التحولات الجيوسياسية في الخليج.. بين هواجس الأمن وإشكالية الارتهان للقوى الدولية
محمد علي اللوزي
شهد الخليج العربي في السنوات الأخيرة، تحولات جيوسياسية عميقة، تضع دوله أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتشابك هواجس الأمن مع حسابات النفوذ الدولي، في ظل بيئة إقليمية متوترة تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتنامي الاستقطاب الحاد بين محاور متصارعة. وقد أفرز هذا الواقع حالة من القلق الاستراتيجي لدى العديد من دول المنطقة، دفعتها إلى البحث عن مظلات حماية خارجية عبر شراكات أمنية وعسكرية مكثفة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى الانخراط في مسارات تطبيع مع إسرائيل، أملا في تحقيق توازن ردعي، يعزز الاستقرار ويضمن استمرار تدفق الاستثمارات وحماية البنى الاقتصادية الحيوية.
غير أن قراءة متأنية لمسار هذه التحالفات تكشف عن تعقيدات بنيوية، تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، إذ تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع رهانات النفوذ الجيوسياسي، بما يجعل المنطقة في كثير من الأحيان ساحة تنافس بين مشاريع دولية متعارضة. فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج، الممتد منذ عقود، لم يكن مجرد ترتيبات دفاعية تقليدية، بل أصبح جزءا من معادلة أوسع لإدارة التوازنات الإقليمية وضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية وحماية مستدامة للكيان الصهيوني، وهو ما يمنح واشنطن موقعا محوريا في هندسة التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة، كما كشفت الحرب العدوانية على إيران، أهمية هذه القواعد للكيان الصهيوني، لتبقى دول الخليج مجرد منصات حماية لهذا الكيان، ولتخسر مئات المليارات من الدولارات لإنشاء هذه القواعد التي لم تكن لحمايتها أو من أجل السلام والاستقرار لها، لتصاب بخيبة أمل كبيرة وخسائر في مستوى علاقاتها بجيرانها ودول المنطقة، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية والتنازلات الأخلاقية للحلف الابستيني.
في هذا السياق أيضا، برزت اتفاقيات التطبيع بين بعض دول الخليج وإسرائيل، بوصفها تحولا لافتا في بنية التحالفات الإقليمية، حيث روج لها باعتبارها مدخلا لتحقيق الاستقرار وتعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي. إلا أن هذه الخطوة أثارت في المقابل جدلا واسعا حول تداعياتها على الهوية السياسية والثقافية للمنطقة واعتبارها منطلقا للمؤامرات على الهوية العربية والإسلامية، لتفشل قدرتها الفعلية على تحقيق الأمن المنشود في ظل استمرار بؤر التوتر، وفي مقدمتها الملف الإيراني.
إن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بما يحمله من احتمالات التصعيد العسكري أو المواجهات غير المباشرة، يضع دول الخليج في موقع بالغ الحساسية، نظرا لما قد تترتب على أي صدام واسع النطاق من تداعيات اقتصادية وأمنية، تشمل تهديد طرق الملاحة في مضيق هرمز، وتعطل سلاسل إمداد الطاقة، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، فضلا عن المخاطر المرتبطة باستهداف البنية التحتية الحيوية. وقد أثبتت تجارب سابقة أن أي تصعيد في المنطقة، ينعكس سريعا على الأسواق المالية وأسعار النفط، الأمر الذي يفرض على دول الخليج التفكير في استراتيجيات توازن دقيقة تضمن تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة لا تخدم مصالحها المباشرة.
ومن زاوية أخرى، يبرز مفهوم السيادة الوطنية بوصفه أحد المحاور المركزية في النقاش الدائر حول طبيعة التحالفات الدولية وحدودها. فالدول الصغيرة والمتوسطة، غالبا ما تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى الشراكات الأمنية من جهة، والرغبة في الحفاظ على استقلال القرار الوطني من جهة أخرى. ويؤدي اختلال هذا التوازن أحيانا إلى تصاعد المخاوف من تحول بعض المناطق إلى ساحات صراع بالوكالة، بما يضعف قدرة الدول على التحكم في مسارات الأحداث داخل نطاقها الجغرافي.
