرتها على العالم، ولعل مواقف رئيسة وزراء إيطاليا هي الأكثر قوة وحدة ومثلها بريطانيا الحليف الأبرز وكذلك فرنسا، ولو لم تكن هناك من قيمة للحرب المعلنة على ايران إلا هذا التصدع في بنيان النظام الدولي، وهذا التبدل والتغاير، لكان كافيا في ترجيح كفة لإيران في تحقيق القدر اللازم من الانتصار على غطرسة أمريكا، وهو أثر غير مباشر للحرب ولكنه من طبيعة الحروب في كل زمان، وقد يكون نتيجة منطقية للحروب المعاصرة بعد كل هذه التحولات العميقة في حياة المجتمعات البشرية، فالحروب تدافع فطري وفق قانون كوني إلهي خوفاً من الفساد في الأرض، ولكنها تتطور بتطور المجتمعات والشعوب وبتطور مستويات المعرفة وأنساقها العامة والطبيعية، وهي اليوم غيرها بالأمس ولن تتشابه مع الماضي .
في الماضي كانت القوة العسكرية مقياسا عاما، أما في زمننا المعاصر، فالقوة أضحت ذات أنساق متعددة، ثقافية، ومعرفية، وتقنية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، ولعل المعرفة هي القوة الأكثر سيطرة وهيمنة على كل الأنساق والمستويات، فبها ومن خلالها يدار العالم اليوم، ولم يعد التدخل العسكري إلا جزءا بسيطا أو عملية محدودة، غرضها واضح، كمقدمة تفضي إلى نتيجة معروفة سلفا من خلال مقدماتها التي تقوم بها الوحدات العسكرية أو الأمنية، ونحن نلاحظ منذ زمن الحرب الباردة بين السوفيت وأمريكا إلى اليوم، كيف يتم استخدام الوحدات الأمنية والمجاميع المسلحة تحت شعارات وغطاءات ثقافية متعددة للوصول إلى النتائج التي يتم توظيفها لثنائية الهيمنة والخضوع في المجتمعات البشرية، ومنها المجتمعات الإسلامية، التي تنشط فيها المجموعات المسلحة الإرهابية والتي دلّت التجارب على أنها تظهر وتختفي وفق إرادة اللاعب الدولي ووفق ضرورات المراحل .
ولعل خلاصة الحرب بين أمريكا وايران وردت على لسان أحد الساسة الغربيين وهو يقول : لا يمكن لأمريكا أن تدمر أو تمحو حضارة عمرها آلاف السنين، وكل المؤشرات تقول إن أمريكا لن تنتصر فيها .

قد يعجبك ايضا