على رصيف التاريخ حيث تتكسر أحلام العابرين وتنكفئ أوراق الخريف العربي في مهب الخذلان، يقف اليمن اليوم شاهقا كجباله، عميقا كبيدائه، ليعيد كتابة فصول العروبة بمداد من النور والدم. في هذه اللحظة الوجودية المثقلة بالوجع حين ارتدت العواصم ثياب الحياد البارد وتسترت وراء حسابات الأرقام وموازين الربح والخسارة، لم يستأذن اليمن جراحه الغائرة ليلبي نداء الواجب ولم يلتفت إلى ندوب سنوات الحصار والحروب الطويلة التي أنهكت جسده لكنها لم تمس كبرياء روحه.
حين أصيبت المنظومة الرسمية بالصمم المطبق وتلاشت خطابات التضامن في أروقة الفنادق والمؤتمرات الباهتة، كان اليمن وحده يسرج خيول النصرة، ممتدا بقلبه وبندقيته ومواقفه المشرفة ليكون السند الروحي والعسكري لغزة الجريحة والدرع الحامي الذي يتقاسم الألم والأمل مع لبنان المقاوم في وجه أبشع عدوان عرفته البشرية.
لم يكن الموقف اليماني زفرة عاطفية عابرة ولا بيانا دبلوماسيا صيغ بعناية ليرضي أطرافا شتى، بل كان هزة أرضية في وعي الأمة وثورة أخلاقية أربكت نظاما دوليا بأسره.
ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تنحر من الوريد إلى الوريد تحت بصر عالم أعمى وتخاذل إقليمي مخز، نفض اليمن عن كاهله غبار السنين وحول بحاره ومضائقه إلى متاريس دفاع عن الحق العربي، لم يحسب هذا الشعب الأصيل حسابا لقوته المادية المقارنة بعروش المال والنفط، لكنه احتكم إلى مخزون الكرامة والشهامة الكامن في جيناته الحضارية، فتحول باب المندب والبحر الأحمر إلى ساحة إسناد حقيقية أثبتت للعالم أن الدم العربي ليس رخيصا وأن الأقصى ليس مجرد معلم تاريخي، بل هو نبض القلب وضياء العيون الذي تهون في سبيل طهره الأرواح والمقدرات.
وعندما امتدت يد الغدر والعدوان لتنال من سيادة وأرض وأهل لبنان، تماهت الجغرافيا والآلام في الموقف اليمني وامتزجت الدموع بالرصاص في ملحمة وحدة الساحات والمصير.
لقد أظهر اليمن وعيا استراتيجيا وإنسانيا فذا حين ربط سلامة بحاره واستقرار جبهاته بوقف حزام النار عن غزة ولبنان، كاشفا بذلك عورة الرهانات السياسية الضيقة التي تحصنت خلفها بعض الأنظمة طلبا لسلام متوهم مع قاتل لا يفهم سوى لغة القوة.
إن خروج اليمنيين بالملايين في كل جمعة، كان بمثابة استفتاء دائم على شرف الانتماء وإعلان صاخب بأن الجامعة الحقيقية للدول العربية لا تسكن المقرات المهجورة والقرارات الميتة، بل تولد من جديد في ضمائر الشعوب الحية التي تأبى الركوع والتبعية.
إن هذا الحضور اليمني الطاغي في مشهد المواجهة، بالرغم من كل محاولات الخنق الاقتصادي والتهديدات العسكرية المباشرة التي يتعرض لها من القوى العظمى، أعاد بوصلة الأمة إلى اتجاهها الصحيح وسلط الضوء على مكامن الخلل الحقيقية، لقد مثل اليمن صدمة لضمير الأمة المنهك وفضح مبررات العجز والهروب التي صاغتها عواصم تملك الجيوش والمليارات وتفتقر إلى الإرادة والشجاعة، فكان الفارق صارخا بين يمن محاصر ينحت من الصخر وسيلة لإسناد إخوانه وبين تخمة عربية تلوذ بالصمت والتواطؤ خلف جدران الخوف، إنها المفارقة التاريخية التي تعيد ترتيب معادلات المجد، لتخبر الأجيال القادمة أن النصر والكرامة لا يشتريهما المال، بل تصنعهما النفوس الحرة والقلوب التي لا تعرف الخوف من الطغاة.
اليوم سيكتب التاريخ بأسطر من ذهب أن اليمن في زمن الردة العربية كان الواحة التي التجأت إليها قيم العروبة والإسلام وكان الفارس الذي لم يخذل القدس ولا بيروت حين عز النصير ولن تنسى أجيال المقاومة في غزة العزة وجنوب لبنان الأبي أن هناك شعبا في أقصى جزيرة العرب جاع ليطعم كرامتهم وقاتل لينتصر لمظلوميتهم ورفع الهامات ليبقى جبين الأمة مرفوعا.
سيبقى هذا الموقف اليماني المشرف، علامة فارقة ومنارة تضيء عتمة هذا الليل العربي الطويل، مؤكدا بيقين لا يتزعزع أن الفجر قادم لا محالة وأن دماء الشهداء وتضحيات الأحرار هي الجسر الذي ستعبر عليه الأمة نحو التحرير والكرامة والسيادة المطلقة من قمم صنعاء الأبية، إلى رحاب المسجد الأقصى المبارك وسهول لبنان الصامدة.