إن التحولات الراهنة، تطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الإقليمي في الخليج، وما إذا كان سيتجه نحو مزيد من الاستقطاب، أم نحو بناء ترتيبات أمنية جماعية تقوم على الحوار الإقليمي وخفض التوتر؟. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأمن المستدام لا يتحقق عبر سباقات التسلح أو التحالفات المؤقتة فحسب، بل عبر بناء منظومات تعاون اقتصادي وسياسي تقلل من دوافع الصراع وتعزز المصالح المشتركة بين دول المنطقة.
وفي هذا الإطار، تبرز الدعوات إلى تبني مقاربات أكثر توازنا في إدارة العلاقات الدولية، بما يضمن تنويع الشراكات وعدم الارتهان والاعتماد على المحور الـ(ابستيني) بما فيه من اختلالات عميقة أخلاقية وسياسية، والعمل في الوقت ذاته على تطوير آليات للحوار الإقليمي تشمل مختلف الأطراف المؤثرة في معادلة الأمن الخليجي. فإعادة صياغة مفهوم الأمن ليشمل الأبعاد الاقتصادية والتنموية والثقافية قد يسهم في خلق بيئة أكثر استقرارا، ويقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات مكلفة لا رابح فيها.
إن قراءة المشهد الجيوسياسي في الخليج، تظل رهينة لتطورات متسارعة، تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الحسابات الدولية، ما يجعل الحاجة ملحة إلى استراتيجيات بعيدة المدى قادرة على استيعاب التغيرات المتلاحقة. فالتاريخ يبين أن الدول التي تنجح في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والحفاظ على استقلال القرار، هي الأقدر على حماية مصالحها وتجنب الوقوع في دوامات الصراع التي تستنزف الموارد وتعرقل مسارات التنمية.
وبين هواجس الأمن وتحديات السيادة، يبقى الخيار الأكثر استدامة وهو ذلك الذي يقوم غلى تعزيز الحوار الإقليمي، وتغليب المصالح المشتركة واحترام حق الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والعمل على بناء منظومة تعاون تضمن استقرار المنطقة بعيدا عن الاستقطابات الحادة التي أثبتت التجارب أنها كثيرا ما تفضي إلى نتائج عكسية، تزيد من تعقيد الأزمات بدلا من حلها.
فهل تتعظ دول الخليج من العدوان الصهيوأمريكي على إيران الذي جعل من قواعدها منطلقا لشن عدوان غاشم على إيران دونما الرجوع إليها وأخذ موافقتها، مما سبب لها دمارا واسعا وخسائر اقتصادية مهولة، وأغرقها في صراع ما كانت تريده ولا تسعى إليه؟! وهل تراجع علاقتها بالصهيوأمريكي وتدرك أن حمايتها هي في حسن الجوار والحوار البناء مع أشقائها وفي سيادتها واستقلالها وفي الانحياز للسلام بعيدا عن المؤامرات المكشوفة وغير المكشوفة مع الصهيوأمريكي.؟! لقد ذهبت الإمارات والبحرين إلى التطبيع مع الصهاينة وقدمتا كامل الولاء والطاعة لتنفيذ مخطط التآمر على الأمة، بل والى فتح المعبد الإبراهيمي في محاولة طمس الإسلام وخلق ديانة مزعومة، ومع ذلك لم يشفع لهما كل ما قدمتاه عند الصهاينة وتركوهما تعيشان مرارة الوجع المتلاحق في قصفهما لتتلقيا خسائر مالية كبيرة، وتعيشان إخفاقات سياسية واقتصادية ستبقى جروحا ربما لن تندمل. بفعل إدارة ظهريهما لأشقائهما واعتمادهما المطلق على الحلف (الابستيني) الذي جعلهما تخرجان من قيمهما الأصيلة وتتعلقان بأوهام الحماية الصهيوأمريكية لتكون النتيجة هزيمة موجعة في القيم وفي مجمل ما اشتغلتا عليه طويلا لكسب علاقة حميمية مع الآلهة (بعل) ولم تكن سوى علاقة مفرطة في الغباء وقديما قالوا : (من خرج من جلده عافه الناس) وما من أحد يخرج من جلده. وكفى بحرب الأربعين يوما واعظا.
